السر هو ما يفضي به الإنسان إلى آخر مستكتماً إياه، أو كان العرف يقضي بكتمانه ، كما يشمل خصوصيات الإنسان وعيوبه التي يكره أن يطلع عليها الناس.
وبعد التقدم الطبي والتجاء الناس إلى الأطباء لطلب النصح أو للاستشفاء من الأوجاع أو العاهات أو الإصابات، وكثيراً ما يحتاج الطبيب لمعرفة تاريخ المرض وأسبابه مما يمكنه من معرفة أسرار مريضه الخاصة والتي قد لا يعرفها أحد من الناس سواه. ومن هذه الأسرار ما يمس علائق أخرى مثل الدين والأخلاق والقانون وأمن المجتمع، كما قد يمس أشخاصاً آخرين كالزوج والخاطب وولي الأمر. ويثور التساؤل عن مدى حق الطبيب ومسؤوليته في إفشاء أو كتمان تلك الأسرار، واختلف الفقهاء المعاصرون في ذلك على ثلاثة اتجاهات:
الاتجاه الأول : يرى أنه يحرم على الطبيب إفشاء أسرار مريضه بحال. وحجتهم: أن الأسرار أمانات، ولا يجوز خيانة الأمانة، واطلاع الطبيب على تلك الأسرار إنما كان بغرض المداواة، فيقتصر توظيف تلك الأسرار على العلاج، ولا يستجيب لطلبات أي جهة ولو كانت من الجهات الأمنية فى إفشاء أسرار مريضه إلا بإذنه.
الاتجاه الثاني : يرى أنه يجب على الطبيب توظيف أسرار مريضه في خدمة شتى الجوانب الإصلاحية من العلاج والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وحجتهم : أن الخبر إذا خرج من المريض لم يعد سراً، كما أن الطبيب قبل أن يكون طبيباً هو إنسان مسؤول في المجتمع وعليه أن يكون مصلحاً وعنصراً وقائياً لتفادي الضرر ، مع مراعاة سياسة التدرج واتباع أخف الضررين عند المعالجة الاجتماعية، وله أن يتعاون مع الجهات الأمنية إذا لزم الأمر.
الاتجاه الثالث: يرى أن الأصل هو تحريم إفشاء الطبيب لأسرار مريضه، ولكن يجوز ذلك في بعض الصور الاستثنائية التي يؤدي الكتمان فيها إلى ضرر محقق أو ضياع مصلحة معتبرة. وحجتهم: الجمع بين حجج الاتجاهين السابقين.
وهذا الاتجاه هو ما أخذت به المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية في ندوتها الثالثة سنة 1987م، حيث جاء في توصياتها: " إفشاء السر في الأصل محظور ومستوجب المؤاخذة شرعاً ومهنياً وقانوناً. ويستثنى من وجوب كتمان السر حالات يؤدي فيها كتمانه إلى ضرر يفوق ضرر إفشائه بالنسبة لصاحبه ، أو يكون في إفشاء مصلحة ترجح على مضرة كتمانه، وهذه على ضربين: 1- حالات يجب فيها إفشاء السر، وهي ما فيه درء مفسدة عن المجتمع أو الأفراد. 2- حالات يجوز فيها إفشاء السر، وهي ما فيه جلب مصلحة للمجتمع أو يأذن صاحب السر بإفشائه. وفي جميع الأحوال يجب أن يحمي القانون الأطباء بالنص على كيفية الإفشاء ولمن يكون ، وتقوم الجهات المسؤولة بتوعية الكافة بهذه المواطن".
وهذا الاتجاه الأخير هو الذي يتفق مع مقاصد الشريعة من حفظ الكليات الخمس وهي الدين والنفس والعقل والعرض والمال.








