Get Adobe Flash player

03/04/2011 - الجمهورية

"أ" الجنسية أو المواطنة والرافضون لها

 الجنسية بمعناها الاصطلاحي هي تلك العلاقة المحددة بالقانون بين الفرد والدولة وتشمل هذه العلاقة روابط سياسية وقانونية واجتماعية بحيث يكون ولاء الفرد للدولة وليس لشخص الحاكم وتكون الدولة مسئولة عن حماية الفرد في نفسه وماله في مواجهة الدول الأخري ويكون للأفراد حق المساواة في الحقوق والواجبات العامة فيما يعرف بحق المواطنة الذي لا يميز بين المواطنين بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة.

وعندما ظهرت هذه القضية الفقهية لأول مرة في البلاد الاسلامية أوائل القرن العشرين بعد سقوط الخلافة العثمانية كان من الطبيعي أن تختلف الرؤي الفقهية رحمة بالأمة فقد أخرج الخطيب البغدادي ان الامام مالك عندما انتهي من تأليف كتابه "الموطأ" أهدي منه نسخة لهارون الرشيد فأعجبه وأراد أن يعممه علي الناس فقال هارون يا أبا عبدالله نكتب هذا الكتاب ونحمل الناس عليه ونفرقه في آفاق الاسلام لنحمل عليه الأمة فقال الامام مالك يا أمير المؤمنين ان اختلاف العلماء رحمة من الله تعالي علي هذه الأمة كل يتبع ما صح عنده وكلهم علي هدي وكل يريد الله تعالي.

وقد رفض فكرة الجنسية أو المواطنة عدد غير قليل من فقهاء المسلمين وعلمائهم علي مدار القرن العشرين ومن أشهرهم الشيخ محمود شلتوت والشيخ محمد أبوزهرة والشيخ محمد ناصر الدين الألباني والاستاذ سيد قطب وغيرهم.

ونظرا لأن الاسلام لا يجعل العصمة لبشر سوي الأنبياء فكان كل ما يقوله الفقهاء رؤية شرعية تحتمل الخطأ والصواب مهما كانت درجة الفقيه من العلم فقد قال الامام الشافعي عن نفسه "قولي صواب يحتمل الخطأ وقول غيري خطأ يحتمل الصواب" ومن هنا وجب علي الفقهاء المجتهدين أن يظهروا أدلتهم فإن كانت مقنعة أخذنا بها وإلا فقد فقدت صلاحية العمل بها ووجب علينا البحث عن رؤية فقهية أخري تمتلك من الأدلة ما تطمئن القلب وقد استدل الرافضون بفكرة الجنسية أو المواطنة بجملة من الأدلة نوجزها فيما يلي:

"1" ان فكرة الجنسية أو المواطنة من المستحدثات والبدع التي ورد النهي عنها فيما أخرجه الشيخان عن عائشة ان النبي صلي الله عليه وسلم قال "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه وفي رواية منه فهو رد" وأخرجه مسلم بلفظ آخر "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد" وأخرج مسلم عن جابر بن عبدالله ان النبي صلي الله عليه وسلم كان إذا خطب يقول "أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة" ويمكن الجواب عن ذلك: بأن المنهي عنه هو الإحداث في الدين أو الخروج عن مقاصده. أما الإحداث لتمكين الدين وتحقيق مقاصده فهو من التجديد الممدوح شرعا لما أخرجه أبو داود عن أبي هريرة ان النبي صلي الله عليه وسلم قال "ان الله يبعث لهذه الأمة علي رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها" واذا عرفنا بأن الجنسية أو المواطنة قد تحقق بها المعيار المرضي لاقتسام الحقوق والواجبات والتراضي أمارة العدل والعدل هو مقصد الشرع الأول في الحكم فإننا بالجنسية أو المواطنة نكون قد أبدعنا وأحسنا ولم نبتدع أو نستحدث في الدين قال تعالي "ان الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلي أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل" "النساء : 58" وقال تعالي "ولا يجرمنكم شنآن قوم علي أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوي" "المائدة : 8".

"2" ان مصطلح الجنسية أو المواطنة غربي النشأة ومرتبط بأفكار وعقائد غير المسلمين فكان التعامل به محظورا علي المسلمين لنهيهم عن التشبه بغير المسلمين فقد أخرج الطبراني والترمذي وضعفه من حديث عمرو بن شعيب عن ابيه عن جده ان النبي صلي الله عليه وسلم قال "ليس منا من تشبه بغيرنا ولا تشبهوا باليهود ولا بالنصاري فإن تسليم اليهود الاشارة بالأصابع وان تسليم النصاري بالأكف" وأخرج الشيخان عن ابي سعيد الخدري ان النبي صلي الله عليه وسلم قال "لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتي لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه" قلنا يا رسول الله اليهود والنصاري؟ قال "فمن" هذا مع قوله سبحانه "ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم" آل عمران : 73. وقوله تعالي "ولايزالون يقاتلونكم حتي يردوكم عن دينكم ان استطاعوا" البقرة : .217

ويمكن الجواب عن ذلك بأن حديث عمرو بن شعيب الذي ورد فيه النهي عن التشبه بغير المسلمين قد ضعفه الترمذي والهيثمي وعلي التسليم بصحة النهي عن التشبه بغير المسلمين كما في حديث ابي سعيد في الصحيحين فهو خاص بالأمور الدينية أو العبادية المحضة التي ورد في شريعتنا نص خاص بها لعموم قوله تعالي "لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا" المائدة : 48. وقوله تعالي "لكم دينكم ولي دين" "الكافرون : 6". أما ما لم يرد فيه عندنا نص فقد كان النبي صلي الله عليه وسلم يحب موافقة أهل الكتاب لما اخرجه الشيخان من حديث ابن عباس "ان النبي صلي الله عليه وسلم كان يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشئ" ولذلك وجدنا الرسول صلي الله عليه وسلم يأخذ بفكرة "عقد السلم" وهي فكرة يهودية.

د/ سعد الدين مسعد هلالي

أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر

Islamic Calendar Widgets by Alhabib

Pages