18/06/2011 - الجمهورية
"أ" قرآن وسنة
اختلف الفقهاء في الصفة الظاهرة بعد الدفن. هل تكون بصفة التسطيح أو تكون بصفة التسنيم وهذه المسألة تختلف عن مسألة جرث القبر وبروزه التي سبق بيانها وذكرنا فيها مذهبين مختلفين حيث يري الجمهور من الشافعية والحنابلة والظاهرية استحباب بروز القبر عن الأرض شيئا لحمايته من المشي عليها ويري الحنفية والمالكية استحباب تسوية القبر بالأرض عملا بظاهر الأمر بتسوية القبور.
فإذا تم الدفن وكان القبر مساويا للأرض أو بارزا عليها فهل تكون صورته الظاهرة مسنمة أو مسطحة؟ ان تسطيح القبر يعني تربيعه أو بسطه أو تسوية سطحه دون النظر لمساواته سطح الأرض فهو أشبه بالمسطبة يقال: سطحه سطحا أي بسطه وسواه فهو مسطوح وسطيح.
أما تسنيم القبر فيعني تشكيل سطحه علي هيئة سنام البعير. وهو أشبه بمنظر القبوة أو الهرم المستطيل دون زوايا حادة يقال: سنم البعير سنما أي عظم سنامه والسنام كتل من الشحم محدبة علي ظهر البعير والناقة والسنام من كل شيء أعلاه.
ولا خلاف بين الفقهاء في جواز كل من تسنيم القبر وتسطيحه ولكنهم اختلفوا في الصفة الأفضل منهما علي مذهبين.
المذهب الأول: يري ان الأفضل هو تسنيم القبر أي جعله علي صفة القبوة أو الهرم المستطيل وهو مذهب الجمهور قال به الحنفية والمالكية والحنابلة وهو وجه عند الشافعية وحجتهم ما أخرجه البخاري ان سفيان التمار رأي قبر النبي صلي الله عليه وسلم مسنما.
قال بن حجر: زاد أبونعيم في المستخرج: وقبر أبي بكر وعمر كذلك قال: وهذا دليل علي ان المستحب تسنيم القبور. كما أخرج محمد بن الحسن عن أبي حنيفة قال: حدثنا شيخ لنا يرفع ذلك إلي النبي صلي الله عليه وسلم انه نهي عن تربيع القبور. وأخرج عبدالرازق عن الحسن انه كان يكره تربيع القبر. قالوا: وأيضا فإن التسطيح مذهب الروافض وأهل التبرع كما انه صنيع أهل الكتاب كما انه يشبه ابنية أهل الدنيا. وقد اعترض الشافعية دليل هذا المذهب بأن ما ورد في البخاري من صفة تسنيم قبر النبي صلي الله عليه وسلم لا حجة فيها لما أخرجه أبو داود والحاكم ان عائشة كشفت عن قبر الرسول صلي الله عليه وسلم وصاحبيه للقاسم بن محمد فرأي ثلاثة قبور لا مشرفة ولا لاطئة قال: وكان هذا في خلافة معاوية فكأنها كانت في الأول مسطحة ثم لما سقط الجوار في إمارة عمر بن عبدالعزيز علي المدينة من قبل الوليد بن عبدالملك أصلح وسيروها مرتفعة فجعل مسنما. قال الشافعية: واما حديث محمد بن الحسن في النهي عن تربيع القبور فهو غير مسند وعلي التسليم بصحته فإنه يحمل علي بنائها وهذا ما يحمل عليه قول الحسن قال النووي وأما القول بأن التربيع أو التسطيح من شعار الرافضة وأهل البوع وأهل الكتاب فإن السنة قد صحت فيه فلا يضر موافقتهم فيه ولو كانت موافقتهم لنا سببا لترك ما وافقوا فيه لتركنا واجبات وسننا كثيرة.
المذهب الثاني: يري ان الأفضل تسطيح القبر أو تربيعه أي جعله علي صفة السطح المستوي وهو الذي نص عليه الشافعي وأكثر أصحابه وبه قال الهادي والقاسم وسائر أئمة الشيعة وحجتهم: ما أخرجه الحاكم وصححه عن القاسم بن محمد انه طلب من السيدة عائشة أن تكشف له عن قبر النبي صلي الله عليه وسلم وصاحبيه قال: فكشفت لي عن ثلاثة قبور لا مشرفة ولا لاطئة مبطوحة ببطحاء العرضة الحمراء قالوا والمبطوحة هي المستوية وأخرج الامام الشافعي قال: بلغنا عن النبي صلي الله عليه وسلم انه سطح قبر ابراهيم ابنه ووضع عليه حص من حص الروضة .
د/ سعد الدين مسعد هلالي
أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر










