Get Adobe Flash player

الجنسية في اللغة: مصدر صناعي، مشتق من كلمة "جنس". والجنس في اللغة يعني الأصل، كما يطلق على الضرب من كل شيء. والجنس في الكائنات الحية يطلق على الذكر أو الأنثى. والجمع: أجناس وجنوس. تقول: جنَّس الأشياء، أي شاكل بين أفرادها، أو نسبها إلى أجناسها. والتجنس هو اكتساب الجنسية.

والجنسية في الاصطلاح عند أساتذة القانون الدولي تطلق على: "تلك العلاقة المحددة بين فرد ودولة، والتي تعطي للدولة حقاً دائماً وغير مشروط في حماية الفرد في نفسه وماله في مواجهة الدول الأخرى، وتفرض على الدولة ذاتها في علاقتها بالدول الأخرى واجب إدخاله في إقليمها". وهذا التعريف للجنسية يجعل منها: "رابطة سياسية وقانونية بين الفرد والدولة". وقد تطورت الجنسية بعد ذلك، حيث أضافت محكمة العدل الدولية في السادس من إبريل سنة 1951م رابطة اجتماعية للجنسية فعرفتها بأنها:" رابطة قانونية قائمة أساساً على رابطة اجتماعية، وتضامن فعال في المعيشة والمصالح والمشاعر، مع التلازم بين الحقوق والواجبات".

ويرجع الأصل التاريخي لفكرة "الجنسية" إلى فكرة "الولاء" التي كان يدين بها الفرد في العصور الوسطى للحاكم الإقطاعي أو للملك بصفته الشخصية. ولما ظهرت فكرة "الجنسية" بمعناها الحديث في القانون الفرنسي سنة 1735م، وأصبح الأفراد خاضعين لسلطان الدولة المباشر بدلاً من خضوعهم لسلطان الحاكم بصفته الشخصية تحولت علاقة الولاء التي تربط الفرد والحاكم إلى علاقة تبعية بين الفرد والدولة.

ما يترتب على الجنسية من المواطنة

تمخضت فكرة "الجنسية" بمعناها الاصطلاحي القانوني عن ميلاد مصطلح جديد هو "المواطنة أو المواطن". أما المواطنة فتكون بالحصول على جنسية الوطن بطريقة قانونية. وأما المواطن فهو الحاصل على جنسية الوطن سواء كان مقيما فيه أو لم يكن. وجاءت العلاقة بين الجنسية وبين المواطنة بسبب الرابطة الاجتماعية التي أضيفت إلى حقيقة الجنسية من محكمة العدل الدولية سنة 1951م، بحيث تصير الجنسية: " رابطة سياسية وقانونية واجتماعية بين الأفراد والدولة".

والوطن أو الموطن في اللغة: هو مكان إقامة الإنسان ومقره، سواء كان قد ولد به أو لم يكن قد ولد به. والجمع: أوطان ومواطن. والمواطنة في اللغة: هو الاتفاق على أن يعيش مع غيره في وطن واحد، فيكون كل واحد منهم مواطناً. تقول: واطن القوم، أي عاش معهم في وطن واحد. وتقول: وطن – بفتح الواو والطاء – بالمكان يطن – بفتح الياء وكسر الطاء – وطناً – بسكون الطاء – أي أقام به.

و تنص الدساتير في مختلف الدول على حق المساواة بين المواطنين، ومن ذلك ما جاء في الدستور المصري الصادر عام 1971م، حيث تنص المادة (40) منه على أن: "المواطنون لدى القانون سواء، وهم متساوون في الحقوق والواجبات العامة، لا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة".

الجنسية المصرية

كانت مصر منذ الفتح الإسلامي في أوائل القرن الثامن الميلادي إحدى ولايات الخلافة الإسلامية المتعاقبة، وكان آخرها الخلافة العثمانية التي أصدرت أول تشريع وضعي منظم للجنسية في 19 يناير 1869م، و تنص مادته الأولى على أنه: "يعتبر عثمانيا كل من ولد لأبوين عثمانيين أو لأب عثماني". واستمر العمل بهذا القانون في مصر حتى انفصالها عن الخلافة العثمانية بنشوب الحرب العالمية الأولى سنة 1914م. ومرت مصر بمرحلة فراغ تشريعي حتى صدر الدستور المصري الأول سنة 1923م، ونص فى مادته الثانية على أن الجنسية المصرية يحددها القانون، وقد تأخر صدور هذا القانون حتى 26 مايو 1926م إلا أنه لقي معارضة شديدة من الأجانب المتمتعين بالامتيازات، مما اضطر القضاء إلى تطبيق نصوص الجنسية العثمانية حتى صدر القانون 19 سنة 1929م الذي طرأت عليه عدة تعديلات اقتضتها التغيرات السياسة مثل ثورة 23 يوليو 1952م وإعلان النظام الجمهوري، والوحدة بين مصر وسوريا في 22 فبراير 1958م، والانفصال بين مصر وسوريا في 28 سبتمبر 1961م. حتى صدر القانون رقم 26 في 21 مايو 1975م بشأن تنظيم الجنسية المصرية التي تكتسب بأحد ثلاثة أصول، وهي: (1) الميلاد لأب وطني، ولو في خارج الوطن (حق الدم المطلق). (2) الميلاد لأم وطنية في الوطن المصري (حق الدم المقيد). (3) الميلاد بالإقليم المصري لمجهول الأبوين (حق الإقليم المطلق).

وأما التجنس بالجنسية المصرية فقد كفله القانون بضوابط معينة وفي أحوال خاصة منها: (1) موافقة رئيس الدولة أو وزير الداخلية على طلب المتقدم. (2) الزوجة الأجنبية من مصري. (3) ابن المرأة المصرية إذا ولد في الخارج لأب مجهول النسب والجنسية. (4) الأجنبي المولود في مصر وكانت إقامته العادية فيها عند بلوغه سن الرشد.

تحرير محل النزاع في قضية الجنسية

الجنسية بمعناها الاصطلاحي، وهي تلك العلاقة المحددة بالقانون بين فرد ودولة، ومالها من آثار دولية في مواجهة الدول الأخرى، وما تولد عن الجنسية من مصطلح "المواطنة" الذي يسوي بين الجميع في الحقوق والواجبات، دون التمييز بين المواطنين بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة لم تكن معروفة قبل صدور القانون الفرنسي سنة 1735م، ولم تأخذ به الخلافة العثمانية الإسلامية إلا في 19 يناير 1869م، فكانت قضية مستحدثة لم تدرك فقهاء المذاهب الأصيلة. وقد عالجها الفقهاء المحدثون من السلف والخلف وفقاً لقواعد التخريج الفقهية، والاستنباط من النصوص الشرعية العامة، فاتفقوا على العمل بنظام الجنسية والتجنس وما يقتضيه في ظل نظرية الضررة. أما في حال السعة والاختيار فقد اختلفوا على اتجاهين في الجملة، بعد جدل فقهي كبير.

سبب الخلاف الفقهي في الجنسية والتجنس

يرجع الخلاف الفقهي في الأخذ بنظام الجنسية والتجنس القانوني حال السعة والاختيار إلى عدة أسباب من أهمها: (1) حداثة مصطلح "الجنسية" وعدم إسلامية مصدره، مع الاختلاف الفقهي القديم في حكم الأصل في الأشياء المستحدثة الحظر أو الإباحة؟. (2) تعارض مقتضيات "الجنسية" من المواطنة القانونية التي تسوي بين المواطنين في الحقوق والواجبات دون النظر إلى الجنس أو الدين مع ظاهر الأحكام الشرعية، وما استقر عليه العمل في البلاد الإسلامية من اشتراط الإسلام والذكورة لمسائل كثيرة، والاختلاف في كون البحث الفقهي لمعالجة هذا التعارض من الحيل المضيعة للدين، أو من المخارج المجددة للدين؟. (3) تعارض مبدأ "الولاء والبراء" الإسلامي بالتفسير الموصوف بالسلفي مع فكرة "الجنسية" القانونية. (4) تعارض تعظيم فكرة "الجنسية" للدولة المعاصرة مع مقاصد الشريعة الإسلامية في تعظيم مبدأ العالمية أو الإنسانية وهدم دواعي العصبية المقيتة. (5) الاختلاف في مقاصد الشريعة الإسلامية من نظام الحكم، هل يعتمد الحكم الإسلامي على تحكيم المسلمين بتوليتهم الرئاسة ولو مع صفة الظلم، أو يعتمد تحكيم الإسلام بعدله ولو بغير مسلم؟

الاتجاهات الفقهية في قضية الجنسية (المواطنة)

أثر اختلاف الفقهاء المحدثين في قضية "الجنسية" وما تقتضيه من تبعات قانونية عن اتجاهين محتملين في الجملة، نوجزهما فيما يلي:

الاتجاه الأول: يرى رفض فكرة "الجنسية" المرتبطة بدولة إسلامية معينة مطلقاً، وأن البديل هو "الجنسية الإسلامية" التي يستحقها المسلم بإسلامه، وغير المسلم بأمانه في الدولة الإسلامية. وقيل: لا يستحقها إلا المسلم خاصة. وإلى هذا ذهب كثير من الفقهاء المحدثين، ومن أشهرهم الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، والشيخ سيد قطب، والدكتور يوسف القرضاوي في كتابة "الأمة الإسلامية حقيقة لا وهم". وحجتهم: (1) حداثة فكرة "الجنسية" مع عموم ما أخرجه الشيخان عن عائشة، أن النبي r قال: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه ( وفي رواية: منه) فهو رد"، وفي لفظ للبخاري تعليقاً، ولمسلم عن عائشة مرفوعا: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد" . خاصة وأن هذه الفكرة المستحدثة مستوردة من غير المسلمين مع قول الله تعالى: "ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم"[آل عمران: 73]، وقول الله سبحانه: "ولا يزالون يقاتلونكم حتى يرددكم عن دينكم إن استطاعوا" [البقرة: 217]. ويمكن الجواب عن ذلك: بأن المنهي عنه هو الإحداث في الدين أو الخروج عن مقاصده. أما الإحداث لتمكين الدين دون العبث فيه أو الخروج عن مقاصده فهو من التجديد الممدوح شرعاً؛ لما أخرجه أبو داود عن أبي هريرة، أن النبي r قال: "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها". وأما التشكك في فكرة "الجنسية" لمجرد صدورها من غير المسلمين فلا وجه له؛ لأن النبي r أخذ بفكرة "عقد السلم" اليهودية، وامتنع عن نهي المسلمين عن الغيلة بعد أن نظر في الروم (النصارى) وفارس (الوثنية)، فقد أخرج الشيخان عن ابن عباس، قال: قدم رسول الله r المدينة والناس يسلفون في الثمر العام والعامين والثلاث فقال r: "من أسلف في شيء ففي كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم". وأخرج مسلم عن جذامة بنت وهب الأسدية، أن النبي  rقال: " لقد همت أن أنهى عن الغيلة حتى ذكرت أن الروم وفارس يصنعون ذلك فلا يضر أولادهم". [والغيلة هي أن يأتي الرجل زوجته وهي حامل، أو تحمل المرأة وهي ترضع]. (2) أن فكرة "الجنسية" وما ترتب عليها من مبدأ "المواطنة" الذي يسوي بين الذكر والأنثى، كما يسوي بين المسلم وغير المسلم في الحقوق والواجبات في الدولة، فكرة تقود في النهاية إلى فساد الدين لتعارضها مع ظاهر الأحكام الشرعية التي تشترط صفة الإسلام والذكورة في كثير من المسائل والتصرفات. وأن البحث في الفقه الإسلامي عن أقوال أخرى تخالف ما جرى عليه العمل لتبرير بعض مقتضيات "الجنسية أو المواطنة" نوع من الحيل المضيعة للدين، وقد أخرج البخاري عن جابر بن عبد الله، ومسلم عن أبي هريرة، أن النبي r قال: "قاتل الله اليهود لما حرم الله عليهم الشحوم جملوها ثم باعوها فأكلوها". ويمكن الجواب عن ذلك: بأن مقتضيات "الجنسية أو المواطنة" القانونية لها مخارج في الفقه، وليس معنى استقرار عمل المسلمين بوجه فقهي معين أن ما عداه من الأوجه الفقهية الصادرة عن الفقهاء المعتبرين باطل في ذاته، فكل الأوجه الفقهية محتملة الصواب لمرجعيتها الشرعية، وأن من حق ولي الأمر أن ينتقل من وجه فقهي إلى وجه آخر إذا بدت المصلحة في ذلك، بل من حق المجتهد أن يرجع عن اجتهاده إلى غيره إذا ترجح عنده العدول. وقد ثبت هذا عن أصحاب المذاهب المشهورة، ولم يقل أحد بأنهم ضيعوا الدين، بل إنهم قد جددوا الدين. وأما لعن النبي r لليهود على حيلتهم في تحريم الشحوم عليهم بإذابتها فلأن النهي كان وارداً على الشحوم عيناً وليس لصفة تماسكها، ومن هنا لم تكن إذابتها حيلة مشروعة. وهذا بخلاف أن تكون الحيلة متفقة مع مقاصد الشرع مثل قوله تعالى لنبيه أيوب: "وخذ بيدك ضغثاً فاضرب به ولا تحنث" [ص: 44]. يقول ابن كثير:" وكان أيوب –عليه السلام- قد غضب على زوجته (قيل: باعت ضفيرتها بخبز فأطعمته إياه فلامها على ذلك. وقيل: غير ذلك) فحلف إن شفاه الله تعالى ليضربنها مائة جلدة، فأفتاه الله عز وجل أن يأخذ ضغثاً، وهو الشمراخ، فيه مائة قضيب فيضربها به ضربة واحدة، وقد برت يمينه وخرج من حنثه ووفي بنذره. وهذا من الفرج والمخرج". ومثل هذا المخرج: ما رواه أبو داود عن أبي أمامة سهل بن حنيف، عن بعض أصحاب رسول الله r من الأنصار، أنه اشتكى رجل منهم حتى أضنى، فعاد جلدة على عظم، فدخلت عليه جارية لبعضهم، فهش لها، فوقع عليها. فلما دخل عليه رجال من قومه يعودونه أخبرهم بذلك، وقال لهم: استفتوا لي رسول الله r، فذكروا ذلك لرسول الله r، وقالوا: ما رأينا بأحد من الناس من الضر مثل الذي هو به، لو حملناه إليك لتفسخت عظامه، ما هو إلا جلد على عظم، فأمر الرسول r أن يأخذوا له مائة شمراخ فيضربوه به ضربة واحدة.

(3) أن فكرة "الجنسية" القانونية تتعارض مع أوثق عرى الإيمان فيما يعرف بمبدأ "الولاء والبراء" المنصوص عليه فيما أخرجه الطبراني في الكبير والبغوي في شرح السنة، بسند حسن، عن ابن عباس، أن النبي r قال: "أوثق عرى الإيمان المولاة في الله والمعاداة في الله والحب في الله والبغض في الله". وهذا يستلزم إعلان القرب من المسلمين بمودتهم وإعانتهم ومناصرتهم والسكن معهم؛ بقوله تعالى: "إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم" [الحجرات: 10]، كما يستلزم قطع الصلة مع غير المسلمين بعدم حبهم أو مناصرتهم أو الإقامة في ديارهم إلا لضرورة؛ عملاً بقوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين" [المائدة: 51]، وقال تعالى: "لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباؤهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم" [المجادلة: 22]. ويمكن الجواب عن ذلك: بعدم التسليم بالتفسير المذكور لمبدأ الولاء والبراء؛ لأنه يقوم على قطع الصلة بين المسلمين وغيرهم، مع أن النبي r بعث للناس كافة، كما قال تعالى: "قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا" [الأعراف: 158]، وقال تعالى: "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين" [الأنبياء: 107]. فكما أن للمسلمين حقاً في رسول الله، كذلك غير المسلمين، وهذا يستلزم عدم قطع الصلة معهم بحال نشراً للدعوة. وبهذا يكون المراد من حديث ابن عباس بالموالاة في الله والمعاداة في الله هو نصر الحق ولو كان لغير مسلم، ومنع الظلم ولو كان من مسلم؛ عملاً بما أخرجه الشيخان من حديث أنس، أن النبي r قال: "انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً". قالوا: يا رسول الله، هذا ننصره مظلوما فكيف ننصره ظالما؟ قال: "تأخذ فوق يديه". وصدق الله حيث يقول: " يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى" [المائدة: 8].

وأما أدلة النهي عن موادة غير المسلمين فهي مقيدة بحال العدوان؛ لقوله تعالى: "لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلونكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين" [الممتحنة: 8]. وأما الأخوة الإيمانية فلا تتعارض مع اختلاف "الجنسية"؛ قياساً على اختلاف الوظائف والمهن ومحال الإقامة فإن ذلك لا يتعارض مع "الجنسية".

(4) أن تعظيم فكرة "الجنسية" أو "المواطنة" للدولة الصغيرة يتعارض مع مقاصد الشريعة الإسلامية في تعظيم مبدأ "العالمية أو الإنسانية"، وهدم دواعي العصبية. ويدل على مبدأ العالمية: عموم قوله تعالى: "واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا" [آل عمران: 103]، وقوله تعالى: "إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء" [الأنعام: 159]. ويدل على نبذ العصبية: ما أخرجه أبو داود عن جبير بن مطعم، أن النبي r قال: "ليس منا من دعا إلى عصبية، وليس منا من قاتل على عصبية، وليس منا من مات على عصبية". ويمكن الجواب عن ذلك: بأن فكرة "الجنسية" جاءت كإجراء تنظيمي لترتيب الحقوق والواجبات التي تقرها الأديان والعقائد، وليست "الجنسية" هي المنشئة لتلك الحقوق؛ لأنها ليست دينا ولا عقيدة. ومن ثم فإنها لا تتعارض مع مقاصد الشريعة من العالمية أو الإنسانية؛ إذ يمكن للعالم أن يتحد في ظل الجنسيات المختلفة، كما نرى نموذج الاتحاد الأوربي المعاصر.

(5) أن نظام الحكم في الإسلام يقوم على تولية المسلمين ولو كانوا غير مصلحين، وهذا يتعارض مع فكرة "الجنسية" أو "المواطنة". ويدل على شرط صفة الإسلام للحاكم على المسلمين: عموم قوله تعالى: "ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً" [النساء: 141]، وقد وعد الله المسلمين بهذا التمكين في قوله سبحانه: "وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا" [النور: 55]. كما أمر الله تعالى المسلمين بقتال غيرهم حتى يملكوا زمام الحكم عليهم في قوله تعالى: " فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلو سبيلهم إن الله غفور رحيم" [التوبة: 5] وقال تعالى: "قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون" [التوبة:29]. وأخرج الشيخان من حديث أنس، أن النبي r قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها وصلوا صلاتنا واستقبلوا قبلتنا وذبحوا ذبيحتنا فقد حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله". ويمكن الجواب عن ذلك: بأن الله تعالى لم يشترط في الحاكم أن يكون مسلماً وإنما اشترط أن يكون الحكم بالعدل، قال تعالى: " إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل" [النساء: 58]، وقال تعالى: "إن الله يأمركم بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهي عن الفحشاء والمنكر والبغي" [النساء: 90]. وأما قوله تعالى: "ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا" [النساء: 141] فليس دليلاً عند أكثر المفسرين على اشتراط الإسلام في الحاكم؛ لأن الآية -كما قال الإمام على وابن عباس وأبو مالك الأشجعي وغيرهم- جاءت للإخبار عن يوم القيامة، ويدل على ذلك السياق. قال تعالى: "الذين يتربصون بكم فإن كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم وإن كان للكافرين نصيب قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين فالله يحكم بينكم يوم القيامة ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا" [النساء: 141]. وأما الأمر بقتال غير المسلمين فقد كان في بادئ الأمر عندما استباح غير المسلمين دماء المسلمين، فلما استقر الوضع للمسلمين نسخ هذا الأمر ونزل قوله تعالى: "وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين" [البقرة: 190].

الاتجاه الثاني: يرى قبول فكرة "الجنسية" المرتبطة بدولة إسلامية معينة، مع المعالجة الفقهية عند تعارض مقتضيات "الجنسية" القانونية مع ما استقر عليه العمل بوجه فقهي دون غيره. وإلى هذا ذهب بعض فقهاء السلف المحدثين، ومن أشهرهم الإمام محمد عبده (ت 1905م) وتلميذه الشيخ محمد رشيد رضا، كما في تفسير المنار، وتبعهم كثير من فقهاء الخلف. يقول الشيخ رشيد رضا في تاريخه لحياة الأستاذ الإمام محمد عبده تحت عنوان " رأيه في الوطنيه" : " كان يرى أن الوطنية التي هي عبارة عن تعاون جميع أهل الوطن الواحد المختلفي الأديان على كل ما فيه عمرانه وإصلاح حكومته لا يعارض الدين الإسلامي في شيء، كما يثبته شرعه في العدل والمساواة ويشهد له تاريخه.. وكان يرى القبط على أتم الاتحاد والتآلف والتعاون بينهم على ترقية جميع أمورهم الدينية والدنيوية من دون المسلمين، ولم يصدر عنه قول ولا فعل في مقاومتهم أو دعوة المسلمين إلى ذلك. وإنما كان يحب أن يجتهد كل فريق بنفسه في ترقية مصالحهم الملية ويتعاون الجميع على المصالح المشتركة الوطنية". ثم يقول في موضع آخر: " إن الإمام محمد عبده يرى أن الجنسية لا أثر لها عند المسلمين قاطبة في حقوق الأخوة الإسلامية؛ لأن الجنسية ليست ديناً". وحجتهم: (1) أن "الجنسية" ليست ديناً جديداً، بل هي إجراء قانوني لتنظيم وترتيب الحقوق والواجبات للأفراد في الدولة الواحدة.وهى من الأصول الشرعية نصاً أو تخريجاً، كما نوضحه فيما يلي.أ- أما النص على أصل مشروعية الجنسية ففيما يعرف بوثيقة المدينة، أو كتاب النبي r إلى أهل المدينة، ويسميها بعض المعاصرين"دستور المدينة"؛ حيث أشتملت على التقارب بين تسع قبائل أو تجمعات يهودية، وتقرر النصح بينهم وبين المسلمين على من حارب هذه الصحيفة. وقد أخرج بن هشام فى سيرته عن ابن اسحاق نصاً كاملاً لهذه الصحيفة، ومما جاء فيها:"هذا كتاباً من محمد النبي رسول اللهr بين المؤمنين والمسلمين من قريش وأهل يثرب، ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم، أنهم أمه من دون الناس وأن من تبعنا من يهود فإن له النصرة والأسوة غير مظلومين ولا متناصر عليهم، وأنه لا يجير مشرك مالاً لقريش ولا نفساً، ولا يحول دونه على مؤمن. وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين. وأن يهود بنى عوف أمه مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم: مواليهم وأنفسهم إلا من ظلم وأثم. وأن ليهود بنى الحارس مثل ما ليهود بنى عوف. وأن ليهود بنى النجار مثل ما ليهود بنى عوف. وأن ليهود بنى ساعده مثل ما ليهود بنى عوف. وأن ليهود بنى جشم مثل ما ليهود بنى عوف. وأن ليهود بنى ثعلبة مثل ما ليهود بنى عوف. وأن ليهود بنى الأوس مثل ما ليهود بنى عوف. وأن جفنة بطناً من ثعلبة كأنفسهم. وأن لبنى الشُطيبه مثل ما ليهود بنى عوف. وأن البر دون الآثم. وأن موالى ثعلبة كأنفسهم.. وأما النصح بين أهل الصحيفة على من حاربها، وأن بينهم النصر والنصيحة والبر دون الآثم، وأن الله على أصدق ما فى هذه الصحيفة وأبره، وأنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم وآثم.وإنه من خرج آمن ومن قعد آمن بالمدينة إلا من ظلم أو آثم. وأن الله جار لمن بر واتقي،ومحمد رسول الله r". ب- وأما التخريج لمشروعية الجنسية فأنه  قد ثبت بالتجربة العملية أن الجنسية إجراء ضروري لا تستقيم حياة الدول إلا به؛ لاختصاص كل دولة بما قدره الله لها من أقوات على أرضها، كما قال تعالى: "وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين" [فصلت: 10]، وقد اكتشف العلم مؤخراً كنوز معادن الأرض وتربتها التي كان يراها ولا يأبه بها قبل التطور العلمي، مما أوجب اتخاذ نظام "الجنسية" لحسم مادة النزاع على الأقوات. هذا فضلاً عن تكليف الأفراد بحماية دولتهم، وتكليف الدولة بحماية أفرادها. فكان نظام "الجنسية" في المجتمع الدولي بمثابة نظام "الأسرة أو العائلة" في مجتمع الدولة. وحيث إن نظام "الجنسية" مستحدث لم يرد نص بالنهي عنه لذاته فلا مانع شرعاً من العمل به؛ لعموم قوله تعالى: "هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا" [البقرة: 29]، وما أخرجه البخاري تعليقا، أن النبي r قال: "المسلمون عند شروطهم"، وأخرجه الدار قطني من حديث عوف المزني مرفوعا، وبزيادة: " إلا شرطاً حرم حلالاً أو أحل حراماً". فإذا تضمنت "الجنسية" تبعات في ظاهرها مخالفة لأحكام الشريعة الإسلامية احتكمنا للفقه الإسلامي ولم نخرج عن ضوابطه الشرعية. (2) أن نظام "الجنسية" لا يخضع لسلطة فوقية حتى يقال إن مقتضياته من "المواطنة" ونحوها تتعارض مع ظاهر الأحكام الشرعية أو مع ما استقر عليه العمل في البلاد الإسلامية من اشتراط الإسلام والذكورة في بعض المسائل والتصرفات؛ إذ يمكن للسلطة الحاكمة في الدولة أن تضع الشروط المناسبة للمسألة المطروحة، والتي لا تتعارض مع أحكام الشريعة، وفي الوقت نفسه لا تخالف نظام "الجنسية" أو "المواطنة" مع الأخذ في الحسبان أن الشريعة الإسلامية تقوم على التعددية الفقهية في المسائل أو الفروع، ولا تقف عند الوجه الفقهي الواحد كأنه الدين وما عداه كفر، بل تأمر بالعمل بهذا الوجه عند غلبة الظن على رجحانه، وتأمر أيضاً بإبقاء باقي الأوجه الفقهية المخالفة في محاريب العلم والدراسة ذخيرة للمستقبل، فقد يأتي الزمن أو المصر التي يغلب على ظن أهلها ضعف الوجه الساري، وأن المصلحة في العمل بالوجه المتروك في خزانة الفقه. لو أدرك الناس ذلك لعرفوا أن مقتضيات فكرة "الجنسية" القانونية لن تتعارض مع حقيقة التعددية الفقهية غالباً.

(3) تعظم الشريعة الإسلامية مبدأ "العدل"، وتقدمه على مبدأ "الولاء والبراء"، فلا وجه لادعاء التعارض بين "الجنسية" وبين مبدأ "الولاء والبراء"، خاصة وأن هذا المبدأ لا يتعلق بالأشخاص لذواتهم وإنما بأفعالهم وتصرفاتهم، فالعدل يحبه الإسلام خرج من مسلم أو من غير مسلم، خرج من ذكر أو من أنثى. والظلم يبغضه الإسلام بهذه المعادلة. وهكذا سائر ما يجب الإسلام من الإيمان والمروءة والكرم وسائر خصال الخير. من تحلى بها أحببناه بالخصلة التي هو عليها من الخير. وعكس ذلك في خصال الشر. وإذا وقع البغض لله لا تصاف صاحبها بخصلة من خصال الشر فليس هذا مسوغاً لظلمه أو العدوان عليه؛ لقوله تعالى: "ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى" [المائدة: 8].

(4) أن نظام "الجنسية" القانوني هو طريق إجرائي عملي لنظام "العالمية" أو الإنسانية" الذي جاء الإسلام به في عموم قوله تعالى: "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا" [الحجرات: 13]. فإذا نجحت فكرة "الجنسية" واستقرت فكرة "المواطنة" في المجتمع الدولي فإنه يتصف بالتجانس والانسجام، وهذا هو الطريق العملي لتوحده وتعاونه لخدمة الإنسان وإعمار الأرض، كما قال تعالى: "هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها" [هود:61]، وتكون "العالمية" المرجوة في ظل "تعددية الجنسيات" بحكم الطبيعة المخلوقة، قال تعالى: "ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم" [هود: 118، 119].

(5) أن نظام الحكم في الإسلام يقوم على تحكيم مبادئ الإسلام العادلة، وتمكين الناس من الحياة الآمنة، والحرية المأمونة. نعم الأولى بإقامة هذه المبادئ المسلم الذي اهتدى بأحكام الشريعة، وتعلم من وحي السماء، ولكنه إن نكث عن المبادئ السوية والأصول المرعية لم يستحق البقاء في الحكم لمجرد صفته الإسلامية؛ لقوله تعالى: "وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا" [الإسراء: 16].

وفي المقابل يكون الحاكم العادل غير المسلم آمنا في حكمه، فلا نتوهم ضياعه لمجرد عدم اعتناقه الإسلام. قال تعالى: "وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون" [هود: 117]، يقول ابن كثير: "هذا إخبار من الله تعالى أنه لم يهلك قرية إلا وهي ظالمة لنفسها ولم يأت قرية مصلحة بأسه وعذابه قط حتى يكونوا هم الظالمين". كما قال تعالى: "ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا" [يونس: 13]، وقال تعالى: "وتلك القرى أهلكناكم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعدا" [الكهف: 59]. وأخرج البيهقي عن أم سلمة قالت: لما ضاقت علينا مكة، وأوذي أصحاب رسول الله r ، وأن رسول الله r لا يستطيع دفع ذلك عنهم، وكان رسول الله r في منعه من قومه وعمه، لا يصل إليه شيء مما يكره، مما ينال أصحابه، فقال لهم رسول الله r: "إن بأرض الحبشة ملكاً لا يظلم أحد عنده فالحقوا ببلاده حتى يجعل الله لكم فرجاً ومخرجاً مما أنتم فيه". يقول ابن عربشاة في كتابه "فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء": "قيل الملك يدوم مع العدل ولو كان الملك كافراً، ولا يدوم مع الظالم ولو كان مسلما"، ونقل عن ابن تيمية هذه المقولة في رسالة المظالم.

التعقيب والاتجاه المختار:

الجنسية في اللغة: مصدر صناعي، مشتق من كلمة "جنس". بمعنى الأصل. والجنسية فى الاصطلاح السياسي الدولي: "رابطة سياسية وقانونية واجتماعية بين فرد ودولة". ويرجع الأصل التاريخي لفكرة "الجنسية" إلى فكرة "الولاء" التي كان يدين بها الفرد في العصور الوسطى للحاكم الإقطاعي أو للملك بصفته الشخصية. ولما ظهرت فكرة "الجنسية" بمعناها الحديث في القانون الفرنسي سنة 1735م، وأصبح الأفراد خاضعين لسلطان الدولة المباشر بدلاً من خضوعهم لسلطان الحاكم بصفته الشخصية تحولت علاقة الولاء التي تربط الفرد والحاكم إلى علاقة تبعية بين الفرد والدولة. وقد أثمر ذلك عن ميلاد مصطلح "المواطنة" أو "المواطن" التي يستحقها كل من حاز على جنسية الدولة في الجملة. والمواطنون لدى القانون سواء، وهم متساوون في الحقوق والواجبات العامة، لا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة.

وكانت مصر منذ الفتح الإسلامي في أوائل القرن الثامن الميلادي إحدى ولايات الخلافة الإسلامية المتعاقبة، وكان آخرها الخلافة العثمانية التي أصدرت أول تشريع وضعي منظم للجنسية سنة 1869م، و تنص مادته الأولى على أنه: "يعتبر عثمانيا كل من ولد لأبوين عثمانيين أو لأب عثماني". واستمر العمل بهذا القانون في مصر حتى صدر القانون 19 سنة 1929م الذي طرأت عليه عدة تعديلات اقتضتها التغيرات السياسة مثل الثورة سنة 1952م وإعلان النظام الجمهوري، والوحدة بين مصر وسوريا سنة 1958م، والانفصال بين مصر وسوريا سنة 1961م. حتى صدر القانون رقم 26 سنة 1975م بشأن تنظيم الجنسية المصرية التي تكتسب بأحد ثلاثة أصول، وهي: (1) الميلاد لأب وطني، ولو في خارج الوطن (حق الدم المطلق). (2) الميلاد لأم وطنية في الوطن المصري (حق الدم المقيد). (3) الميلاد بالإقليم المصري لمجهول الأبوين (حق الإقليم المطلق).

وقد اختلف الفقهاء المعاصرون فى حكم العمل بالجنسية، وما تولد عنها من مصطلح "المواطنة"،  على اتجاهين فى الجملة.أحدهما: يرى الجواز. والآخر: يرى المنع. ويرجع هذا الخلاف إلى عدة أسباب من أهمها: (1) حداثة مصطلح "الجنسية" وعدم إسلامية مصدره، مع الاختلاف الفقهي القديم في حكم الأصل في الأشياء المستحدثة الحظر أو الإباحة؟. (2) تعارض مقتضيات "الجنسية" من المواطنة القانونية التي تسوي بين المواطنين في الحقوق والواجبات دون النظر إلى الجنس أو الدين مع ظاهر الأحكام الشرعية، وما استقر عليه العمل في البلاد الإسلامية من اشتراط الإسلام والذكورة لمسائل كثيرة، والاختلاف في كون البحث الفقهي لمعالجة هذا التعارض من الحيل المضيعة للدين، أو من المخارج المجددة للدين؟. (3) تعارض مبدأ "الولاء والبراء" الإسلامي بالتفسير الموصوف بالسلفي مع فكرة "الجنسية" القانونية. (4) تعارض تعظيم فكرة "الجنسية" للدولة المعاصرة مع مقاصد الشريعة الإسلامية في تعظيم مبدأ العالمية أو الإنسانية وهدم دواعي العصبية المقيتة. (5) الاختلاف في مقاصد الشريعة الإسلامية من نظام الحكم، هل يعتمد الحكم الإسلامي على تحكيم المسلمين بتوليتهم الرئاسة ولو مع صفة الظلم، أو يعتمد تحكيم الإسلام بعدله ولو بغير مسلم؟. وقد كان اختلاف الفقهاء في قضية "الجنسية" أو "المواطنة"، وما وقع بينهم من سجال فقهي كبير، مبيناً للأوجه المختلفة المحيطة بالقضية والتي قد يغيب بعضها عن المهتمين بها. وهذا ما يتميز به الفقه الذي يثمر الوجوه المحتملة الصواب والتي يجوز العمل بها لمرجعيتها الشرعية وإن تباينت في نتائجها، وذلك في القضايا غير الجامعة التي لم يحسمها ولي الأمر. أما تلك القضايا الجامعة، ومنها قضية "الجنسية" أو "المواطنة" فإنها تحسم بأحد الوجوه التي يختارها ولي الأمر؛ لوجوب المساواة في التعامل بين الناس. ويسترشد ولي الأمر عند اختياره بالاتجاه الغالب عند الفقهاء مع مراعاة الوضع الدولي العام. وعندما يحسم ولي الأمر الاختيار لم يعد لأحد – وإن كان فقيها – أن يخرج عن الطاعة في الجانب العملي وإلا كان مفتناً. أما في الجانب الفقهي فله حق الخلاف لعل الأوضاع الدولية تتغير فيجد ولي الأمر الوجه الفقهي البديل. وإن كان لي من اختيار في هذه القضية للمساهمة في خدمة الرأي العام فهو لما انتهى إليه الإمام محمد عبده وتلميذه الشيخ رشيد رضا من القول بقبول فكرة "الجنسية" المرتبطة بدولة إسلامية معينة مع التأكيد على حق الإخوة الإسلامية، و المعالجة الفقهية عند تعارض مقتضيات "الجنسية" مع بعض الأوجه الفقهية المغايرة؛ وذلك لقوة حجتهم، وتأسيساً على صحيفة المدينة التى أسس النبيr فيها أصول الجنسية والمواطنة التى تطور العمل بها فى زمن الناس اليوم، وسار واقعاً عملياً مستقراً بما يمكن أن يعد أصلاً يبنى عليه غيره لمن أراد المزيد من التطور والتقدم، كما صار القول المخالف ضرباً من المستحيل.

Islamic Calendar Widgets by Alhabib

Pages