13/03/2011 - الجمهورية
الاتجاه المؤيد للديمقراطية
كان من ثمار البحث الفقهي المعاصر أن ظهر اتجاه قوي يري مشروعية تحكيم الديمقراطية نظاما للحكم في البلاد الاسلامية وان الديمقراطية لا تتعارض مع الأصول الاسلامية أو القواعد الفقهية وبهذا الاتجاه أخذ الاخوان المسلمون ونصوا عليه في برنامج حزبهم الذي أعلنوه في الخامس والعشرين من أغسطس سنة 2007. وقد استدل أصحاب هذا الاتجاه المجيز للعمل بالديمقراطية في ظل نظام الحكم الاسلامي بالآتي: "1" - "ان الديمقراطية نظام مستحدث يهدف الي تنظيم العلاقة بين أفراد الشعب حسب اختيارهم ولا يوجد نص في الشريعة الاسلامية ينهي عن هذا النظام بالاسم فكان الأصل فيه الاباحة. لعموم قوله تعالي "أوفوا بالعقود" "المائدة: 1" وقوله تعالي "وأوفوا بالعهد ان العهد كان مسئولا" "الاسراء: 34" وعموم ما أخرجه البخاري تعليقا ان النبي صلي الله عليه وسلم قال "المسلمون عند شروطهم" وأخرج أحمد والبزار والطبراني برجال ثقات عن ابن مسعود. قال "ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن وما رأوه سيئا فهو عند الله سييء".
"2" ان الديمقراطية وان كانت نظاما غربيا من حيث النشأة إلا انه انساني المصدر وهو الأصلح للتطبيق في البلاد متعددة العقائد والمذاهب حتي لا تشعر الأقليات بالتهميش وقد كان النبي صلي الله عليه وسلم يأخذ الأصلح في أمور الحياة من غير المسلمين. فقد أخرج الشيخان عن ابن عباس ان النبي صلي الله عليه وسلم قدم المدينة والناس يسلفون في الثمر العام والعامين والثلاثة فقال صلي الله عليه وسلم "من أسلف في ثمر وفي رواية في شيء فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلي أجل معلوم" وأخرج الشيخان عن ابن عباس قال كان رسول الله صلي الله عليه وسلم يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء.
"3" ان الولاية أو الحكم في الشريعة الاسلامية ليست وظيفة دينية تخضع لضوابط دينية كالصلاة والحج بل هي وظيفة مدنية كالطب والهندسة والتجارة والصناعة والزراعة لا يختلف فيها الناس بالعقيدة أو الجنس انما يشترط في أهلها امكان القيام بها حسب رؤية الناس واختياراتهم وجاء الاسلام فوضع شرط اقامة العدل لصحة الحكم. فمن صلح لإقامة العدل صلح أن يكون حاكما في النظام الاسلامي طالما كان اختياره بإرادة الناس ورضاهم. قال تعالي "وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل" "النساء: 58" قال ابن اسحاق: لما رأي رسول الله صلي الله عليه وسلم ما يصيب أصحابه من البلاء وانه لا يقدر علي أن يمنعهم مما هم فيه قال لهم "لو خرجتم إلي أرض الحبشة فإن بها ملكا لا يظلم عنده أحد وهي أرض صدق حتي يجعل الله لكم فرجا مما أنتم فيه".
يقول ابن تيمية: الدنيا تدوم مع العدل والكفر ولا تدوم مع الظلم والاسلام وذلك ان العدل نظام كل شيء فإذا أقيم أمر الدنيا بعدل قامت وان لم يكن لصاحبها في الآخرة من خلاق ومتي لم تقم بعدل لم تقم وان كان لصاحبها من الايمان ما يجزي به في الآخرة.
"4" ان الديمقراطية لو كانت وسيلة أو نظاما عمليا يحقق مراد الناس فهي وسيلة مباشرة لتحكيم الشريعة الاسلامية للشعب المسلم. أما ان كانت الديمقراطية غاية أو نظاما فكريا يقوم علي مباديء معينة ترسخ سيادة الشعب وتسوي بين المواطنين دون التمييز بالجنس أو الاعتقاد فإن الديمقراطية تكون صفة للدولة الأم التي تضم بداخلها دويلات كثيرة منها دويلة للمسلمين ودويلة للنصاري ودويلة لليهود وهكذا سائر الملل التي يعيش أهلها في حرية دينية ويمارسون شعائرهم في ظل الديمقراطية التي تكون قاسما مشتركا بين الجميع فإذا كانت الديمقراطية تسوي بين الرجال والنساء وبين المسلمين وغيرهم في الحقوق والواجبات فإن من حق المسلم أو غيره أن يمتنع عن أخذ ما لا يعتقد حله في دينه. وهذا هو الوضع القائم حاليا للمسلمين المقيمين في البلاد غير الاسلامية.
د/ سعد الدين مسعد هلالي
أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر









