Get Adobe Flash player

جريدة أخبار اليوم - السبت 

نشر بتاريخ  28/5/2011م

الاحتكار في مواد البناء ونحوها 

تتعلق بقضية الاحتكار مسائل كثيرة اختلف فيها الفقهاء، وقد عالجنا تلك المسائل ما يتعلق بحقيقة النهي عن الاحتكار، هل هو للتحريم – كما هو مذهب الجمهور- أم هو للكراهة، كما هو مذهب الحنفية وبعض الشافعية. كما عالجنا من تلك المسائل ما يتعلق بصفة تملك السلعة محل الاحتكار، حيث ذهب الجمهور إلى أن الاحتكار لا يتحقق شرعاً إلا إذا كان تملك المحتكر للسلعة عن طريق الشراء فقط، وذهب بعض المالكية وما روي عن أبي يوسف من الحنفية ثبوت الاحتكار شرعاً في حال السيطرة على السلعة ولو كان المحتكر هو منتجها أو جالبها من غير سوق المدينة.

وقد رأينا اختيار المصريين في المسألة الأولى لمذهب الجمهور الذي يرى أن النهي عن الاحتكار للتحريم، ليس لأنه مذهب الجمهور، وإنما لأن هذا القول هو ما يحفظ على الناس أرزاقهم ويدفع أصحاب السلع إلى بذلها دون الإمساك بها.

كما رأينا اختيار المصريين في المسألة الثانية للقول المخالف لمذهب الجمهور الذي يرى ثبوت الاحتكار شرعاً في حال السيطرة على السلعة ولو كان المحتكر مالكاً لها بغير طريق الشراء، كما لو كان هو منتجها أو جالبها من الخارج.

واليوم نعالج مسألة ثالثة من مسائل الاحتكار، وهي صفة السلعة محل الاحتكار، أو ما يجري فيه الاحتكار. هل يشترط فيه أن يكون طعاماً أو من المواد الغذائية، أم أن الاحتكار يجري شرعاً في كل سلعة يحتاجها الناس ولو كانت من مواد البناء ونحوها؟ اختلف الفقهاء في ذلك على مذهبين في الجملة.

المذهب الأول: يرى أن الاحتكار لا يجري شرعاً إلا في أقوات الناس، أما سائر الحوائج من مواد البناء والثياب وغيرها فيجوز فيها الاحتكار بدون كراهة. وهو مذهب الجمهور قال به أبو حنيفة وهو مذهب الشافعية والحنابلة. وحجتهم : أن أكثر الأحاديث الواردة في النهي عن الاحتكار مقيدة بالطعام، وعلى هذا تحمل الأحاديث المطلقة في النهي عن الاحتكار على المقيد بالطعام منها، فقد أخرج الحاكم وأحمد وابن ماجه برجال ثقات عن عمر بن الخطاب، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من احتكر على المسلمين طعامهم ضربه الله بالجذام والإفلاس"، واخرج أحمد والحاكم وابن أبي شيبة عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من احتكر الطعام أربعين ليلة فقد برئ من الله وبرئ الله منه"، وزاد الحاكم: وأيما أهل عرضة أصبح فيهم امرؤ جائع فقد برئت منهم ذمة الله.

المذهب الثاني: يرى أن الاحتكار يجرى شرعاً في كل ما يحتاجه الناس ويتضررون من حبسه، سواء كان في المواد الغذائية أو في مواد البناء والملابس وغيرها. وهذا مذهب المالكية وبه قال أبو يوسف من الحنفية، وقال محمد بن الحسن: إن الاحتكار يجري في الطعام والثياب خاصة. وحجة أصحاب هذا المذهب: عموم الأحاديث الناهية عن الاحتكار مطلقاً، وأما الأحاديث المقيدة بالطعام فهي من قبيل ضرب المثال، أو ذكر اللقب، واللقب لا مفهوم له.

وقد اختار المصريون مذهب المالكية وأبي يوسف في هذه المسألة، وهي تحريم الاحتكار في كل سلعة أو خدمة يحتاجها الناس سواء كانت متعلقة بالمواد الغذائية أو كانت متعلقة بمواد البناء ونحوها؛ لأن مقصد النهي من الاحتكار هو رفع الضرر عن الناس، وهو لا يختلف في الحوائج الغذائية أو السكنية أو الكسائية. وترك المصريون مذهب الجمهور الذي يرى عدم جريان الاحتكار في مواد البناء أو الأجهزة المصنوعة أو غيرها من دون الطعام؛ للضرر الذي يلحقهم بالاحتكار فيما يحتاجونه من سلع وخدمات؛ لعموم الأدلة الناهية عن الضرر، ومن ذلك قوله تعالى: لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده [البقرة: 233]، وقوله تعالى: ولا يضار كاتب ولا شهيد [البقرة: 282]، وأخرج الطبراني في الأوسط عن عائشة، وأحمد وابن ماجه عن ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا ضرر ولا ضرار، أي أن الإسلام لا يسمح بالضرر الذي يصيب النفس، أو الضرار الذي يصيب الغير.

 د/ سعد الدين مسعد هلالي

           أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر

 

Islamic Calendar Widgets by Alhabib

Pages