Get Adobe Flash player

نشأة القضية:

عرفت مصر نظام العمل بالأحزاب السياسية في أوائل القرن العشرين الميلادي، وعندما جاءت الثورة سنة 1952م ألغت هذا النظام سنة 1953م، وبعد انتصار أكتوبر 1973م أعاد الرئيس محمد أنور السادات نظام العمل بالأحزاب السياسية تدريجياً في صورة منابر سنة 1974م حتى صدر القانون 40 لسنة 1977م بشأن إنشاء الأحزاب، وترأس حزباً انضمت إليه الأغلبية فصار هو الحزب الحاكم. وحيث إن الحزب السياسي يسعى بطبيعته للسيطرة على الحكم في البلاد عن طريق وضع برنامج واعد يقنع الناخبين بتمكينه من السلطة فقد قامت محاولات تنافسية بين تلك الأحزاب إلا أنها لم تنهض أمام الحزب الحاكم الذي يرأسه رئيس الجمهورية والذي توعد المحاولين لمعارضة حزبه الحاكم في مسيرة السلام مع إسرائيل بمقولته المشهورة، "إن للديمقراطية أنيابًا ومخالب أكثر شراسة من الديكتاتورية" والتي أطلقها يوم 5 سبتمبر سنة 1981م في الاجتماع المشترك لمجلسي الشعب والشورى، ثم أكدها وهو يبرر حملة الاعتقالات الواسعة التي شملت ألف وخمسمائة شخصية معارضة، أو يحتمل أن تكون معارضة، وذلك في المؤتمر الصحفي الذي عقده في قريته "ميت أبو الكوم" في 10سبتمبر سنة 1981م، أي قبل اغتياله بأقل من شهر. ومع حملة الاعتقالات هذه التي شهدتها مصر في خريف الغضب – حسب تعبير شيخ الصحفيين محمد حسانين هيكل - إلا أن الحياة السياسية في مصر قد أخذت طريقاً إلى الديمقراطية بسبب الاعتراف القانوني بالأحزاب. ثم أخذت الديمقراطية طريقها في التقدم شيئاً في عهد الرئيس محمد حسني مبارك الذي تولى الرئاسة سنة 1981م، ثم فتح انفراجه ديمقراطية جديدة بجعل منصب الرئيس بالانتخاب المباشر من الشعب لأول مرة سنة 2005م بعد أن كان قبل ذلك بالاستفتاء (وهو تصويت الناخبين على اختيار مجلس الشعب)، إلا أن الحزب الحاكم لا يزال برئاسة رئيس الجمهورية الأمر الذي جعل باقي الأحزاب شكلية ليس لها مقاعد برلمانية إلا نادرًا. وقد استثمر الحزب الحاكم سيطرته بالأغلبية في المقاعد البرلمانية فاتخذ من القوانين التمكينية ما تضمن بقاء السلطة عنده أمدًا طويلاً، مثل الشروط التي يجب توفرها فيمن يترشح للرئاسة (المادة 76 المعدلة من الدستور).

ومع زيادة الحراك السياسي والقانوني والثقافي من النخب المصرية ازدادت المطالبات بالتغيير في الأنظمة القانونية لتتمكن سائر الأحزاب من المنافسة الحقيقية للحزب الحاكم، ويتحقق حلم بعضها بتداول السلطة.

وحاولت أحزاب المعارضة المصرية أن تتقوى ببعضها ودون جدوى، ربما لاختلافات فيما بينها، وربما لأسباب أخرى. وعندما أنهى الدكتور محمد البرادعي – الحاصل على جائزة نوبل للسلام- عمله رئيسًا للوكالة الدولية للطاقة النووية في الثاني من يوليو سنة 2009م راهنت عليه أحزاب من المعارضة للضغط على الحزب الحاكم من أجل التغيير، واستقبلته مع بعض الجماهير عند عودته إلى مصر في 19 فبراير 2010م، وبعد مشاوراته مع بعض النخب ورموز المعارضة أعلن عن إنشاء "الجمعية الوطنية للتغيير" في 23 فبراير 2010م –أي قبل مضي أسبوع من عودته إلى مصر- وفتح الباب لمن يمنحه توكيلاً رسميًا للمطالبة بالتغيير. وحدث أن عددًا من المفكرين والسياسيين المصريين (من المسلمين والأقباط) المقيمين بأمريكا قد نادوا بعقد مؤتمر تحت عنوان "مستقبل الديمقراطية في مصر" لمناقشة حقوق أحزاب المعارضة وحقوق الأقباط من وجهة نظرهم بمدينة نيويورك، ودعوا إليه بعض رموز الحزب الوطني الحاكم ورموز المعارضة، وقد اعتذر عن عدم الحضور الدكتور محمد البرادعي لارتباطه بإلقاء محاضرة في إحدى الدول الإفريقية في نفس موعد المؤتمر الذي بدأ أعماله في نيويورك أيام 16:14 مايو، ثم عقد جلسة ختامية في واشنطن يوم 19مايو2010م معلنًا بدء نشاط "الجمعية المصرية للتغيير" والداعمة لترشيح الدكتور محمد البرادعي رئيسًا للجمهورية.

ويرجع انعقاد مؤتمر "مستقبل الديمقراطية في مصر" بأمريكا إلى اعتقاد إمكان الضغط بالإدارة الأمريكية على الحكومة المصرية لإحداث التغيير القانوني الذي يمكن أحزاب المعارضة من تداول السلطة كليًا أو جزئيًا، كما يمكن الأقباط من اقتسام السلطة مع المسلمين. ولعل هذا الاعتقاد مرجعه إلى التصريح الذي كان الرئيس السادات يعلنه كثيرًا بعد انتصار 1973م على إسرائيل، وقبل التوقيع على معاهدة السلام سنة 1979م وهو أن "99% من أوراق اللعبة بيد الولايات المتحدة الأمريكية". والتصريح الشهير الذي أطلقه الدكتور مصطفى الفقي في جريدة المصري اليوم بتاريخ 12 يناير 2010م، وهو: "أن الرئيس القادم لمصر لابد أن يحصل على مباركة أمريكا". كما أعلنت السفيرة الأمريكية بالقاهرة "مارجريت سكوبي" في أوائل مايو 2010م: "أن واشنطن تتابع باهتمام حالة الجدل المحدمة حول قضية خليفة الرئيس مبارك" [جريدة الوفد – العدد 1366 في 6/5/2010م].

وكان رد فعل الحزب الوطني الحاكم للمشاركين في مؤتمر "مستقبل الديمقراطية في مصر" بأمريكا أنهم متهمون بجريمة "الاستقواء بالخارج"، وأنها نوع خيانة وطنية للحديث عن تفاصيل محلية بالخارج، والاستعانة بالقوى الأجنبية للتدخل في الشئون المحلية. وحاول البعض الدفاع والتبرير، فكانت من أحدث القضايا العامة المعاصرة الجديرة بالدراسة الفقهية. ويبدو أن قضية "الاستقواء بالخارج" لم تكن مصرية النشأة فقد وقعتُ على بعض المدونات في شبكة الانترنت على مصطلح "الاستقواء بالخارج" الذي اتهمت به بعض طوائف المعاضة في بعض الأنظمة العربية منذ بضع سنين، ومن ذلك: ما قدمه سامي صلاح السوري، رئيس منظمة حزب الإصلاح في الساحل السوري بتاريخ 16مايو2005م بعنوان: "الاستقواء بالخارج واجب شرعي" [موقع العاصفة]، وما قدمه الدكتور منصف المرزوقي التونسي يوم الاثنين 23 يناير 2006م بعنوان "إشكالية الاستقواء بالخارج بين الاستلاب والسذاجة" [موقع المؤتمر من أجل الجمهورية]. وما قدمه الدكتور خالد شوكات التونسي، والمقيم في هولندا، وعضو المجلس البلدي الهولندي ومدير مركز دعم الديمقراطية في العالم العربي بلاهاي في 30أغسطس2006م تحت عنوان "الاستقراء بالخارج أو استضعاف الداخل"، وقد نسب في هذا المقال إلى النظام السوري توجيه تهمة الاستقواء بالخارج إلى معارضية.[موقع ملتقيات اللجنة السورية لحقوق الإنسان]. وما قدمه الدكتور محمد معافي المهدلي اليمني بعنوان: "الاستقواء بالخارج ضرورة شرعية أم تبعية فكرية" في مارس 2010م، أي قبل استعمال هذا المصطلح في مواجهة المعارضين المصريين الذين عقدوا مؤتمرهم عن "مستقبل الديمقراطية في مصر" بنيويورك في 14 – 16مايو2010م، وجلسة ختامية في 19مايو2010م بواشنطن، والذي تطوع فيه الدكتور أحمد صبحي منصور – زعيم القرآنيين في مصر، والمقيم في واشنطن- أن ينسب للإسلام القول بمشروعية الاستقواء بالخارج. [جريدة المصري اليوم 20 مايو 2010م].

التعريف بالاستقواء بالخارج وشروطه:

لم أقف على تعريف اصطلاحي للاستقواء بالخارج نظراً لحداثة المصطلح. وإن كان الاستقواء في اللغة يعني طلب القوة. والقوة ضد الضعف. والجمع: قوى وقوات. ويمكنني وضع تعريف للاستقواء بالخارج من خلال نشأة المصطلح والغرض الذي صدر من أجله، بأنه: "الطلب الصريح أو الضمني من بعض الطوائف الوطنية أو الأحزاب السياسية المحلية الدعم الديمقراطي والإعانة عليه بالضغط السياسي من بعض المنظمات الحقوقية الدولية، أو من بعض الإدارات الحكومية في الدول الغربية الكبرى الداعمة للديمقراطية؛ وذلك لتمكين تلك الطوائف أو الأحزاب من مكاسب سياسية تعجز أو تظن عجزها عن تحقيقها بالقنوات القانونية بدعوى الاضطهاد السياسي أو نتوء الأنياب للديمقراطية عندهم".

وبهذا يجب لتحقيق ما يعرف بالاستقواء بالخارج الشروط الخمسة التالية: (1) أن يوجد طلب للإعانة، سواء كان الطلب صريحاً أو ضمنيًَا كمجرد الشكوى أو الإخبار الإعلامي. (2) أن يكون طلب الإعانة صادرًا من بعض الطوائف الوطنية أو الأحزاب المحلية، فإن كان من جهات حكومية أو من منظمات أجنبية فلا يكون استقواءً. (3) أن يكون طلب الإعانة موجهًا إلى جهات أجنبية، فإن كان موجهًا إلى الأفراد أو إلى جهات محلية فليس استقواءً. (4) أن يكون المقصود من الإعانة الدعم الديمقراطي والإعانة السياسية، فلا يدخل في مفهوم الاستقواء بالخارج طلب الدعم المالي أو العسكري لمنع ذلك قانونًا، كما لا يدخل في مفهوم الاستقواء بالخارج طلب الدعم العلاجي أو الإنساني لتأصيله في حقوق الإنسان. (5) أن يكون طلب الإعانة مبررًا بالاضطهاد السياسي الذي يظهر النظام الحاكم بمعادات الديمقراطية.

تحرير محل النزاع في القضية:

لا تتعلق قضية " الاستقواء بالخارج" بالنظام الحاكم الذي يتبع المنهج الديمقراطي في الإدارة، وإنما تختص هذه القضية بالتصرفات التي لا تستند إلى غطاء ديمقراطي كالتي تصدر من أحزاب المعارضة، أو من مؤسسات المجتمع المدني، أو من الأفراد ذوي الشأن والقدرة على تحريك المنظمات الدولية ضد النظام الحاكم. ولا خلاف في الفقه على مشروعية طلب المواطنين الإعانة من الخارج في مجال الصحة والتعليم والاستثمار ونحوها مما يدخل في نطاق الحرية الشخصية والحقوق الإنسانية، وذلك بضوابط الأمن والسلامة. ولا خلاف أيضًا على تحريم طلب المواطنين الإعانة من الخارج في مجال السلاح والاستخبارات ونحوها مما يدخل في نطاق السيادة والأمن. وإنما وقع الخلاف في حكم الاستقواء بالخارج في نطاق الأعمال السياسية والتنظيمية. وحسب المتبع في المرجعية الشرعية في القضايا المستجدة من إعمال النصوص العامة، والتخريج على القواعد الفقهية، ومراعاة المقاصد الشرعية، فإنه يمكن أن يجري في هذه القضية اتجاهان أظهرها: يرى المنع باعتبارها جريمة وطنية، ومشتبهها يرى الجواز باعتبارها حقًا إنسانيًا. كما يأتي بيانه بإذن الله تعالى.

سبب الخلاف في القضية:

يرجع الخلاف الفقهي في قضية "الاستقواء بالخارج بين التجريم والتبرير" إلى عدة أسباب من أهمها: (1) الاختلاف في حكم الاستعانة بالأجانب غير المسلمين في القوة. (2) الاختلاف في عالمية الديمقراطية باعتبارها حقًا إنسانيًا، أو محليتها باعتبارها عقدًا قابلاً للتقييد بالشرط. (3) الاختلاف في تكييف الديمقراطية من أنواع المصالح الشرعية الثلاث: الضروريات، والحاجيات، والتحسينيات. وما يترتب عليه من أثر شرعي. (4) الاختلاف في طبيعة الديمقراطية هل تقبل إنبات أنياب لها، أو لا تقبل ذلك. (5) الاختلاف في قياس الاستقواء للديمقراطية في المجال السياسي على الاستقواء للتداوي في المجال الصحي أو للاستثمار في المجال الاقتصادي، أو على الاستقواء للقتال في المجال العسكري.

الاتجاهات الفقهية في القضية:

يمكن إجمال الاتجاهات الفقهية المحتملة، أو التي تحمل على الفقه، في قضية "الاستقواء بالخارج بين التجريم والتبرير" في اتجاهين يدوران بين المنع والجواز، ونوضح ذلك فيما يلي.

الاتجاه الأول: يرى منع وتجريم الاستقواء بالخارج في المجال السياسي أو الديمقراطي، وهو الأظهر في الفقه، وإليه ذهب أكثر السياسيين والقانونيين. وحجتهم: (1) أن الاستعانة بالأجانب غير المسلمين في القوة غير جائزة، خاصة في مواجهة المسلمين بالمسلمين؛ وذلك تخريجًا على مسألة الاستعانة بغير المسلمين في القتال، حيث ذهب الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة إلى تحريم الاستعانة بغير المسلمين في قتال البغاة من المسلمين؛ لأن هذا القتال شرع للضرورة من أجل كفهم لا من أجل قتلهم، ولهذا لا يجوز اتباع مدبرهم، وهذا المعنى لا يستوعبه غير المسلمين، فلهذا منعناهم. كما ذهب المالكية في المشهور والحنابلة في رواية وابن المنذر إلى تحريم الاستعانة بغير المسلمين في قتال الأعداء من غير المسلمين؛ لما أخرجه مسلم عن عائشة، أن النبي r خرج قبل بدر، فلما كان بحرة الوبرة أدركه رجل قد كان يذكر منه جرأة ونجدة، ففرح أصحاب رسول الله r حين رأواه، فلما أدركه قال لرسول الله r: جئت لأتبعك وأصيب معك، فقال r: "تؤمن بالله ورسوله"؟ قال: لا. قال r: "فارجع فلن أستعين بمشرك"، فمضى الرجل ثم عاد، حتى الثالثة فقال الرجل: نعم، وآمن بالله ورسوله. فقال r: "فانطلق". ويمكن الجواب عن ذلك: بأن التخريج على مسألة الاستعانة بغير المسلمين في القتال باطل لسببين. أحدهما: اختلاف محل الاستعانة، ففي الاستقواء تكون الاستعانة سياسية أما في القتال فإن الاستعانة تكون عسكرية.السبب الثاني: أن مسألة الاستعانة بغير المسلمين في القتال محل خلاف في الفقه، فلا يجوز التخريج عليها.

(2) أن الديمقراطية عقد محلي على نظام معين في الحكم يتم فيه ترتيب أوجه حكم الشعب بالشعب وفق ضوابط انتخابية معينة، فلا يجوز لأحد طرفي العقد أن يستقوي بطرف أجنبي لفرض شرطه على الآخر؛ لعموم قوله تعالى: "أوفوا بالعقود" [المائدة:1]، وقوله تعالى: "وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولاً" [الإسراء:34]، وما أخرجه البخاري تعليقًا، أن النبي r قال: "المسلمون عند شروطهم"، وأخرجه الدار قطني من حديث عوف المزني، مرفوعًا، وبزيادة: "إلا شرطًا وأحل حرامًا أو حرم حلالاً".

(3) أن الديمقراطية من المصالح التحسينية، وليست من المصالح الضرورية أو الحاجية؛ إذ يمكن للإنسان أن يعيش بدونها وبغير وقوع ضرر أو حرج عليه؛ خاصة وأن الأكثرية قد لا تصلح أو لا ترغب في ممارسة الديمقراطية بالانتخاب أو الترشح لتولي الشئون العامة، مما يجعل الصراع في الديمقراطية بين النخب، ولذلك قلنا إن الديمقراطية من المصالح التحسينية، فلا يجوز لطائفة أن تترخص للتوسل إليها بالاستقواء بالخارج إسنادًا إلى قاعدة "الضرورات تبيح المحظورات"؛ لأن هذه القاعدة ترد على المصالح الضرورية أو الحاجية، والديمقراطية ليست منها، فقد مضت الحكومات –على مدار التاريخ- لا تعرف الديمقراطية وإنما تعرف ما يجب عليها من تأمين الناس وخدمتهم وتيسير مصالحهم والاستجابة لمطالبهم؛ لما أخرجه الأصبهاني والطبراني بسند فيه مقال، عن ابن عمر، أن النبي r قال: "أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس".

(4) أن طبيعة الديمقراطية التي تقوم على حكم الشعب بالشعب، تقبل إنبات أنياب لها مثل اتخاذ الإجراءات الديمقراطية من التصويت الحر على إنشاء قوانين مقيدة للحريات كقانون الطوارئ وقانون لمكافحة الإرهاب يتضمن منع الاستقواء بالخارج؛ لأن الديمقراطية تحتاج إلى حماية نفسها بالديمقراطية.

(5) أن الاستقواء للديمقراطية في المجال السياسي أشبه قياسًا بالاستقواء للقتال في المجال العسكري، فيكون محظورًا؛ لما فيه من انتهاك السيادة والأمن العام بغير حق ظاهر. ووجه الشبه: هو أن الجهات الأجنبية المتدخلة باسم الديمقراطية تجدها ذريعة للتدخل في الشئون الخاصة للدولة الإسلامية تحت مظلة حقوق الإنسان والديمقراطية لتحقيق مصالح أجنبية يسعون إليها؛ لأنهم أبعد ما يكون عن مراعاة مصالح غيرهم، وصدق الله حيث يقول: "ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم" [آل عمران:73].

الاتجاه الثاني: يرى جواز الاستقواء بالخارج في المجال السياسي أو الديمقراطي، وهو اتجاه حمله على الفقه زعيم تيار القرآنيين في مصر والمقيم بواشنطن الدكتور أحمد صبحي منصور، كما حمله أحد من وصف نفسه بالمعارض السوري من دمشق وهو سامي صلاح الذي قدم فتوى بعنوان "الاستقواء بالخارج واجب شرعي"، وأحد الباحثين اليمنيين الحاصل على الدكتوراه في بعض المسائل الفقهية من جامعة أم درمان الإسلامية في يوليو 2010م وهو الدكتور محمد معافي المهدلي. وحجتهم: (1) أن الاستعانة بغير المسلمين في القوة لدفع الظلم والعدوان جائز شرعي، بل هو أمر فطري وسنة الطبيعة، وضرب من العادات العربية العريقة التي أقرها الإسلام فيما يعرف بالاستجارة، كما قال تعالى: "وإن أحد من المشركين استجارتك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون" [التوبة:6]، وأخرج الشيخان عن أم هانيء بن أبي طالب، أنها قالت: يا رسول الله، زعم ابن أمي "علي" أنه قاتل رجلاً قد أجرته فلان بن هبيرة، فقال r: "قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ". وفي مسألة الاستعانة بغير المسلمين في القتال: ذهب الحنفية إلى جواز الاستعانة بهم في قتال البغاة من المسلمين؛ لأنه قتال مشروع، ويجوز فيه اتباع المدبرين منهم عند الحنفية. كما ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والمشهور عند المالكية والحنابلة إلى جواز الاستعانة بغير المسلمين في قتال الأعداء من غير المسلمين؛ لما أخرجه ابن هشام "أن النبي r استعان في غزوة حنين سنة ثمان بصفوان بن أمية، وهو مشترك". قالوا: وأما قوله r: "ارجع فلن أستعين بمشرك" فربما كان لحمله على الإسلام وقد كان، وربما لعدم ائتمان جانبه لأمر خاص. ويمكن الجواب عن ذلك: بأن الاستعانة في قضيتنا ليست لدفع الظلم والعدوان، وإنما لتحقيق مكاسب سياسية يطمع أصحابها في الوصول إلى الحكم باسم الديمقراطية. وبالتأكيد فإن الحكومة التي تأتي بالاستقواء من الخارج ستمارس الظلم والعدوان على الشعب؛ لأنه لم ينصبها عليه، بل سيجد الشعب حكومته مواليه للخارج الذي تفضل عليها بالتمكين منه.

(2) أن الديمقراطية حق إنساني مثل حق الحياة؛ لأن الديمقراطية تقوم على الحرية، والحرية صنو الحياة. ومن هنا جاز لكل إنسان أن يستقوي ببني جنسه للحصول على حقه الإنساني. ومما يؤكد على إنسانية الديمقراطية: وجود هيئة أمم متحدة، وقانون دولي، وميثاق حقوق الإنسان الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة في 10ديسمبر1948م، وقد نص في مادته الحادية والعشرين على أنه: "1- لكل فرد الحق في الاشتراك في إدارة الشئون العامة لبلاده، إما مباشرة أو بواسطة ممثلين يختارون اختيارً حرًا... 3- إن إرادة الشعب هي مصدر سلطة الحكومة، ويعبر عن هذه الإرادة بانتخابات نزيهة دورية تجري على أساس الاقتراع السري، وعلى قدم المساواة بين الجميع، أو حسب أي إجراء مماثل يضمن حرية التصويت". ويمكن الجواب عن ذلك: بأن الديمقراطية ليست حقًا إنسانيًا في ذاتها، وإنما هي تستند إلى حق إنساني آخر وهو حق الحرية الذي يظهر في صورة عقود واتفاقات منظمة حتى لا تتعارض المصالح، ومن ذلك الديمقراطية التي هي عقد على ممارسة معينة في نظام الحكم تقوم على الانتخابات بضوابط خاصة.

(3) أن الديمقراطية من المصالح الضرورية أو الحاجية التي يستعان على التوسل إليها بكل السبل ولو كانت محظورة؛ عملاً بالقاعدة الفقهية "الضرورات تبيح المحظورات". فلو كان الاستقواء بالخارج محظورًا –في حكم الأصل- فإنه يجوز لتحصيل أمر ضروري وهو حماية المعارضين من السجن والتعذيب والاضطهاد؛ إذ لا ينكر أحد تأثير المجتمعات المدنية الغربية عبر الصحافة ومنظمات حقوق الإنسان وبعض السياسيين في دعم الديمقراطية في الدول الإسلامية. ويمكن الجواب عن ذلك: بأن الديمقراطية من المصالح التحسينية وليست من المصالح الضرورية أو الحاجية؛ لأنها متعلقة بسياسة تدوير الحكم بين الأحزاب، وهذا من الرفاهية والتي لا يستفيد منها إلا النخب. أما عامة الناس فيحتاجون إلى حكومة ترعى مصالحهم المعيشية دون فساد أو إفساد. وأما دعوى الاحتماء من السجن والتعذيب فهي خارجة عن محل النزاع الذي يختص بالديمقراطية، ويمكن لمن يزعم وقوعه في الاضطهاد الاحتماء بالقضاء والقانون وليس بالاستقواء بالخارج.

(4) أن طبيعة الديمقراطية لا تقبل أن يكون لها أنياب؛ لأن الديمقراطية تقوم على التمكين للحريات، وهى طبيعة لا تعرف الديكتاتورية. ويمكن الجواب عن ذلك: بأنه لا توجد حرية مطلقة، فكل الحريات منضبطة بضوابط حتى لا يهلك بعضها بعضًا، ومن ذلك الديمقراطية التي تحتاج إلى حماية نفسها بالديمقراطية حتى لا تتغلب الفئة القليلة على الأكثرية، المهم أن تكون أنياب الديمقراطية بالديمقراطية.

(5) أن الاستقواء للديمقراطية في المجال السياسي له شبهان: أ- الأشبه أنه يقاس على الاستقواء للتداوي والتعليم والاستثمار في المجالات الصحية والتقنية والاقتصادية. وقد أجمع الفقهاء على مشروعية الاستعانة بغير المسلمين في هذه المجالات الخدمية، فقد أخرج البخاري عن عائشة، أن الرسول r استأجر وأبا بكر رجلاً من بني الديل هاديًا خريتًا –يعني ماهرًا- وهو على دين كفار قريش، في هجرتهما من مكة، فدفعا إليه راحلتيهما وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال، فأتاهما براحلتيهما صبح ثلاث، وانطلق معهما عامر بن فهيرة والدليل، فأخذ بهم طريق السواحل. ب- قد يشبه الاستقواء للديمقراطية في المجال السياسي الاستقواء للقتال في المجال العسكري، وهنا يكون الاستقواء للديمقراطية من المعارضة قياسًا على استقواء النظام الحاكم بجلب الخبرة والأجهزة الأمنية من الغرب لقمع المعارضين. ويمكن الجواب عن ذلك: أ- أن الاستقواء للتداوي والتعليم والاستثمار وغيرها من الخدمات الإنسانية ليس كالاستقواء للديمقراطية التي تتعلق بنظام الحكم وسيادة الدولة، فهو قياس مع الفارق. ب- أن قياس استقواء المعارضة على استقواء النظام الحاكم قياس مع الفارق؛ لأن المعارضة لا تستند إلى شرعية ديمقراطية بل تقهر إرادة الشعب بالأجنبي. أما استقواء النظام الحاكم فيستند إلى شرعية ديمقراطية، ولا يكون الاستقواء بإدخال الأجنبي في شئون داخلية وإنما يقف عند شراء التقنية والمعدات.

التعقيب والاتجاه المختار:  المقصود بالاستقواء بالخارج بأنه الطلب الصريح أو الضمني من بعض الطوائف الوطنية أو الأحزاب السياسية المحلية الدعم الديمقراطي والإعانة عليه بالضغط السياسي من بعض المنظمات الحقوقية الدولية، أو من بعض الإدارات الحكومية في الدول الغربية الكبرى الداعمة للديمقراطية؛ وذلك لتمكين تلك الطوائف أو الأحزاب من مكاسب سياسية تعجز أو تظن عجزها عن تحقيقها بالقنوات القانونية بدعوى الاضطهاد السياسي أو نتوء الأنياب للديمقراطية عندهم". وقد نشأت قضية "الاستقواء بالخارج" في مطلع القرن الحادي والعشرين الميلادي كتهمة موجهة إلى المعارضين للأنظمة الحكومة العربية، والذين نقلوا نطاق معارضتهم إلى الدول الغربية ذات التأثير السياسي. وقد كتب بعض المعارضين من تونس وسوريا واليمن مقالات وفتاوى عن مشروعية "الاستقواء بالخارج" ردًا على تهم بعض الأنظمة العربية لبعض معارضيها بذلك اعتبارًا من سنة 2005م.

وقد ذاعت تهمة "الاستقواء بالخارج" في مصر بعد مؤتمر "مستقبل الديمقراطية في مصر" الذي عقده المصريون المعارضون المقيمون في الولايات المتحدة الأمريكية منتصف شهر مايو 2010م، وقد خرج إليه من مصر بعض القيادات الحزبية والسياسية والقانونية. وتصارح بعض المشاركين في المؤتمر بنقد النظام المصري بما اعتبره البعض شكوى مقدمة إلى الخارج لاستدخال المنظمات الحقوقية الغربية في الشئون المصرية بسبب كون المؤتمر خارج البلاد وليس بغفلة عن الإعلام.

ويقر الفقه بأن مصطلح "الاستقواء بالخارج" لا يزال حديث النشأة، وفي حاجة إلى دراسة واستقرار في مفاهيمه؛ نظرًا لدقة مرتبته التي تقع بين المسموح وبين المحظور، خاصة في هذا العصر الذي تشابكت فيه العلائق والمصالح بين الحكومات والمنظمات المدنية بلا حدود. ومع الاعتراف الفقهي بحداثة مصطلح "الاستقواء بالخارج" وحاجته إلى مزيد من الدراسة إلا أن الطبيعة الفقهية المرنة تلزم الفقهاء ببذل الاجتهاد في المسائل على قدر المتاح لهم من معلومات مؤثرة في أوضاع الحكم الشرعي، ولا عليهم بعد صدور الفتوى من التحول عنها إن طرأ ما يوجب التغيير، ولا يجوز التوقف عن بيان الحكم الشرعي بدعوى عدم الاستقرار في الحدث محل الحكم؛ لدوام التغيير في الأحداث، وحتى لا يفرغ زمان ولا مكان من بيان لحكم الشريعة الإسلامية.

وحسب ما لدينا من معلومات حول مصطلح "الاستقواء بالخارج" ونشأته، واتباع المنهج الاجتهادي في المستجدات من تحكيم النصوص العامة والقواعد الفقهية والمقاصد الشرعية، فإنه قد تخرج لنا اتجاه ظاهر يرى منع "الاستقواء بالخارج" وتجريمه، ووجدنا اتجاهًا آخر حملة على الفقه بعض الفقهاء المعاصرين ذوي النشاط السياسي المعارض. ويرجع سبب الخلاف في القضية إلى عدة أسباب من أهمها: (1) الاختلاف في حكم الاستعانة بالأجانب غير المسلمين في القوة. (2) الاختلاف في عالمية الديمقراطية باعتبارها حقًا إنسانيًا، أو محليتها باعتبارها عقدًا قابلاً للتقييد بالشرط. (3) الاختلاف في تكييف الديمقراطية من أنواع المصالح الشرعية الثلاث: الضروريات، والحاجيات، والتحسينيات. وما يترتب عليه من أثر شرعي. (4) الاختلاف في طبيعة الديمقراطية هل تقبل إنبات أنياب لها، أو لا تقبل ذلك. (5) الاختلاف في قياس الاستقواء للديمقراطية في المجال السياسي على الاستقواء للتداوي في المجال الصحي أو للاستثمار في المجال الاقتصادي، أو على الاستقواء للقتال في المجال العسكري.

وحيث إن قضية "الاستقواء بالخارج" من القضايا المعاصرة المرتبطة بالنظام العام، والتي يحتاج فيها أولوا الأمر وذووا الشأن استبانة آراء الفقهاء المعاصرين فإنني أرى تحريم "الاستقواء بالخارج" وتجريمه حسب معناه الاصطلاحي، وهو ما عليه ظاهر الفقه وبه أخذ أكثر السياسيين والقانونيين؛ لقوة أدلتهم، ولما في هذا الاستقواء من التدخل الأجنبي في الشئون الداخلية، ومحاولة إذلال الشعب وقهر إرادته بتمكين المستقوين عليه، فضلاً عن إساءة أهل الاستقواء لشعبهم بما هو غيبة منكرة أمام الآخرين، ولو كان الأمر لهم لتضرروا من هذا الاستقواء، ناهيك عما يفضي ذلك إلى بث الفتنة بين طوائف الشعب. إن الصادقين في إرادة التغيير في حكم الشعب بالشعب لا يخرجون عن الشعب.

Islamic Calendar Widgets by Alhabib

Pages