Get Adobe Flash player

تعريف الاشتراكية وبيان أصلها التاريخي وتطور المقصود منها

الاشتراكية غربية النشأة شرقية الموطن، جاءت رد فعل لآثار الرأسمالية. وتطلق الاشتراكية على ذلك المنهج الإنساني الذي يشتمل على: نظام اقتصادي معين، وحركة سياسية تحميه، ونظرية اجتماعية تقويه. وعرفها مجمع اللغة العربية بأنها: "مذهب سياسي واقتصادي يقوم على سيطرة الدولة على وسائل الإنتاج وعدالة التوزيع والتخطيط الشامل".

ويرجع الأصل التاريخي لحقيقة الاشتراكية التي تقوم على فكرة الملكية العامة إلى عهد الإغريق، حيث طرح الفيلسوف اليوناني أفلاطون في القرن الرابع الميلادي مسألة الملكية الجماعية للطبقة الحاكمة، ومنذ ذلك الحين ظهرت جماعات عديدة تطالب ببناء نظام اجتماعي يقوم على الملكية الجماعية.

وقد استخدمت كلمة "الاشتراكية" لأول مرة في القرن التاسع عشر الميلادي، وقصد بها في ذلك الوقت: "الدعوى إلى محاربة الأنانية" أو "محاربة الملكية الخاصة" التي كان يعتقد –عند أصحابها- أصل الشرور في النظام الحر. ثم تطور المقصود من الاشتراكية على يد بعض الاقتصاديين مثل "روبرت أوين" الإنجليزي و"تشارلز فورير" الفرنسي، وغيرهما من الملقبين بالمثاليين بعد حركة التصنيع وما صاحبها من جور ومعاناة بين صفوف العمال؛ ليصبح المقصود من الاشتراكية هو: "التوزيع الأمثل للثروة"، حيث صار يعتقد –عند أصحابها- أن المشكلة الاقتصادية تكمن في سوء توزيع الثروة الذي يؤدي إلى هدر كثير من الموارد. ثم تطور المقصود من الاشتراكية على يد "كارل ماركس" الألماني الذي وصف اشتراكيته بالعلمية في البيان الشيوعي سنة 1848م، وانتهى إلى أن المقصود من الاشتراكية: "إنهاء الصراع الممتد في جذور التاريخ بين المالكين والعاملين". ثم قامت الثورة البلشفية في الاتحاد السوفيتي سنة 1917م(روسيا حالياً)، ومعها قامت الدولة الاشتراكية على أساس: "تملك معظم وسائل الإنتاج وتوزيعها بين مختلف الاستخدامات بما يضمن تحقيق التوازن بين الإنتاج والاستهلاك وفقاً لخطة قومية محددة". ثم انتشرت الاشتراكية في الصين بأقصى المشرق، وأخذت بها بعض الدول العربية كمصر وسوريا في الستينات وأوائل السبعينيات من القرن العشرين، ولا تزال سوريا ملتزمة بكثير من مناهجها.

أهداف الاشتراكية

يعتقد الاشتراكيون أن هدفهم هو: (1) إقامة مجتمع يرتكز على التعاون والأخوة، وليس على المنافسة والمصلحة الفردية؛ عملاً بالمقولة الاشتراكية: "الدين لله والوطن للجميع". (2) معالجة الآثار السلبية للمجتمع الحر المتمثلة في التفاوت الاجتماعي والتفرقة بين المواطنين. (3) معالجة الآثار السلبية للرأسمالية المتمثلة في البطالة والفقر والنزاع بين العمال وأرباب العمل. (4) توزيع ثروات الدولة بالتساوي وبعدالة.

أساليب الاشتراكية

تعتمد الاشتراكية على عدة أساليب من أهمها: (1) وضع وسائل الإنتاج الرئيسة بأيدي المواطنين إما مباشرة وإما من خلال الحكومة. ويفضل العديد من منظري الاشتراكية الاقتصاد المختلط، أي ملكية الحكومة للمصانع الأساسية، وملكية الأفراد لنشاطات أخرى على أن تتم الرقابة عليها من خلال القوانين والتنظيمات التي تفرضها الدولة. (2) وضع خطة اقتصادية شاملة لاستخدام موارد الدولة، وتراعي تلك الخطة تكييف الإنتاج حسب احتياجات المواطنين وليس بحسب قانون العرض والطلب. (3) تخفيض الملكية الخاصة أو إلغائها، وهيمنة الدولة على الملكية العامة، بما في ذلك ملكية وسائل الإنتاج. ويختلف الاشتراكيون في طريقة هذا التخفيض أو الإلغاء، فبينما يرى بعضهم طريقة التأميم يرى العديد منهم طريقة فرض الضرائب وسن القوانين لمساعدة كبار السن والعاطلين والمعوقين والأرامل والأطفال وسائر المعوزين. ويضيف بعضهم: توفير التعليم المجاني والخدمات الطبية وتوفير المسكن الصحي بالتكلفة المناسبة.

الاشتراكية والشيوعية

كانت الاشتراكية تطلق على الشيوعية والعكس في أوائل استعمالهما، وكان المقصود هو: ذلك النظام الذي يعتمد على الملكية العامة لوسائل الإنتاج". وفي أواخر القرن العشرين يرى أكثر المتخصصين: أن الاشتراكية مرحلة من مراحل تحقيق المجتمع الشيوعي. ففي مرحلة الاشتراكية تتم إزالة أغلب الملكيات الخاصة لصالح الملكية العامة، كما تلجأ الحكومة إلى إجبار المواطنين على العمل والإنتاج مقابل عوائد قليلة حتى تصبح الدولة قادرة اقتصادياً بشكل كاف يمكنها من تحقيق رغبات المواطنين الاقتصادية، فتسمى هذه المرحلة من التطور بالشيوعية.

تحرير محل النزاع

ظهرت قضية "الاشتراكية نظاماً اقتصادياً في البلاد الإسلامية" لأول مرة بعد ثورة الجيش المصري في 23 يوليو 1952م، وإعلانها في مبادئها: "القضاء على الإقطاع، وإقامة عدالة اجتماعية". فتوجهت الحكومة إلى تفعيل النظام الاشتراكي، وتحصينه بالنص عليه في الدستور المؤقت الصادر سنة 1964م، ثم في دستور المصري الصادر 1971م، والذي تنص مادته الأولى على أن: "جمهورية مصر العربية دولة نظامها اشتراكي ديمقراطي يقوم على تحالف قوى الشعب العاملة"، كما خصص الدستور الفصل الثاني من الباب الثاني للمقومات الاقتصادية في المواد (39:23) وكلها تعبر عن النظام الاشتراكي. فجاء في المادة 23: "ينظم الاقتصاد القومي وفقاً لخطة تنمية شاملة تكفل زيادة الدخل القومي وعدالة التوزيع ورفع مستوى المعيشة والقضاء على البطالة.."، وتنص المادة 24 على أن: "يسيطر الشعب على كل أدوات الإنتاج.."، وتنص المادة 28 على أن :" ترعى الدولة المنشآت التعاونية بكل صورها00"، وتنص المادة 29 على أن: "تخضع الملكية لرقابة الشعب وتحميها الدولة، وهي ثلاثة أنواع: الملكية العامة والملكية التعاونية، والملكية الخاصة"، وتنص المادة 35 على أنه: "لا يجوز التأميم إلا لاعتبارات الصالح العام وبقانون ومقابل تعويض"، وتنص المادة 38 على أن: "يقوم النظام الضريبي على العدالة الاجتماعية". ثم جاء الدستور المصري في الباب الثالث وهو يبين الواجبات العامة فنص في مادته 59 على أن: "حماية المكاسب الاشتراكية ودعمها والحفاظ عليها واجب وطني".

واختلف الفقهاء المعاصرون منذ هذا التاريخ في شرعية العمل بالنظام الاقتصادي الاشتراكي في البلاد الإسلامية بين مؤيدين ورافضين، وإن اتفقوا على أنه في ظل حكم الاستبداد والظلم الذي يقع على المخالفين أنه يجوز لهم التوقف أو التصريح بالموافقة عند الحاجة لدفع البطش عن أنفسهم؛ لعموم قوله تعالى: "من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان" [النحل: 106]، وقوله تعالى: "وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه" [الأنعام: 119]، وقوله تعالى: "فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه" [البقرة: 173]. وأخرج ابن حبان والدار قطني عن ابن عباس، وابن ماجه عن أبي ذر الغفاري، أن النبي r قال: "إن الله عز وجل تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه". كما اتفق الفقهاء المعاصرون على أن ما تأتي به الاشتراكية مما يخالف نصاً قاطعاً إسلامياً كالتأميم بدون عذر أو تعويض عادل وسائر وجوه الظلم القطعية أنه لا يلتفت إليه طاعة لله تعالى، وإنما الخلاف هو في مبدأ تحكيم الاشتراكية نظاماً اقتصادياً في البلاد الإسلامية.

سبب اختلاف الفقهاء في تحكيم الاشتراكية نظاماً اقتصادياً

يرجع اختلاف الفقهاء المعاصرين في قضية "الاشتراكية نظاماً اقتصادياً في البلاد الإسلامية" إلى عدة أسباب، من أهمها: (1) الاختلاف في مشروعية استحداث أنظمة وعقود جديدة لم يرد اسمها أو شرطها في المرجعية الإسلامية الأصيلة من الكتاب والسنة. (2) الاختلاف في مشروعية التشبه بغير المسلمين فيما يكون علامة لهم أو منسوباً إليهم ولو لم يكن مخالفا للقواعد الشرعية العامة. (3) الاختلاف في تكييف الاشتراكية، أهي نظام عملي يفرضه الواقع لمعالجة خلل الحرية أم نظام فكري يقوم على تعظيم الملكية الجماعية وإهدار الملكية الفردية وهو ما يعرف بشعار: "الدين لله والوطن للجميع". (4) الاختلاف في مشابهة الاشتراكية للأحكام الاقتصادية الإسلامية أو مخالفتها.

الاتجاهات الفقهية في تحكيم الاشتراكية نظاماً في البلاد الإسلامية

يمكن إجمال أقوال الفقهاء المعاصرين واحتمالاتهم الفقهية في تحكيم الاشتراكية نظاماً اقتصادياً في البلاد الإسلامية في اتجاهين، كما يلي.

الاتجاه الأول: يرى عدم مشروعية تحكيم الاشتراكية نظاماً اقتصادياً في البلاد الإسلامية اكتفاءً بالنظام الاقتصادي الإسلامي، وهو قول أكثر الفقهاء المعاصرين المتأخرين، خاصة بعد سقوط الاشتراكية في الاتحاد السوفيتي في أول العقد الأخير من القرن العشرين، وتوجه الاقتصاد المصري إلى الخصخصة في أوائل القرن الحادي والعشرين، كما ذهب إلى هذا الاتجاه بعض الفقهاء المعاصرين المتقدمين في أوائل الثورة. وقد نسبه بعضهم إلى أمير الشعراء الأستاذ أحمد شوقي عندما عاب على الاشتراكية ووصفها بالداء، وظن بعض أهل الظاهر من المعاصرين أنه يمدحها في قوله:

الاشتراكيون أنت إمامهم

لولا دعاوى القوم والغُلواءُ

داويت متئداً وداووا طُفرة

وأخف من بعض الدواء الداء

يقول بعض الشراح – كما ورد في مقالات موقع الألوكة لمجموعة من العلماء والمفكرين في شهر صفر 1429هـ- ما نصه: "فهم البعض أن الشاعر يمدح الاشتراكية، وغفل أن "لولا" تفيد امتناع الجواب لوجود الفعل. وجاء البيت الثاني يبين أن بقاء المرض أخف وأهون وأفضل من ذلك الدواء الذي جاءت به الاشتراكية، فلا يوجد ما يعيب شوقي بما اتهم من مدحه للاشتراكية" قلت: ويؤيد هذا التأويل لكلام شوقي ما جاء في أحد الأوجه من تفسير قوله تعالى: "ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه" [يوسف: 24]، أي هم بها لولا أن رأى برهان ربه، أي فلم يهم بها؛ لأن لولا حرف امتناع الجواب لوجود الفعل. وحجة أصحاب هذا الاتجاه: (1) أن الاشتراكية – كنظام اقتصادي – أمر مستحدث يخالف في بعض الأوجه سعة النظام الاقتصادي الإسلامي، فلم يجز العمل بها؛ لعموم ما أخرجه الشيخان من حديث عائشة، أن النبي r قال: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد"، وفي لفظ: "منه". وفي رواية لمسلم: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد". وأخرج مسلم عن جابر بن عبد الله أن النبي r كان إذا خطب يقول: "إن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة". ويمكن الجواب عن ذلك: بأن المراد من المحدثات في الحديث هو ما خالف نصاً مقصوداً. أما ما استحدث لتمكين النص ومقصوده فهو من الوسائل المشروعة مثل الاشتراكية التي تحقق العدالة في توزيع الثروة، والعدالة من المقاصد الشرعية. (2) أن مصطلح الاشتراكية غربي النشأة شرقي الموطن، ومرتبط بأفكار وعقائد غير المسلمين، فكان محظوراً على المسلمين مجاراته؛ لنهيهم عن التشبه بغير المسلمين فيما أخرجه الطبراني والترمذي وضعفه، من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن النبي r قال: "ليس منا من تشبه بغيرنا، لا تشبهوا باليهود ولا بالنصارى فإن تسليم اليهود الإشارة بالأصابع، وإن تسليم النصارى بالأكف". وأخرج الشيخان عن أبي سعيد الخدري، أن النبي r قال: "لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه". قلنا: يا رسول الله، اليهود والنصارى قال r: "فمن"؟. ويمكن الجواب عن ذلك: بأن حديث النهي عن التشبه بغير المسلمين قد ضعفه الترمذي والهيثمي، وعلى التسليم بصحته فهو مثل حديث أبي سعيد الخدري في الصحيحين –سالف الذكر- خاص بالأمور الدينية أو التي ورد فيها نص؛ لما أخرجه الشيخان عن ابن عباس: "أن النبي r كان يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء". (3) أن الاشتراكية نظام فكري يقوم على تعظيم الملكية الجماعية وإلغاء الملكية الفردية؛ عملاً بمقولة: "الدين لله والوطن للجميع". وهذا يخالف الإسلام عقيدة وشريعة. ويمكن الجواب عن ذلك:أ- أنه إذا تعارضت المصلحة العامة مع المصلحة الخاصة قدمنا المصلحة العامة للقاعدة الفقهية التي تقدم: "أعظم المصلحتين وأخف الضررين" ب- أن إلغاء الملكية الخاصة يجعل الدولة –صاحبة الشأن- هي المحتكر الوحيد للملكية، فتعطي وتمنع كما تشاء، فتصبح بذلك قوة غاشمة ظالمة، وهذا عكس ما قامت الاشتراكية لأجله وهو العدل. ويعارض هذا الجواب: أ- أن ادعاء الضرر العام على الجماعة لمجرد امتلاك بعض الأفراد ثروة ليس مسوغاً لأكل أموالهم وهضم حقوقهم، فالظالم يؤخذ بظلمه، والمظلوم تعاد إليه حقوقه. ب- أن الدولة هي صاحبة الفكرة الاشتراكية، وهي الأحرص على أن تؤتي ثمارها من العدل، وهذا يبعدها عن مظنة أن تصبح قوة غاشمة ظالمة لتضخم ملكيتها، فهي إذا أرادت أن تصبح قوة غاشمة ظالمة لم تكن في حاجة إلى أن تجمع الثروة في يدها، وهي تعلم أن إدارة الثروة يأخذ جهداً خارقاً، كان في إمكانها أن توفره لممارسة البطش على الأغنياء. (4) أن الاشتراكية نظام فكري يقوم على ملكية الدولة لوسائل الإنتاج، ومنها العنصر البشري. وإذا أدرك العمال وهم متفاوتون في مواهبهم وإبداعاتهم الإنتاجية أن ثمرة عملهم ستكون للدولة دون أن يعود عليهم منها شيء فلن تظهر مواهبهم، بل سيعمهم الكسل؛ لعدم وجود الحوافز الإبداعية، ويقل الإنتاج العام، وهو عكس مقاصد الاشتراكية. ويمكن الجواب عن ذلك: بأنه لا خلاف على استحقاق المبدع حوافز تشجيعية، ولكنها لا تصل إلى امتلاك كل المستفاد من الإبداع من أجل إعطاء الضعفاء. ويعارض هذا الجواب: بأن هذا الحكم فيه قضاء على المواهب، وقتل للإبداع، وإغلاق لباب الأمل في الوصول إلى القمة.

(5) أن الاشتراكية تعتمد على وسائل غير مشروعة، وتخالف النصوص الشرعية الثابتة، مثل أخذ الاشتراكية بنظام التأميم أو فرض ضرائب كبيرة على الأغنياء لمجرد امتلاكهم الثروة وليس للحاجة الحقيقية. وهذا يخالف عموم قوله تعالى: "ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون" [البقرة: 188]، وعموم قوله تعالى: "لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم" [النساء: 29]، وعموم ما أخرجه الشيخان من حديث أبي بكرة أن النبي r قال في خطبة الوداع: "إن دمائكم وأموالكم وأعراضكم وأبشاركم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا، ألا هل بلغت اللهم اشهد". وقد أخرج ابن ماجه والطبراني بإسناد ضعفه ابن حجر والألباني، من حديث فاطمة بنت قيس، أن النبي r قال: "ليس في المال حق سوى الزكاة". وأخرج ابن ماجه والحاكم والترمذي وقال: حسن غريب. قال الألباني: ضعيف، عن أبي هريرة أن النبي r قال: "إذا أديت زكاة مالك فقد قضيت ما عليك". ويمكن الجواب عن ذلك: أ- أن الاشتراكية لا تأخذ بالتأميم إلا في حال الضرورة لحماية حقوق الضعفاء، وقد قال تعالى: "وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه" [الأنعام: 119]. ب- أن الشرع أذن في فرض الضرائب بعد الزكاة عند الحاجة أو المصلحة؛ لما أخرجه مالك في الموطأ، والطحاوي في شرح معاني الآثار، عن فاطمة بنت قيس أن النبي r قال: "في المال حق سوى الزكاة". وأخرج الدار قطني والطحاوي عن فاطمة بنت قيس أنها قالت لرسول الله r: في المال حق سوى الزكاة؟ قال r: "نعم" ثم قرأ: "ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه" الآية [البقرة: 177]. ويعارض هذا الجواب: أ- أن الضرورة تقدر بوقتها ومكانها، فلا يجوز تعميمها. ثم إذا كان التأميم ضرورة فإن عدم تعويض المضرور منه ليس ضرورة وإنما هو ظلم وأكل للمال بالباطل. ب- أن إذن الشارع في فرض الضرائب بعد الزكاة ليس مطلقاً وإنما عند الحاجة أو المصلحة. وهذا بخلاف نظام الضرائب في الاشتراكية الذي هو جزء من حقيقتها بهدف إضعاف الأغنياء.

الاتجاه الثاني: يرى مشروعية تحكيم الاشتراكية نظاماً اقتصادياً في البلاد الإسلامية، وهو قول بعض الفقهاء المعاصرين المتأخرين، وإليه ذهب أكثر الفقهاء المعاصرين المتقدمين أوائل الثورة عهد الرئيس جمال عبد الناصر، ونسبه بعضهم إلى أبي ذر الغفاري-رضي الله عنه- كما نسبه بعضهم إلى أمير الشعراء أحمد شوقي أخذاً من ظاهر قوله:

الاشتراكيون أنت إمامهم ... لولا دعاوى القوم والغلواء

وقد سبق تحقيق القول عن اختيار أحمد شوقي في الاتجاه الأول الرافض للاشتراكية. وحجة أصحاب هذا الاتجاه: (1) أن الاشتراكية نظام مستحدث يهدف إلى إقامة مجتمع يرتكز على التعاون والأخوة، ويقوم على توزيع ثروات الدولة بالتساوي وبعدالة. ولا يوجد نص شرعي ينهي عن هذا النظام بالاسم، فكان الأصل فيه الإباحة؛ لعموم قوله تعالى: "وأوفوا بالعهد" [الإسراء: 34]، وقوله تعالى: "أوفوا بالعقود" [المائدة: 1]، وعموم ما أخرجه البخاري تعليقا أن النبي r قال: "المسلمون عند شروطهم". وأخرج أحمد والبزار والطبراني برجال ثقات، عن ابن مسعود، قال: "ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن، وما رأوه سيئاً فهو عند الله سيء". ويمكن الجواب عن ذلك: بأن العبرة بالمعاني لا بالمباني، وأن الغاية لا تبرر الوسيلة؛ للقاعدة الفقهية وهي أن "للوسائل حكم المقاصد". فلا يجوز تحقيق التعاون على حساب اغتصاب أموال الغير وحقوقهم. كما لا يجوز الوفاء بالشروط الاتفاقية أو ما يستحسنه الناس على حساب مخالفة الشرع؛ لما أخرجه الشيخان من حديث عائشة في قصة بريرة، أن النبي r قال: "ما بال أقوام يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله. من اشترط شرطاً ليس في كتاب الله فليس له – وفي رواية: فهو باطل – وإن اشترط مائة مرة". وفي رواية: "وإن اشترط مائة شرط قضاء الله أحق وشرط الله أوثق".

(2) أن الاشتراكية وإن كانت نظاماً غريباً – من حيث النشأة – إلا أنه إنساني المصدر، وقد يكون الأصلح للتطبيق في بعض البلاد، وفي بعض الأزمنة، فلا يجوز رفض هذا النظام لمجرد غربية نشأته، فقد كان النبي r يأخذ بالأصلح في أمور الحياة من غير المسلمين؛ لما أخرجه الشيخان عن ابن عباس أن النبي r قدم المدينة والناس يسلفون في الثمر العام والعامين والثلاثة، فقال r: "من أسلف في تمر – وفي رواية: في شيء – فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم". وأخرج مسلم عن جذامة بنت وهب، أن النبي r قال: "لقد هممت أن أنهى عن الغيلة، حتى ذكرت أن الروم وفارس يصنعون ذلك فلا يضر أولادهم". وفي رواية: "فنظرت في الروم وفارس فإذاهم يغيلون أولادهم فلا يضر أولادهم ذلك شيئا". [والغيلة: هي أن يأتي الرجل زوجته وهي حامل، أو تحمل المرأة وهي ترضع]. ويمكن الجواب عن ذلك: بأن رفض الاشتراكية ليس فقط لكونها نظاماً غربياً، وإنما لكون وسائلها غير مشروعة كالتأميم، وفرض الضرائب بقصد إضعاف الأغنياء وليس بقصد سد الحوائج، وامتلاك الدولة لوسائل الإنتاج حتى المواهب الفردية للعمال تكون مملوكة للدولة لا يملكها أصحابها.

(3) أن الاشتراكية نظام عملي فرضه الواقع لمعالجة خلل الحرية خاصة بعد الثورة الصناعية وامتلاك الأغنياء للمصانع وتسخيرهم للعمال بإطالة ساعات العمل وتخفيض الأجور، وهو ما أدى إلى الفقر والبطالة والمرض. ويجب على أولياء الأمور أن يتخذوا من التدابير اللازمة لحماية الضعفاء، ومن تلك التدابير: النظام الاقتصادي الاشتراكي. ويمكن الجواب عن ذلك: أ- أن الاشتراكية ليست نظاما عملياً، وإنما هي – في نظر منظريها- نظام فكري شامل لمنهج حياة، يقوم على تعظيم الملكية الجماعية وإهدار الملكية الفردية فيما يعرف من قولهم "الدين لله والوطن للجميع". وهذا المنهج يلغي تماماً المنهج الإسلامي الذي أمر الله تعالى نبيه r بإتباعه في قوله: "ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعملون" [الجاثية: 18]. ب- وعلى التسليم بأن الاشتراكية نظام عملي وليست نظاماً فكرياً فلا يجوز أن تكون مسوغة للظلم بإلغاء الملكية الفردية أو النيل منها بغير حق، وبتملك الدولة وسائل الإنتاج دون الأفراد فيما وهبهم الله تعالى. جـ- أن القواعد الفقهية الإسلامية العامة كافية لتمكين أولياء الأمور من اتخاذ التدابير الشرعية لحماية الضعفاء دون الحاجة للاشتراكية.

(4) أن الاشتراكية تشبه في الجملة المبادئ الاقتصادية الإسلامية وأحكامها. فالاشتراكية تقوم على المبادئ الآتية مما جاء الإسلام بها. أ- العدالة في التوزيع. وقد قال تعالى: "إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى" [النحل: 90]. ب- محاربة الأنانية، وقد أخرج الشيخان عن أنس، أن النبي r قال: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"، وفي رواية لمسلم: "حتى يحب لجاره ما يحب لنفسه". جـ- إقامة مجتمع التعاون والأخوة. وقال تعالى: "وتعاونوا على البر والتقوى" [المائدة: 2]، وقال تعالى: "إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم" [الحجرات: 10]. د- إلغاء التفاوت الاجتماعي والتفرقة بين المواطنين، وقد قال تعالى: "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا" [الحجرات: 13]، وأخرج البيهقي بإسناد فيه بعض من يجهل عن جابر بن عبد الله مرفوعا، وأخرجه أحمد برجال الصحيح عن أبي نضرة، قال: حدثني من سمع خطبة النبي r في وسط أيام التشريق، فقال: "يا أيها الناس ألا إن ربكم واحد ألا لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود، ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى". هـ- القضاء على البطالة، وقد قال تعالى: "وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون" [التوبة: 105]، وقال تعالى: "فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور" [الملك: 15]. و- القضاء على الفقر، وقد قال تعالى: "إنما الصدقات للفقراء والمساكين" الآية [التوبة: 60]. وإذا لم تكن الزكاة كافية للقضاء على الفقر فقد أوجب أبو ذر الغفاري حقاً في المال سوى الزكاة؛ لعموم ما أخرجه مسلم عن جابر، أن النبي r قال: "من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل"، وما أخرجه مالك والطحاوي عن فاطمة بنت قيس أن النبي r قال: "في المال حق سوى الزكاة". وأخرج الدار قطني والطحاوي عن فاطمة بنت قيس أنها سألت النبي r: في المال حق سوى الزكاة؟ فقال r: "نعم" ثم قرأ الآية الكريمة: "وآتى المال على حبه" [البقرة: 177] ز- التقييد من الملكية الفردية؛ لقوله تعالى: "وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه" [الحديد: 7]، وقوله تعالى: "وآتوهم من مال الله الذي آتاكم" [النور: 33]. فلم يجعل القرآن المال مملوكاً للإنسان بإطلاق. ويمكن الجواب عن ذلك: أ- أن الإسلام جاء بالعدالة ومنع الأنانية وإقامة مجتمع التعاون والأخوة والقضاء على البطالة والفقر من مرجعية شرعية تربط الإنسان بخالقه، وليس من مرجعية غربية تبعد المسلم عن دينه، ولذلك كان من ضوابط الشريعة منع إنتاج الخمور والمخدرات للأغراض الاستهلاكية، وليس هذا في الاشتراكية. ب- أن الاشتراكية تشتمل على مبادئ أخرى غير إسلامية مثل: (أ) إلغاء التفاوت الاجتماعي والتفرقة بين المواطنين في الرزق؛ لقوله تعالى: "أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ورحمة ربك خير مما يجمعون" [الزخرف: 32]. وأما زعم القضاء على الفقر فهو كلمة حق يراد بها باطل، وهو الاستيلاء على أموال الأغنياء بغير حق، وقد ذهب جمهور الفقهاء –حتى حكى بعضهم الإجماع فيه- إلى أنه ليس في المال حق شرعي للغير سوى الزكاة؛ لما أخرجه ابن ماجه والطبراني بإسناد ضعيف عن فاطمة بنت قيس، أن النبي r قال: "ليس في المال حق سوى الزكاة"، وأخرج الحاكم وابن ماجه والترمذي وقال حسن غريب – قال الألباني: ضعيف- عن أبي هريرة أن النبي r قال: "إذا أديت زكاة مالك فقد قضيت ما عليك". (2) تملك الدولة وسائل الإنتاج وحرمان الأفراد من تملك ثمرة مواهبهم الإبداعية وإعطائهم عوائد قليلة؛ لقوله تعالى: "أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله" [النساء: 54]. (3) التأميم والتضييق على الملكية الفردية؛ لقوله تعالى: "لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل" [النساء: 29]، وما أخرجه الشيخان من حديث جابر، أن النبي r قال: "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم وأبشاركم عليكم حرام". وأما القول بأن الإسلام يرى بأن الإنسان مستخلف في المال وليس مالكاً له فهذا لا يتعارض مع حقه في التصرف والحيازة؛ لقوله تعالى: "للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن" [النساء: 32]، ولعموم ما أخرجه الشيخان من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، أن النبي r قال: "من قتل دون ماله فهو شهيد"، فهذا دليل على تمام ملكية الإنسان. (4) رسم الدولة لبرنامج الإنتاج حسب ما تراه صالحاً، وليس بحسب قانون العرض والطلب وحرية الإنتاج؛ لقوله تعالى: "إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم" [النساء: 29].

التعقيب والاتجاه المختار: الاشتراكية كما عرفها مجمع اللغة العربية هي: " مذهب سياسي واقتصادي يقوم على سيطرة الدولة على وسائل الإنتاج وعدالة التوزيع والتخطيط الشامل"، وقد ظهر مصطلح "الاشتراكية" في الدول الأوربية والغربية لأول مرة في القرن التاسع عشر الميلادي لمحاربة الأنانية أو الملكية الخاصة في النظام الحر، ثم تطور مقصودها إلى التوزيع الأمثل للثروة، واستقر العمل بها في كثير من الدول الشرقية كالاتحاد السوفيتي (روسيا حالياً) والصين وبعض الدول العربية.

واختلف الفقهاء المعاصرون في شرعية العمل بالنظام الاقتصادي الاشتراكي في البلاد الإسلامية- خاصة بعد توجه بعض الحكومات العربية والإسلامية في أوائل الستينيات من القرن العشرين للأخذ بهذا النظام كمصر وسوريا- ويرجع سبب الخلاف إلى حداثة الفكرة، وغربية نشأتها والاختلاف في كون الاشتراكية مذهباً عملياً لمعالجة خلل الحرية أو أنها عقيدة فكرية تقوم على تعظيم الملكية الجماعية حسب شعار "الدين لله والوطن للجميع"، بالإضافة إلى تخليط الاشتراكية بين مبادىء عادلة كالتعاون والأخوة وبين مبادىء جائرة كالتأميم والحقد على الملكية الخاصة. وقد أجملنا  اختلاف الفقهاء المعاصرين في قضية "تحكيم الاشتراكية نظاماً اقتصادياً في البلاد الإسلامية"، في اتجاهين بين الرفض والقبول، موضحين الأدلة والحجج لكل منهما؛ ليعذر أصحاب أحد الاتجاهين أصحاب الاتجاه الآخر، كما هو الشأن في أخلاقيات الفقهاء، الذين يؤمنون بأن اختيارهم الفقهي صواب في نظرهم ولكنه يحتمل الخطأ، واختيار غيرهم خطأ يحتمل الصواب، كما روي ذلك عن الإمام الشافعي. وحيث إن قضية "الاشتراكية في النظام الاقتصادي" من القضايا الفقهية التي تتأثر سريعا في الاختيار بتقلبات السوق وتغيرات المناخ الاجتماعي والسياسي فلا نعجب أن نرى انتقال كثير من الفقهاء من قبول الاشتراكية في زمن أو مكان معين إلى رفضها في زمن أو مكان آخر، والعكس.

ومن باب المساهمة في إنارة الرأي العام الذي يحتاج إلى استقراء آراء المتخصصين في هذه القضية العامة أرى أن الاشتراكية – وإن مات مجدها في مطلع القرن الحادي والعشرين- إلا أنها تشتمل على بعض المبادئ التي لا يستغنى عنها أي اقتصاد، ولذلك وجدنا الدول الرأسمالية الصرفة تأخذ بمبدأ الدعم –وهو مبدأ اشتراكي ولا ترفضه الشريعة الإسلامية- لحماية الكيانات الرأسمالية الكبرى في الأزمة المالية التي وقعت في سبتمبر 2008م. إلا أن الاشتراكية كنظام متكامل لا يصلح أن يكون طوق النجاة أو أمل الرخاء، فضلاً عن اشتماله لبعض المحاذير الشرعية كالتأميم، والتقييد من الملكية الفردية، وامتلاك الدولة لوسائل الإنتاج وخطته. مما يمكننا القول بأن الاشتراكية في النظام الاقتصادي لا تصلح وحدها في البلاد الإسلامية إلا أن يدخلها التعديل بالضوابط الشرعية التي تحمي الأموال والحريات، كما ترعى الضعفاء وذوي الحاجات.

Islamic Calendar Widgets by Alhabib

Pages