Get Adobe Flash player

27/03/2011 - الجمهورية

البلطجة بين السجن والإعدام

البلطجة لفظ عامي اشتهر في الدلالة علي ذلك العمل التخريبي الذي يستهدف المدنيين الآمنين لترويعهم أو نهبهم أو قتلهم ويعرف هذا العمل في الفقه الإسلامي بقطع الطريق أو الحرابة وقد صدر مؤخرا قرار المجلس العسكري بمعاقبة البلطجي بالسجن المشدد أو الاعدام حسب نوع جريمته وتلقي الناس هذا القرار بالقبول والاستحسان من أجل ضبط الأمن بعد الانفلات الحادث أعقاب ثورة الخامس والعشرين من يناير الماضي وبعد انسحاب جهاز الشرطة من الشارع المصري بسبب أو لغير سبب.

ويري الفقه الإسلامي ان البلطجة أو قطع الطريق أو الحرابة من أسوأ ما يرتكبه الإنسان في حق أخيه حتي جعل الله تعالي عقاب فاعله حدا من حدوده فلم يتركه لاختيار المجتمع ولم يسمح فيه بعفو أو شفاعة بعد ثبوته فقال سبحانه "إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع ايديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا والآخرة عذاب عظيم" المائدة .33

واختلف الفقهاء في هذه العقوبات الأربع المذكورة في الآية الكريمة أهي علي التخيير فيجوز لولي الأمر أن يختار أحدها بحسب ما يراه من المصلحة أم أنها علي التنويع والتدرج بحسب بشاعة الجريمة؟ ثلاثة مذاهب للفقهاء:

1- يري جمهور الفقهاء من الشافعية والحنابلة وإليه ذهب أبويوسف ومحمد ابن الحنفية إلي أن العقوبات الواردة في آية الحرابة جاءت علي سبيل التنويع فحرف "أو" ليس للتخيير وإنما هو لترتيب الأحكام وتوزيعها علي ما يليق بها في الجنايات فالبلطجي أو قاطع الطريق يكون جزاؤه القتل والصلب في حال قيامه بقتل البريء وأخذ ماله والبلطجي أو قاطع الطريق يكون جزاؤه قطع يده اليمني ورجله اليسري في حال قيامه بأخذ مال البريء فإن أخاف الطريق فقط ولم يقتل ولم يأخذ مالا كانت عقوبته النفي في الأرض ويقوم مقامه السجن.

2- وقال أبوحنيفة: ان العقوبات الواردة في آية الحرابة تجمع بين التنويع والتخيير فهي للتنويع ان ارتكب جريمة واحدة مثل الترويع فإن عقوبته الحبس وهو المراد بالنفي فإن قام قاطع الطريق أو البلطجي بأخذ مال الغير بمقدار نصاب السرقة قطعت يده ورجله من خلاف فإن قتل معصوما ولم يأخذ مالا قتل أما ان ارتكب قاطع الطريق أو البلطجي أكثر من جريمة مثل أن يقتل وأن يأخذ المال فولي الأمر مخير في أمور ثلاثة ان شاء قطع يده ورجله من خلاف ثم يقتله وان شاء قتله فقط وان شاء صلبه.

3- ويري الإمام مالك وبعض السلف ان آية الحرابة تدل علي التخيير بين العقوبات الأربع المذكورة حسب ما يراه ولي الأمر من مصلحة في الجملة مع تفصيل في حدود التخيير فالقاتل لابد من قتله إلا لمصلحة أعظم وليس له تخيير في قطعه ولا نفيه وإنما التخيير في قتله أو صلبه وان اخذ المال ولم يقتل لا تخيير في نفيه وإنما التخيير في قتله أو صلبه أو قطعه من خلاف وان اخاف السبيل فولي الأمر مخير بين قتله أو صلبه أو قطعه باعتبار المصلحة وهذا كله في حق الرجال أما المرأة فلا تصلب ولا تنفي وإنما حدها القطع من خلاف أو قتل المجرد وأجاب جمهور الفقهاء علي من قال بأن ولي الأمر مخير في حق قاطع الطريق أو البلطجي باحدي العقوبات الواردة في آية الحرابة بأمرين:

الأمر الأول: ان العقل والنص يوجبان ان يكون الجزاء علي قدر الجناية يزداد بزيادة الجناية وينقص بنقصانها فقال سبحانه "وجزاء سيئة سيئة مثلها" الشوري .40

الأمر الثاني ان التخيير الوارد في الأحكام المختلفة بحرف التخيير إنما يجري علي ظاهره إذا كان سبب الوجوب واحدا كما في كفارة اليمين أما إذا كان السبب مختلفا فإنه يخرج عن ظاهره ويكون الغرض بيان الحكم لكل واحد في نفسه وقطع الطريق متنوع وبين أنواعه تفاوت في الجريمة فقد يكون بأخذ المال فقط وقد يكون بالقتل لا غير وقد يكون بالجمع بين القتل وأخذ المال وقد يكون بالتخويف أو الترويع فحسب فكان سبب العقاب مختلفا فتحمل الآية علي بيان حكم كل نوع بدليل ان الله تعالي بدأ بالأغلظ فالأغلظ والمعهود من القرآن الكريم فيما أريد به التخيير البداءة بالأخف كفارة اليمين وما أريد به الترتيب يبدأ فيه بالأغلظ فالأغلظ مثل كفارة الظهار وكفارة القتل الخطأ.

د/ سعد الدين مسعد هلالي

أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر

Islamic Calendar Widgets by Alhabib

Pages