البيع الإيجاري جاء وليداً للآثار الائتمانية السلبية الناتجة عن ظاهرة بيع التقسيط والمتمثلة في عجز المشتري عن دفع أكثر الأقساط أو بعضها الأخير، حيث تفتق الذهن الاقتصادي عن ابتكار هذا النوع من البيع المختلط بالإيجار لترويج السلع بالتقسيط مع ضمان تحصيل القسط الأخير، ويسمى في لغة المعاملات المعاصرة: "البيع الإيجاري"، كما يسمى: "الإيجار المنتهي بالتمليك"؛ لاشتماله في البداية على صورة عقد الإيجار، وتضمنه في النهاية حقيقة عقد البيع، فهو عقد مستحدث لم يرد له ذكر في تراثنا الفقهي الزاخر. وقد انتشر التعامل بهذا العقد منذ عرفت صيغته سنة 1846م من القانون المدني الفرنسي ثم من القوانين العربية التي أخذت به كمصر وسوريا والعراق. وتصوير هذا العقد كما ورد في تلك القوانين: أن يتفق اثنان على أن يؤجر أحدهما للآخر سلعة من السلع التي تصلح أن تكون محلاً لعقد الإجارة كالأرض أو الدار أو السيارة مدة معينة بقيمة إيجارية معينة تدفع أقساطاً في مواعيد دورية شهرياً أو سنوياً ونحوهما بحيث إذا انتظم المستأجر في تسديد عدد معين من الأقساط –كعشرين أو ثلاثين- فإن ملكية العين المستأجرة تنتقل إليه وتتعلق بذمته باقي الأقساط المحددة في العقد الأول لتكون بمثابة الثمن منجماً. وقد يتم الاتفاق على إبقاء العلاقة الإيجارية بينهما طوال مدة العقد الأول بحيث تتحول العلاقة مع سداد القسط الأخير إلى علاقة ملك يتسلط فيها المستأجر على الشيء المؤجر فيملكه.
والفرق بين البيع الإيجاري وبين البيع بالتقسيط : أن الملكية تنتقل إلى المشتري في بيع التقسيط بمجرد العقد ولا تنتقل إلى المستأجر إلا مع القسط الأخير في مدة الإيجارة أو قبل ذلك بقليل حسب اتفاق المتعاقدين.
والبيع الإيجاري ليس أحسن حالاً من بيع التقسيط فيما يتعلق بمشروعيته فإنه لا يخلص من شوائب النهي الشرعي لتضمنه عقدين في عقد كما قد تخالطه شبهة الربا؛ ومن هنا فقد اختلف الفقهاء المعاصرون في حكمه على اتجاهين.
الاتجاه الأول: يرى عدم مشروعية البيع الإيجاري في الجملة. وإليه ذهب البعض . وحجتهم: من السنة والمعقول.
(1) أما دليل السنة فمنه ما أخرجه أحمد والترمذي وحسنه عن أبي هريرة أن النبي r نهى عن بيعتين في بيعة، وأخرجه أبو داود والحاكم وصححه عن أبي هريرة أن النبي r قال: " من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا"، وأخرج أحمد عن ابن مسعود، أن النبي r "نهى عن صفقتين في صفقة". يقول الكمال بن الهمام: يتوهم من يتكلم في الحديث أن الحديثين بمعنى واحد، وليس كذلك بل حديث "البيعتين" أخص من حديث "الصفقتين"؛ لأن الصفقة تشمل البيع وغيره. والبيع الإيجاري يتضمن عقدين في عقد فيكون ممنوعاً شرعاً.
ويمكن الجواب عن ذلك: بأن المقصود من "النهي عن بيعتين في بيعة" أو "صفقتين في صفقة" هو منع الصفقة التي تكون حيلة للربا أو التي تمنع الرضا مثل أن يقول: بعتك هذه السلعة بمائة إلى سنة على أن أشتريها منك بثمانين حالة. قال ابن القيم: وهذا معنى الحديث الذي لا معنى له غيره. أو مثل أن يقول : بعتك هذه الدار بألف على أن تبيعني دارك بكذا. قال الشافعي: وهذا من معنى الحديث.
(2) وأما دليل المعقول فهو أن عقد البيع إنما يرد على التمليك وعقود التمليك لا تحتمل التعليق أو الإضافة إلى أجل؛ لأن انتقال الأملاك لا يكون إلا مع الرضا والرضا لا يكون إلا مع الجزم والحلول فكان التعليق أو الإضافة لعقد البيع منافياً لمقتضاه وناعتاً له بالغرر والجهالة حيث يتردد العقد بين الوجود وبين العدم.
ويمكن الجواب عن ذلك: بأن الرضا قد يتحقق مع التعليق أو الإضافة، وأما تردد العقد بين الوجود وبين العدم فإنه لا يعد من الغرر؛ لأنه إن وجد التزم الطرفان بأحكام العقد وإن لم يوجد لم يلحق بأحدهما أدنى ضرر ، ولذلك قال ابن تيمية: "وذكرنا عن أحمد نفسه جواز تعليق البيع بشرط ولم أجد عنه ولا عن قدماء أصحابه نصاً بخلاف ذلك بل ذكر من ذكر من المتأخرين أن هذا لا يجوز".
الاتجاه الثاني: يرى مشروعية البيع الإيجاري في الجملة. وإليه ذهب أكثر الفقهاء المشاركين في أعمال الندوة الفقهية الأولى لبيت التمويل الكويتي، وهو ما انتهى إليه قرار مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي في دورته الثانية عشرة 1421هـ 2000م. وحجتهم: من الكتاب والسنة والمعقول.
(1) أما دليل الكتاب فمنه عموم قوله تعالى : " أوفوا بالعقود" [ المائدة: 1] ، وعموم قوله تعالى : " وأوفوا بالعهد" [الإسراء: 34].
(2) وأما دليل السنة فمنه عموم قوله r : " المسلمون عند شروطهم" [البخاري عن أبي مسعود الأنصاري]، وأخرجه الدارقطني عن عائشة بلفظ : " المسلمون عند شروطهم ما وافق الحق".
(3) وأما دليل المعقول فهو أن البيع الإيجاري من العقود الحديثة التي لم يرد بشأنها فكان الأصل مشروعيته، كما أن البيع الإيجاري يجمع عقدين منفصلين يستقل كل منهما عن الآخر من حيث الزمان، وهذا لا حرج فيه لأن الممنوع هو الجمع بين عقدين مختلفين على عين واحدة في زمن واحد. أما البيع الإيجاري فإنه يدور حول أربعة تكييفات فقهية محتملة شرعاً، وهي أنه بيع معلق على شرط تمام مدة الإجارة، وصورته أن يقول البائع للمشتري : أبيعك السيارة بألف بشرط أن تستأجرها عشرة أشهر تبدأ من شهر المحرم مثلاً كل شهر بألف أجره. أو أنه إجارة مشروطة بالوعد بالبيع، وصورتها أن يقول المؤجر للمستأجر: إن استأجرت السيارة عشرين شهراً كل شهر بألف فإني أعدك ببيعها لك بألف فقط فور انتهاء مدة الإجارة. أو أنه إجارة مشروطة بهبة العين المؤجرة، وصورتها أن يقول المؤجر للمستأجر: إن استأجرت السيارة عشرين شهراً كل شهر بألفين فلك عهد أن أهبها لك فور انتهاء مدة الإجارة. أو أنه جعالة محلها عقد الإجارة ، وصورتها أن يقول صاحب الدار: من استأجر داري سنة بكذا جعلتها له ملكاً على وجه الجائزة.
والمختار عندي: هو ما ذهب إليه الأكثرون من القول بمشروعية البيع الإيجاري أو الإيجار المنتهي بالتمليك في الجملة؛ لقوة أدلتهم، ولأنه الذي يتفق مع مقاصد الشريعة من اليسر ورفع الحرج، وصدق الله حيث يقول : " وما جعل عليكم في الدين من حرج" [الحج:87].










