اختلفت الاتجاهات المادية المعاصرة في تأمين كبار السن لقضاء ما تبقى لهم من عمر، فبينما يرى البعض التنكر لهم ويدعو إلى التخلص منهم لتأمين ثروات المجتمع من كثرة احتياجاتهم، فيشجعهم على الانتحار فيما أطلقوا عليه: " الحق في إنهاء الحياة" أو ينادي بإراحتهم بالموت بيد الطبيب عند إصابتهم بالأمراض الميؤوس من علاجها بعد استئذان ذويهم فيما أطلقوا عليه: " القتل الرحيم" ، نجد بعضاً آخر يعترف بحق كبار السن في الحياة وينادي بتأمينهم بما لا يعطل الشباب أو يجور على حقهم في الخدمات الصحية والنفسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية. فكبار السن يجب أن يكونوا في درجة ثانية بعد أخذ الشباب حظهم من ذلك، ويفضّل إيداع كبار السن دور رعاية خاصة لينتفع الشباب بأوقاتهم دون معوقات ، ويتم الصرف على دور المسنين من التبرعات والهبات أو من مدخرات كبار السن.
وفي الشريعة الإسلامية نجد تأمين كبار السن بما يحفظ عليهم كرامتهم، ولا يجعلهم من الطبقة الثانية في المجتمع بل يرفعهم إلى درجة المحظوظين . ويأخذ تأمين كبار السن في الشريعة الإسلامية ثلاث درجات مركبة بعضها فوق بعض لتوثيق هذا التأمين، كما يلي:
الدرجة الأولى : التأمين بالاستغناء الذاتي، والمقصود به أن يستعد الإنسان من شبابه لمرحلة الشيخوخة فيدخر لها، ويستمر في العمل إلى آخر لحظة من حياته حتى يتكسب وينفق على نفسه، مع مراعاة ضرورة اختيار العمل المناسب لظروف شيخوخته، فقد أخرج البخاري عن علي أن النبي r قال : " اعملوا فكل ميسر لما خلق له" ، وأخرج البزار برجال ثقات عن أنس ، أن النبي r قال : " إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها" ، وعن غنيم بن قيس قال : كنا نتواعظ في أول الإسلام: اعمل في فراغك لشغلك، وفي شبابك لهرمك، وفي صحتك لمرضك، وفي دنياك لآخرتك، وفي حياتك لموتك.
الدرجة الثانية: التأمين بالاستغناء الأسري أو العائلي، والمقصود به أن تتحمل الأسرة أو العائلة الرعاية والإنفاق على الآباء والأقارب؛ لقوله تعالى : " وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله" [الأنفال : 75] ، وأخرج الترمذي وصححه عن عائشة أن النبي r قال : " إن أطيب ما أكلتم من كسبكم وإن أولادكم من كسبكم " . ولا يجوز إيداع كبار السن دور رعاية إلا عند انعدام الأسرة أوعجزها عن رعايتهم.
الدرجة الثالثة: التأمين بالاستغناء بقيم المجتمع ونبله، والمقصود به أن يبادر الأغنياء ويتسابق القادرون على خدمة كبار السن ورعايتهم بالشكل اللائق الذي يحفظ كرامتهم ، باعتبارهم من الفئة الأولى بالرعاية ، وأن ذلك من أفضل القرب والطاعات لله سبحانه، بل هو السبيل لتحصيل البركة والفوز ورفع البلاء ، فقد أخرج ابن حبان والترمذي بسند صحيح عن أبي الدرداء، أن النبي r قال :" ابغوا إلى ضعفائكم فإنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم " ، وأخرج أبو داود بإسناد حسن عن أبي موسى الأشعري، أن النبي r قال : " إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه، وإكرام ذي السلطان المقسط".









