Get Adobe Flash player

التأمين على الحياة فرع متولد عن التأمين التجاري، فبعد ظهور التأمين التجاري لأول مرة كعقد منظم في القرن الرابع عشر الميلادي من خلال عقد النقل البحري للبضائع تطور الأمر للبحث عن التأمين على حياة البحارة وقائدهم الذي يسمى الربان أو القبطان للسفن التجارية، وقد عثر على بوليصة تأمين على حياة أحد القباطنة الإنجليز ترجع إلى عام 1583م، ثم استقل التأمين على الحياة عن التأمين التجاري في أوربا إلا أنه قوبل من الكنيسة بالهجوم والرفض لمكان الرهان والمقامرة فيه حتى أصدر لويس الرابع عشر (الذي احتفظ بعرش فرنسا 72 عاما وكان مولده 1638م وكانت وفاته 1715م) أمراً بحظر التأمين على الحياة ؛ لكونه عملاً غير أخلاقي مما أدى إلى ظهور النظام التونتيني الذي يقوم على فكرة التعاون بين مجموعة من المساهمين باشتراكات سنوية يتم استثمارها لصالحهم أو لصالح أحيائهم وورثة من مات منهم. ثم عاد نظام التأمين على الحياة مرة أخرى وانتشر في كل أنحاء أوربا منذ القرن الثامن عشر وأنشئت من أجله شركات تأمين خاصة في فرنسا سنة 1787م وفي هولندا سنة 1807م وفي ألمانيا سنة 1829م وفي سويسرا سنة 1841م، ثم عمت شركات التأمين على الحياة أرجاء المعمورة.

وقد تطور عقد التأمين على الحياة وتعددت صوره وأشكاله فكان منه (1) التأمين لحال الوفاة وهو الذي يوجب على شركة التأمين أن تدفع مبلغاً معيناً من المال للمستفيد الذي حدده المؤمن على حياته عند تحرير وثيقة التأمين، ويكون دفع هذا المبلغ عند وفاة المستأمن (طالب التأمين) مطلقاً (ويسمى التأمين العمري) ، أو عند وفاته خلال مدة معينة فإذا طال عمره عن هذه المدة فلا يستحق المستفيد مبلغ التأمين ولا يسترد المستأمن ما دفع من أقساط ( ويسمى التأمين المؤقت) ، أو عند وفاته قبل المستفيد فإذا مات المستفيد قبل المستأمن فلا يستحق ورثته شيئاً ولا يسترد المستأمن أقساطه (ويسمى تأمين البقيا، أي بقاء المستفيد). فهذه ثلاث صور للتأمين لحال الوفاة، وفي جميعها يلتزم المستأمن بدفع أقساط معينة لشركة التأمين ما دام هو أو المستفيد حياً.

(2) التأمين لحال الحياة، أي بقاء المستأمن (طالب التأمين) على قيد الحياة. وهذا النوع من التأمين يوجب على شركة التأمين أن تدفع مبلغاً معيناً للمستأمن في وقت معين في المستقبل إذا بقي على قيد الحياة عند حلول هذا الأجل مقابل قسط أو أقساط يدفعها ، فإذا مات المستأمن قبل هذا الأجل لم يستحق شيئاً ولا ورثته. وقد تفرع عن هذا النوع من التأمين والذي قبله المتعلق بحال الوفاة ما يسمى بالتأمين الجماعي أو التأمين على الموظفين ويكون من رئيس المؤسسة كميزة لجذب العمال ، وهم لا يستحقون مبلغ التأمين إلا عند وقوع الحادث المؤمن منه ما داموا في وظائفهم في تلك المؤسسة.

(3) التأمين المختلط، وهو الذي يجمع مزايا التأمين لحال الحياة والتأمين لحال الوفاة، فتلتزم شركة التأمين بدفع مبلغ معين أو راتب معين إلى المستفيد الذي عينه طالب التأمين إذا مات هذا الأخير خلال مدة معينة، فإن بقي حياً بعد تلك المدة استحق مبلغ التأمين المتفق عليه.

(4) التأمين على ما دون الحياة، وهو متنوع فمنه التأمين من الإصابات والأمراض والأضرار والمسؤولية (أي مسؤولية المستأمن بالتعدي أو الخطأ الذي يوجب التعويض للغير، وهو المسمى بتأمين الديون). وفي هذا النوع تلتزم شركات التأمين بتعويض المستأمن أو المستفيد بحسب الغرض المؤمن عليه مقابل أقساط يدفعها المستأمن في حياته.

ويحقق نظام التأمين على الحياة هدفين. الهدف الأول: يرجع إلى جهة المستأمن (طالب التأمين)، حيث يحقق التأمين له المال الذي يرغبه  في سن العجز والشيخوخة، أو يرغب في تركة لورثته أو ذويه بعد موته من باب الوفاء والإيثار. الهدف الثاني: يرجع إلى جهة المؤمن (شركة التأمين) ، حيث تهدف تلك الشركات إلى تحقيق الأرباح لرؤوس أموالهم التي قدموها  في هذا النشاط، وتتمثل أرباحهم في الفرق ما بين أقساط المستأمنين ومبالغ التأمين المستحقة لهم، وقد تمكنت شركات التأمين من تقدير تلك الأرباح في المستقبل مع تطور علم الإحصاء البياني.

وقد اختلف الفقهاء المعاصرون في الحكم الشرعي لعقد التأمين على الحياة لأسباب من أهمها: حداثة هذا العقد، وتردد مفهومه بين التعاون والمعاوضة، واعتماده على المقامرة والغرر، وما يترتب عليه من غبن أو ضرر بأحد طرفيه، فضلاً عن معنى الربا فيه. ويمكن إجمال أقوال الفقهاء المعاصرين في حكم التأمين على الحياة في الاتجاهات الثلاثة الآتية:

الاتجاه الأول: يرى مشروعية عقد التأمين على الحياة، وهو اتجاه البعض منهم الشيخ عبد الوهاب خلاف والدكتور علي الخفيف، والدكتور مصطفى أحمد الزرقا، وحجتهم: من وجوه أهمها ما يلي: (1) أن عقد التأمين على الحياة من العقود المستحدثة ، فكان الأصل فيه هو المشروعية؛ لعدم وجود نص شرعي ينهي عنه مع الأمر بالوفاء بالعقود في عموم قوله تعالى : " أوفوا بالعقود" [المائدة: 1]. وعموم ما أخرجه البخاري تعليقاً، أن النبي r قال: " المسلمون عند شروطهم"، وعند البيهقي والدار قطني مرفوعاً من حديث عوف المزني، بزيادة :" إلا شرطاً أحل حراماًَ أو حرم حلالاً". ولأن الأصل في الأشياء النافعة الإباحة ؛ لعموم قوله تعالى : " هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً" [البقرة: 29]. (2) أن عقد التأمين على الحياة يقوم على فضائل خلقية تقتضي التسامح عما فيه من غرر وجهالة أو غبن ، ومن أهم فضائل عقد التأمين على الحياة التعاون وإيثار الغير وكفالة الأمان والاستعداد لحوائج المستقبل. وكل هذه الفضائل محمودة شرعاً في عموم قوله تعالى:" وتعاونوا على البر والتقوى" [المائدة: 2]، وقوله تعالى :
" والذين تبوؤا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون" [الحشر: 9]، وأخرج البغدادي عن غنيم بن قيس، قال: " كنا نتواعظ في أول الإسلام: ابن آدم اعمل في فراغك لشغلك، وفي شبابك لهرمك، وفي صحتك لمرضك، وفي دنياك لآخرتك، وفي حياتك لموتك". (3) أن عقد التأمين على الحياة يجري على قياس عقود المعاوضات الرضائية في بيع السلع والخدمات، فما يقدمه طالب التأمين من أقساط في حكم الثمن للأمان الذي يحصل عليه مع مبلغ التأمين المقرر، وبذلك لا يكون النقد في مقابل النقد وإنما في مقابل الأمان والنقد، فاختلف الجنسان وصارت الصفقة تخريجاً على المسألة المشهورة باسم: " مد عجوة"، وصورتها: أن يبيع مد عجوة ودرهم بمد عجوة ودرهم أو بمدين أو بدرهمين. وقد أجازها الحنفية ورواية عند الحنابلة؛ لخروجها عن صورة الربا. ويكون التزام شركات التأمين بدفع مبلغ التأمين من باب لزوم ما يلزم في هذا العقد الرضائي.

الاتجاه الثاني: يرى عدم مشروعية التأمين على الحياة ، وهو قول الأكثرين منهم الشيخ محمد بخيت المطيعي والشيخ عبد الرحمن تاج والشيخ محمد أبو زهرة ، وقضت به محكمة مصر الشرعية في الدعوى رقم 24 لسنة 1906م، وأخذ به مجمع البحوث الإسلامية وشتى المجامع الفقهية . وحجتهم: من وجوه أهمها ما يلي: (1) أن عقد التأمين على الحياة من المستحدثات غير المعروفة في المعاملات الشرعية المستقرة، وهو عقد دخيل مستورد من الغرب فكان محظوراً؛ لعموم ما أخرجه الشيخان من حديث عائشة، أن النبي r قال :" من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد"، وما أخرجه الشيخان من حديث عائشة في قصة بريرة، وفيه أن النبي r قال: " ما بال أناس يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله من اشترط شرطاً ليس في كتاب الله فهو باطل وإن اشترط مائة شرط شرط الله أحق وأوثق". (2) أن عقد التأمين على الحياة يؤدي إلى التزام ما لا يلزم مما يضر بأحد طرفي العقد وهو المؤمن له، لأن المؤمن (شركة التأمين) تلتزم بتعويض المؤمن له (طالب التأمين) أو المستفيد في أجل معين أو إذا مات طالب التأمين، ولزوم ما لا يلزم مردود؛ لأن الشرع لا يلزم غير المتسبب بالتعويض فكان للمؤمن (شركة التأمين) أن يتخلص من التزامه بقوة الشرع لعدم وجود سبب شرعي للضمان، وهذا يؤدي إلى الإضرار بالمؤمن له الذي دفع أقساط التأمين. (3) أن عقد التأمين على الحياة يشتمل على معنى الربا المحرم؛ لأن المستأمن (طالب التأمين) يدفع أقساطاً ليتحصل هو أو المستفيد على مبلغ من المال، فيكون من باب بيع النقد بالنقد نسيئة. وعلى التسليم بأن المستأمن (طالب التعويض) يحصل على مبلغ التأمين كما يحصل على الأمان فذلك لا يجعل العقد من مسألة " مد عجوة" لأن الأمان ليس سلعة ولا ثمناً، وعلى التسليم فإن جمهور الفقهاء لم يجيزوا تلك المسألة لكونها حيلة على الربا، ولما رواه أبو داود عن فضالة بن عبيد قال : أتي النبي r بقلادة فيها خرز وذهب ابتاعها من رجل بتسعة دنانير أو سبعة، فقال له النبي r : " لا حتى تميز ما بينهما" قال : فرده. وفي لفظ مسلم أن النبي r أمر بالذهب الذي في القلادة فنزع وحده ثم قال لهم : " الذهب بالذهب وزناً بوزن". (4) أن عقد التأمين على الحياة يهدف إلى تربح شركات التأمين ويمكَّنها من أكل المال بالباطل، حيث تستحل الفائض من أقساط التأمين بعد دفع التعويضات اللازمة. كما أن كثيراً من صور التأمين على الحياة تؤدي إلى ضياع أموال المستأمنين وغبنهم والإضرار بهم كالتأمين المؤقت الذي تدفع الشركة فيه مبلغ التأمين للمستأمن إذا مات في تاريخ معين فإن بقي بعد هذا التاريخ لم يستحق شيئاً وتستحل الشركة أقساطه لنفسها، وكذلك التأمين لحال الحياة الذي تدفع الشركة فيه مبلغ التأمين للمستأمن إذا عاش إلى تاريخ معين فإن مات قبله لم يستحق ورثته شيئاً وتستحل الشركة أقساطه لنفسها، وكل هذا من أكل أموال الناس بالباطل الذي نهى الله تعالى عنه في قوله تعالى : " لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم" [النساء: 29]. (5) أن عقد التأمين على الحياة يقوم على المقامرة والضرر؛ لأن العوض فيه مرهون بالأجل والقضاء الذي لا يعلمه إلا الله كما قال تعالى : " وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت" [لقمان: 34]، وجاء النهي عن المقامرة والضرر في نصوص كثيرة منها قوله تعالى : " إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون" [المائدة: 90]، وما أخرجه مسلم من حديث ابن عمر أن النبي r نهى عن بيع الغرر. والمستأمن في هذا العقد لا يعلم كم قسطاً يدفعه، وشركة التأمين لا تعلم الغيب حتى تدري ما عليها من التزامات مالية قبل المستأمنين. (6) أن عقد التأمين على الحياة يؤدي في أكثر صوره إلى مخالفة أنصبة الميراث الشرعية؛ لأن مبالغ التأمين تسلم بعد وفاة المستأمن إلى أحد المستفيدين كالزوجة أو أحد الأبناء مما يحرم باقي الورثة من مال المورث.

الاتجاه الثالث: يرى التفصيل في حكم التأمين على الحياة بحسب نوع المستفيد ، فإن كان المستفيد هو المؤمن له في حياته كان مشروعاً وإن كان المستفيد شخصاً أو أشخاصا آخرين لم يجز، وهو اتجاه البعض منهم الدكتور محمد فرج السنهوري. وحجتهم: أن عقد التأمين على الحياة من عقود المعاوضات التي يقتصر آثارها على المعاوضين فيها، فلو كان المستفيد من عقد التأمين على الحياة طرفاً أجنبياً عن العقد - ولو كان وارثاً لأحد المتعاقدين- لم يكن داخلاً في الالتزام فكان باطلاً، بخلاف ما لو كان المستفيد هو المستأمن (طالب التأمين) فإنه طرف أصيل في العقد له أن يطالب بالتزاماته.

الاتجاه المختار عندي: أن عقد التأمين على الحياة يقوم على فكرة نبيلة وهي التعاون والتكافل، ولكن الممارسة العملية له تؤكد أنه عقد يخدم شركات التأمين التي تستحل لنفسها أكل أموال المستأمنين – المدفوعة على شكل أقساط- بحيلة أو أخرى ، فحرمان المستأمن من تسلم مبلغ التأمين إذا عاش في صورة التأمين لحال الوفاة إلى أجل، وكذلك حرمانه من تسلم مبلغ التأمين إذا لم يمت في أجل التأمين لحال الحياة، وغير ذلك من صور تهدف إلى الاستيلاء على أقساط التأمين بالباطل تجعله عقداُ منكراً. هذا فضلاً عما يلابس هذا العقد من غرر وضرر وجهالة دون أن يكون هناك مقصد شرعي أسمى يكون مرخصاً للعفو عن هذا الغرر إلا في صورة التأمين العمري لحال الوفاة. لذلك فإن ما ذهب إليه الجمهور أصحاب الاتجاه الثاني القائلون بتحريم التأمين على الحياة هو الأولى بالاختيار في الجملة، ويجب التنويه إلى ضرورة إنشاء هيئات خيرية لتحقيق المقصد النبيل من عقد التأمين على الحياة دون تمكين المقامرين من التربح على حساب الضعفاء والخائفين من المستقبل، ولهؤلاء الضعفاء الخائفين إلى حين إنشاء تلك الهيئات الخيرية الحق في التأمين العمري لحال الوفاة، لدخول تلك الصورة في عموم التعاون والتكافل، وصدق الله حيث يقول : " وتعاونوا على البر والتقوى" [المائدة: 2].

Islamic Calendar Widgets by Alhabib

Pages