حصص التأسيس من الأوراق المالية التي نشأ التعامل بها بعد ظهور الشركات المساهمة عقيب الثورة الصناعية في منتصف القرن التاسع عشر الميلادي، وهي عبارة عن صكوك تمنحها إدارة الشركة لبعض الأفراد مكافأة لهم عن خدمات قدموها للشركة عند التأسيس، ولذلك سميت بحصص التأسيس.
وأما حصص الأرباح فهي صكوك تمنحها إدارة الشركة لبعض الأفراد مكافأة لهم عن خدمات قدموها للشركة بعد التأسيس وأثناء مزاولتها للنشاط ، ولذلك سميت بحصص الأرباح.
وتعد حصص التأسيس والأرباح إحدى الأوراق المالية كالسندات والأسهم. وسميت بالأوراق المالية؛ لأن مقصودها الأعظم هو رأس المال وربحه وليس مجرد التداول بين الناس في معاملاتهم ، ولذلك فإن قيمتها السوقية تزيد وتنقص ، وفي تسميتها بالأوراق المالية تمييز لها عن الأوراق التجارية كالشيك والكمبيالة والسند الإذني التي لا تزيد قيمتها، ويكون اقتناؤها من أجل التداول كالنقود، وأغلب ما يكون هذا التداول في محيط التجارة ، ولذلك سميت بالأوراق التجارية.
وحصص التأسيس أو الأرباح – بصفتها من الأوراق المالية- تعطي أصحابها حقوقاً في أرباح الشركة تقدرها الإدارة ولا تمثل هذه الحصص شيئاً في رأس المال؛ لأن أصحابها لم يدفعوا شيئاً للشركة بخلاف أصحاب الأسهم والسندات. وليس لأصحاب هذه الحصص التأسيسية والربحية حق في التدخل بأي وجه في إدارة الشركة، ويقتصر حقهم على شرف امتلاك صكوك ربحية، وهي صكوك اسمية عند نشأتها لمدة سنتين من تأسيس الشركة ثم تصبح قابلة للتداول بالطرق التجارية.
ولا خلاف بين الفقهاء المعاصرين على مشروعية تلك الصكوك في حكم الأصل باعتبارها هبة أو تبرعاً؛ لأن الهبة بالمجهول جائزة- كما هو مذهب الإمام مالك- قياساً على النذر والوصية؛ لكونها فضلاً وقد قال تعالى: " ما على المحسنين من سبيل" [التوبة: 91]، وإن كان جمهور الفقهاء يرى عدم جواز الهبة بالمجهول؛ لأنها تمليك فتأخذ حكم البيع، وبيع المجهول لا يجوز بالإجماع للغرر والجهالة فكذلك الهبة في نظرهم. والمختار هو ما ذهب إليه المالكية القائلون بجواز الهبة بالمجهول؛ لأنها فضل بخلاف البيع فلا يجوز قياسها عليه. ويستثنى من عموم القول بمشروعية الهبة بحصص التأسيس والأرباح ما لو كان هناك محظور شرعا، كما لو كانت تلك الصكوك على سبيل الرشوة. ويثور التساؤل بين الفقهاء في حكم التعامل في هذه الصكوك بيعاً وشراء بعد مدة الحظر بسبب أن ما تمنحه هذه الصكوك من أرباح غير معروف إلا بعد تعيينه من قبل الإدارة وقد لا تتحقق أرباح، ومن هنا فقد اختلف الفقهاء في حكم بيع تلك الصكوك على اتجاهين:
الاتجاه الأول: يرى تحريم التعامل في صكوك حصص التأسيس والأرباح بيعاً وشراءً قبل قبض المبلغ المخصص لها من الربح. وهو اتجاه الأكثرين. وحجتهم: أن صاحب الصك في حصص التأسيس والأرباح لا يملك شيئاً إلا بالقبض والقبض يكون بعد تحقق الأرباح حقيقة وقيام جهة الإدارة بمنحه، وأما الصك في يده فهو في حكم الوعد بهبة جزء من الربح لم يتحقق بعد فكان بيعه بيعاً لما لا يملكه ، وقد أخرج الترمذي وحسنه من حديث حكيم بن حزام أن النبي r قال له : " لا تبع ما ليس عندك ". كما أن بيع هذه الصكوك قبل قبض حصتها من الربح يكون بيعاً للمجهول، وهو باطل بالإجماع؛ لما أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة أن النبي r " نهى عن بيع الحصاة، وعن بيع الغرر"، والمقصود ببيع الحصاة هو البيع القائم على جهالة كما لو قال البائع للمشتري: ارم بهذه الحصاة فعلى أي ثوب وقعت فهو لك بدرهم، أو يقول بائع الأرض: ارم بهذه الحصاة ولك من الأرض بقدر ما انتهت إليه الحصاة، أو نحو ذلك من المجاهيل. والمقصود بالغرر الخداع الذي يعدم الرضا ويجعل أخذ المال به من أكله بالباطل، ولا شك أن بيع صكوك حصص التأسيس والأرباح قبل قبض الريع يكون من الغرر والجهالة؛ إذ قد تمتنع الشركة عن إنفاذ هبتها لصاحب تلك الصكوك.
الاتجاه الثاني: يرى مشروعية التعامل في صكوك حصص التأسيس والأرباح بيعاً وشراءً قبل قبض المخصص لها من الربح ولكن بعد ثبوته ولكن بعد ثبوته، وهو اتجاه بعض أهل الفقه. وحجتهم: أن صاحب حصص التأسيس أو الأرباح يملك صكاً مالياً معلقاً على وجود الربح، فإذا تحقق الربح فقد تحقق الملك؛ لأن هذه الصكوك ملزمة للشركة المصدرة لها، فكان حكمها حكم الأسهم، خاصة وأن المالكية يرون وجوب الوفاء بالوعد استقراراً للأوضاع وعملاً بعموم قوله تعالى :" وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولاً" [الإسراء: 34].
والمختار عندي: هو ما ذهب إليه القائلون بمشروعية التعامل في صكوك التأسيس والأرباح بيعاً وشراءً بعد ثبوت الربح وتقديره لما جرى عليه العرف التجاري من احترام الشركة لصكوكها والتزامها بالوفاء لما تصدره، وعملاً بمقاصد الشريعة من اليسر ورفع الحرج كما قال تعالى : " وما جعل عليكم في الدين من حرج" [الحج: 78].










