المقصود بالتطبيع الإسلامي الإسرائيلي: اعتراف الدول الإسلامية بإسرائيل كدولة مستقلة ذات سيادة، وأن لها شرعية البقاء وحق التعامل مع حكومتها وشعبها في شتى المجالات، كسائر الدول المسالمة والصديقة. وقد بدأ الحديث عن التطبيع مع إسرائيل – لأول مرة- بعد معاهدات السلام بين الدول العربية المجاورة لإسرائيل وحكومتها، وكانت أولى تلك المعاهدات "كامب ديفيد" سنة 1979م بين مصر وإسرائيل، والثانية " أوسلو" سنة 1993م بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل، والثالثة "وادي عربة" سنة 1994م بين الأردن وإسرائيل. وقد اختلف الفقهاء المعاصرون في التوصيف الشرعي لهذا التطبيع، كما اختلفت الحكومات والشعوب الإسلامية في العمل به على ثلاثة اتجاهات. أولها وأظهرها: يرى المنع مطلقاً. الثاني: يرى الجواز مطلقاً. والثالث: يرى التفصيل باختلاف جهة التطبيع، فإن كان من الحكومات جاز، وإن كان من الشعوب فلا يجوز. وقيل : إن كان التطبيع من دول الجوار التي أبرمت معاهدة سلام فيجوز، وإن كان من غيرها فلا يجوز. ويرجع سبب الخلاف إلى عدة أسباب، من أهمها: (1) تعارض الأمر بطاعة أولي الأمر بشأن التطبيع مع النهي عن الطاعة عند معصية الله. فمن رجح الطاعة قبل التطبيع، ومن رجح المعصية في التطبيع منعه. ومن جمع بين الأمرين قبل التطبيع في أحوال دون أحوال. (2) تعارض الأمر الواقع للكيان الصهيوني مع الأمر الأمثل لفريضة الجهاد. فمن رجح العمل بالواقع قبل التطبيع، ومن رجح العمل بالجهاد منع التطبيع. ومن جمع بين الأمرين قال بالتفصيل. (3) تعارض حق دول الجوار المحاربة للكيان الصهيوني مع حق سائر الدول الإسلامية الداعمة لها. فمن رجح حق الدول المحاربة في قرار التطبيع قبله، ومن رجح حق الدول الإسلامية الداعمة لدول الجوار المحاربة منع أن يكون التطبيع منها دون سائر الداعمين. ومن جمع بين الأمرين قال بالتفصيل. (4) تعارض المصالح والمفاسد في التطبيع. فمن رجح مصالح التطبيع على مفاسده قال به، ومن رجح مفاسده على مصالحه منعه. ومن جمع بين الأمرين قال بالتفصيل. (5) اختلاف الفقهاء في شروط صحة الهدنة مع الأعداء المحاربين، فمن رأى موافقة معاهدة السلام مع إسرائيل لشروط الهدنة الشرعية قال بالتطبيع، ومن رأى مخالفتها قال ببطلان التطبيع، ومن رأى موافقة بعض الشروط دون بعض قال بالتفصيل.
والحقيقة إن قضية "التطبيع الإسلامي الإسرائيلي تبعًا لمعاهدات السلام مع دول الجوار" من أشكل القضايا الفقهية العامة التي تواجه الفقهاء المعاصرين. وحيث إن الفقه يسعى إلى بيان سعة الشريعة الإسلامية في تعديد الاختيارات للمكلفين عن طريق فحص الأدلة وتحقيقها واستنباط الأوجه المختلفة التي تحتملها تلك الأدلة، مع بيان درجة تعلقها بها قوة وضعفًا من وجهة نظر الفقيه المختص، ثم ترك الناس وما يختارون عملاً بما أخرجه الإمام أحمد عن وابصة بن معبد، أنه سأل النبي r عن البر والإثم، فقال r: "استفت قلبك البر ما اطمأنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب. والإثم ما حاك في القلب وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك". وأخرج الإمام أحمد بإسناد جيد عن أبي ثعلبة الخشني، أنه سأل النبي r عما يحل له وعما يحرم عليه؟ فقال r: "البر ما سكنت إليه النفس واطمأن إليه القلب. والإثم ما لم تسكن إليه النفس ولم يطمئن إليه القلب، وإن أفتاك المفتون".
وعلى هذا نقول: إن الفقيه المختص لا يستنبط من الأدلة الرأي الصائب في نظره، وإنما يستنبط من الأدلة الأوجه المحتملة الصواب، ولو من وجه ضعيف بحسب غلبة ظنه، ثم في مرحلة تالية يختار من بين تلك الأوجه وجهًا يعتقد رجاحته على سائر الأوجه، ويكون هذا الاختيار التزامًا منه لنفسه دون سائر الخلق؛ إذ الفتوى ليست حكمًا قضائيًا، وإنما هي رؤية شرعية استرشادية. أما عامة الناس –غير الفقهاء- فليسوا مكلفين بالنظر في الأدلة لفنيتها، وإنما يكفيهم النظر في اختيارات الفقهاء، والانتقاء منها بحسب ما أعطاهم الله من حسن الظن في الفقيه الذي يقلدونه، أو من المصلحة التي قد تظهر لهم، أو من كثرة أصحاب الوجه الذي يتبعونه؛ لعموم قوله تعالى: "لا يكلف الله نفساً إلا وسعها" [البقرة:286]، وقوله تعالى: "وما جعل عليكم في الدين من حرج"
[الحج :78].
وحيث إن قضية "التطبيع" من القضايا العامة التي يحتاج فيها أولو الأمر وذووا الشأن استقراء آراء الفقهاء المعاصرين فإنني أرى وجوب التضييق في تفسير "التطبيع" قدر المستطاع عملاً بالقاعدة الفقهية "الضرورة تقدر بقدرها"، وهو ما عليه بعض أصحاب الاتجاه الثالث سالف الذكر؛ جمعًا بين أدلة المانعين للتطبيع والمجيزين له؛ إذ لا ينكر أحد العواقب الوخيمة للتطبيع الإسلامي الإسرائيلي في شتى الأصعدة، والذي يحتاج إلى دراسات متخصصة على جميع المستويات وفي كل المجالات خلال حقبة زمنية طويلة، كما لا ينكر أحد فضل معاهدات السلام التي أعادت أرض مصر المغتصبة سنة 1967م وبعض حقوق الفلسطينيين وإن كانت قليلة. وعلى ضوء تلك الرؤية أقول فيما أراه مناسبًا للفترة الزمنية الحالية والمستقبل المنظور: أ- إن الحكومات المرتبطة بمعاهدات السلام عليها المساومة بدرجات التطبيع على قدر درجات المكاسب للحقوق المغتصبة حتى استرداد القدس الشريف. ب- أما الأفراد ومؤسسات المجتمع المدني من النقابات والجمعيات والمؤسسات الأهلية الأخرى كالصحافة الحرة ودور النشر والأندية الرياضية وغيرها فلا يجوز لهم ممارسة التطبيع اختيارًا كالزواج أو التجارة أو المشاركات بكل صورها؛ حفاظًا على هوية الأمة، وحماية لها من تسلل الانحرافات الأخلاقية، وأخذًاً بحيلة الضعفاء في مقاومة المغتصبين، وعملاً بالقاعدة الفقهية المعاصرة "للحكومات ضروراتها وللشعوب اختياراتها". وأخرج مسلم عن أبي سعيد الخدري أن النبي r قال: "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان".









