كان الناس يتعاملون بوسائل الاتصال الصوتي الطبيعي عن طريق المواجهة والمشافهة، ويعدون المكان والزمان الذي يبرم فيه العقد مجلساً للتعاقد. ولم يجد الفقهاء السابقون غرائب ولا عجائب في دراسة أحكام هذا المجلس الذي يتصل فيه الزمان والمكان من قريب، فالمجلس – بكسر اللام- مصدر ميمي وهو أيضاً اسم للزمان واسم للمكان، أي زمان ومكان إبرام العقد. ومن أهم أحكام مجلس التعاقد ما ذهب إليه جمهور الفقهاء [الشافعية والحنابلة والظاهرية وأكثر أهل السلف] من القول بخيار المجلس في العقود المالية، بمعنى إثبات الحق لكل متعاقد فيها أن يمضي العقد أو يرده خلال مجلس التعاقد إلى التفرق أو التخاير من باب إعطاء المتعاقدين فرصة أخيرة للتفكير والروية في إبرام العقد من عدمه تقليلاً للندم، واستدلوا على ذلك بما أخرجه الشيخان من حديث حكيم بن حزام وحديث ابن عمر، أن النبي r قال : " البيعان بالخيار حتى يتفرقا أو يقول أحدهما للآخر اختر، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما". وذهب فقهاء الحنفية والمالكية وهو ما روي عن سفيان الثوري والليث بن سعد وبعض السلف إلى القول بعدم مشروعية خيار المجلس؛ لأن العقد صار مستحقاً للوفاء باكتمال أركانه التي تعود إلى اتصال الإيجاب بالقبول ، واستدلوا على ذلك بعموم قوله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود" [المائدة: 1]، وقياساً على عقود النكاح والخلع والعتق التي اتفق الفقهاء على عدم مشروعية خيار المجلس فيها. وأما حديث: " البيعان بالخيار" فمعناه خيار القبول وليس خيار المجلس، ويكون المراد منه أن الإيجاب إذا صدر من أحدهما فالآخر بالخيار إن شاء قبل وإن شاء ترك. والمختار عند الجمهور: هو العمل بخيار المجلس في العقود المالية لتحقيق التراضي المنصوص عليه في قوله تعالى :" لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم" [النساء: 29]. وأما قياس العقود المالية على عقود النكاح والخلع والعتق فهو قياس مع الفارق؛ لأن تلك العقود يسبقها ممهدات تقلل من الندم مثل الخطبة ومجلس الصلح بخلاف العقود المالية ، وأما حمل الحديث " البيعان بالخيار" على خيار القبول فإنه يفقد معناه؛ لأن خيار القبول من البدهيات الفطرية التي لا تحتاج إلى نص.
وفي أواخر القرن التاسع عشر الميلادي ظهرت الاختراعات في وسائل الاتصال الصوتية السلكية واللاسلكية بالنظم الكهرومغناطيسية والإلكترونية مثل: الهاتف والراديو والتلفاز. ويمكن التعريف بتلك الوسائل على ضوء ما ورد في الموسوعة العربية العالمية كما يلي:
(1) أما الهاتف أو التليفون فهو يمثل أهم وأسرع وسائل الاتصال الحديثة، وهو جهاز يرسل ويستقبل الصوت كهربائياً عن طريق تحويل موجات صوت المتكلم إلى موجات كهربائية وإرسالها عبر موجات هوائية فائقة السرعة، ثم ترجمة تلك الذبذبات (الموجات) عند المستقبل (المستمع) إلى صوت المتكلم مرة أخرى. وكان أول اكتشاف له على يد المخترع الأسكتلندي (الكسندر جراهام بل) المقيم في الولايات المتحدة الأمريكية، وذلك سنة 1876م عبر الأسلاك ذات الاتجاهين، ثم تطور هذا الاختراع بتزويده بلوحات مفاتيح يدوية سنة 1879م، ثم لوحات مفاتيح أوتوماتيكية سنة 1891م، ثم العمل بنظام الترانزستور سنة 1947م، ثم بنظام الأقمار الصناعية سنة 1960م الذي تطور إلى الاتصال المباشر بين الدول سنة 1970م، ثم بنظام الهاتف المتحرك في السيارات سنة 1980م ، ثم نظام الهاتف الخلوي أو المحمول بعد سنة واحدة من ذلك، ثم ظهر نظام الهاتف الذي ينقل الصورة مع الصوت، ثم التليفون المتصل بشبكة الفضائيات.
(2) وأما الراديو أو المذياع فقد كان تطوراً طبيعياً لفكرة الهاتف، ويمتاز الراديو بأنه يعتمد على البث الهوائي إرسالاً واستقبالاً دون الحاجة إلى أسلاك، وقد تطور الراديو في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي إلى ثورة في الاتصالات الصوتية، وكان أول بث إذاعي لصوت بشري سنة 1906م، ثم انتشر هذا البث خلال عشرينيات القرن العشرين، ثم ظهر الترانزوستر سنة 1947م، ثم ظهر التلفاز الذي يتعامل بالصوت والصورة.
(3) وأما التلفاز فهو يعد أهم وأصدق وسائل الاتصال الحديثة، وهو تطور طبيعي لفكرة الراديو، وتبرز مصداقية التلفاز في نقل الصور والأصوات من جميع أرجاء العالم إلى ملايين الناس في منازلهم عبر الأقمار الصناعية، وبدأت هيئة الإذاعة البريطانية أول خدمة تلفازية (أبيض وأسود) سنة 1936م، وبحلول سنة 1951م غطى البث التلفازي الولايات المتحدة الأمريكية، وفي سنة 1966م، بدأت هيئة الإذاعة البريطانية البث الملون المنتظم، ثم تطور هذا البث الأرضي إلى البث الفضائي واسع المدى بالكرة الأرضية عن طريق تطور النظام الكهرومغناطيسي إلى الإلكتروني. والإلكترون عبارة عن وحدة بنائية أساسية للمادة، أي أنه لا يتركب من وحدات أصغر بل هو أصغر ما في المادة وهو سالب الشحنة، فالذرة تتكون من نواة صغيرة محاطة بالإلكترونيات التي توجد على مسافات مختلفة من النواة، وتنتظم في مستويات طاقة تسمى بالمدارات، وتحتوي كل ذرة عادة على عدد متساو من الإلكترونيات والبروتونات، ويحمل كل إلكترون وحدة واحدة من الشحنة السالبة بينما يحمل البروتون وحدة واحدة من الشحنة الموجبة ونتيجة لذلك تصبح الذرة متعادلة كهربائياً، فإذا فقدت إلكترونات- على سبيل المثال- فإنها تصبح موجبة الشحنة، وتسمى الذرات المشحونة كهربائياً بالأيونات.
ويثور التساؤل الفقهي عن حكم استعمال الناس لوسائل الاتصال الصوتي الكهرومغناطيسي والإلكتروني مثل الهاتف والراديو والتلفاز في المعاملات التجارية بسبب الاختلاف في تحديد مجلس التعاقد الذي يتعلق به حق خيار المجلس وكيفية ارتباط الإيجاب بالقبول؛ خاصة وأن هذه الوسائل لا تجعل المتعاقدين في مكان واحد، وكثيراً ما يدخلها الغش والتدليس عن طريق ما يعرف بالخدعة في الصوت والصورة. وقد اختلف الفقهاء المعاصرون في حكم التعاقد بهذه الوسائل على أربعة اتجاهات.
الاتجاه الأول: يرى مشروعية التعاقد بوسائل الاتصال الصوتي الكهرومغناطيسي والإلكتروني مطلقاً، ويكون تعاقداً بين حاضرين فيما يتعلق بالزمان وبين غائبين فيما يتعلق بالمكان. وهو اتجاه الأكثرين منهم الشيخ أحمد إبراهيم وآخرون بعده، وقد أخذ به القانون المدني المصري وحجتهم: من أوجه أهمها ما يلي:
(1) أن التعاقد بوسائل الاتصال الصوتي الكهرومغناطيسي والإلكتروني صار عرفاً ذائعاً دون نكير؛ لتحقق التراضي به، بل قد يستحسنه كثير من الناس توفيراً للوقت والمال، وسيأتي الزمان القريب لاعتماد تلك الوسائل أساساً في التجارات، فكان الأصل إقراره شرعاً؛ لعدم وجود نص شرعي ينهى عنه، ولعموم ما أخرجه الإمام أحمد والبزار والطبراني برجال موثوقون من حديث عبد الله بن مسعود، أن النبي r قال: " ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن وما رآه المسلمون سيئاً فهو عند الله سيء" ، وقال تعالى : " لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم" [النساء: 29].
(2) أن التعاقد بوسائل الاتصال الصوتي الكهرومغناطيسي والإلكتروني يتحقق به اتصال الإيجاب بالقبول مشافهة في مجلس واحد؛ لأن المقصود باتحاد المجلس هو اتحاد الزمن الذي يكون فيه المتعاقدان مشتغلين بالتعاقد وليس المراد هو القول باتحاد المكان. وعلى هذا يكون خيار المجلس في التعاقد بهذه الوسائل الآلية محدداً بزمن الانعقاد.
(3) أن كثرة الممارسات بالتعاقد بوسائل الاتصال الصوتي الكهرومغناطيسي والإلكتروني قد أكسب المتعاقدين بها خبرة فائقة لتمييز الأصوات وإدراك الحيل بالخدعة في تقليد الأصوات ، وعلى التسليم بإمكان الخدعة فهذا لا يعني إبطال التعاقد بذلك وإنما يعطي الطرف المخدوع حق الخيار.
الاتجاه الثاني: يرى عدم مشروعية التعاقد بوسائل الاتصال الكهرومغناطيسي والإلكتروني مطلقاً، وهو اتجاه البعض. وحجتهم: من أوجه أهمها ما يلي:
(1) أن التعاقد بوسائل الاتصال الصوتي الكهرومغناطيسي والإلكتروني يمنع الاستيثاق من معرفة كل متعاقد لصاحبه، كما يكتنفه الغش والتدليس عن طريق ما يعرف بالخدعة في الصوت والصورة.
(2) أن التعاقد بوسائل الاتصال الصوتي الكهرومغناطيسي والإلكتروني يمنع من اتصال الإيجاب بالقبول الذي أجمع الفقهاء على اشتراطه لصحة العقود في الجملة، وذلك نظراً لاختلاف المكان بين المتعاقدين بهذه الوسائل، وقد ذهب جمهور الفقهاء إلى اشتراط القرب المكاني للمتعاقدين حتى يعلم أحدهما صاحبه؛ خلافاً للشافعية الذين أجازوا التعاقد بين المتباعدين بالمناداة لتحقق الاتصال بذلك. كما ذهب فقهاء الشافعية إلى أنه يشترط مع اتصال الإيجاب بالقبول في مجلس التعاقد الموالاة أو الفورية في القبول؛ لأن طول الفصل لا يجعل القبول جواباً للإيجاب؛ خلافاً للجمهور من الحنفية والمالكية والحنابلة القائلين بعدم اشتراط تلك الفورية وأن التراخي بين الإيجاب والقبول لا يضر مجلس التعاقد؛ لأن القابل يحتاج إلى التأمل، ولأن المجلس جامع للمتفرقات.
(3) أن التعاقد بوسائل الاتصال الصوتي الكهرومغناطيسي والإلكتروني يمنع المتعاقدين من حق خيار المجلس المرتبط بمكان التعاقد، وهو ما ذهب إليه جمهور الفقهاء خلافاً للحنفية والمالكية المنكرين لخيار المجلس.
الاتجاه الثالث: يرى التفصيل بين العقود التي يشترط فيها اتصال الإيجاب بالقبول كالمعاوضات والتبرعات فلا يجوز إبرامها بوسائل الاتصال الصوتي الكهرومغناطيسي والإلكتروني وبين العقود التي لا يشترط فيها اتصال الإيجاب بالقبول كالوصية والوكالة والطلاق والخلع فيجوز إبرامها بتلك الوسائل. وهو اتجاه البعض ومنهم الدكتور عبد الله محمد عبد الله، وحجتهم : أن وسائل الاتصال الصوتي الكهرومغناطيسي والإلكتروني تمنع تحقق اتصال الإيجاب بالقبول لاختلاف المكان بين المتعاقدين، فهي تحول دون إبرام العقود التي يشترط فيها هذا الاتصال كالمعاوضات والتبرعات وهي عقود التمليكات في الجملة. أما العقود التي لا يشترط في صحتها هذا الاتصال كالوصية التي يكون الإيجاب فيها حال حياة الموصي والقبول بعد وفاته، وكذلك الوكالة التي تصح للغائبين، وكذلك الطلاق والخلع ونحوهما من العقود التي يكون أحد الركنين فيها يميناً، فتجوز بوسائل الاتصال هذه ؛ لأنها لا تحول دون تمامها.
الاتجاه الرابع: يرى التفصيل بين العقود الشكلية وهي التي يشترط لصحتها شكل خاص كالإشهاد في الزواج والتقابض في الصرف وتعجيل الثمن في السلم، فهذه العقود لا يصح إبرامها بوسائل الاتصال الصوتي الكهرومغناطيسي أو الإلكتروني، وبين العقود الرضائية التي لا تشترط شيئاً من ذلك فيجوز إبرامها بتلك الوسائل. وهو ما انتهى إليه قرار مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي في دورة مؤتمره السادس 1410هـ 1990م. وحجتهم: أن العقود التي يشترط لصحتها شكلاً خاصاً كالزواج والصرف والسلم لا يمكن أن تقع بشرطها مع وسائل الاتصال الصوتي الكهرومغناطيسي والإلكتروني بخلاف ما عداها من العقود الرضائية.
والمختار عندي: هو ما ذهب إليه أصحاب الاتجاه الأول القائلون بمشروعية التعاقد بوسائل الاتصال الصوتي الكهرومغناطيسي والإلكتروني ، وأن ذلك يكون تعاقداً بين حاضرين زماناً لا مكاناً؛ وذلك لقوة أدلتهم ومن باب استقرار التعامل بتلك الوسائل في التجارات عرفاً. وأما العقود الشكلية فلا يمنعها التعاقد بتلك الوسائل لإمكان تحقق الشكل معها بوسيلة أو أخرى، والأساس في ذلك كله هو التراضي، وصدق الله حيث يقول : " لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم" [النساء: 29].








