البطاقة الائتمانية نشأت في منتصف القرن العشرين بغرض تسهيل حمل النقود ونقلها، ثم تطور الأمر فصارت البطاقة صالحة للقرض (السحب من الحساب على المكشوف)، ويتوسع أصحابها في استخدامها لأغراض أخرى كثيرة، وكان أول ظهور لها على استحياء في نطاق ضيق عندما أصدرتها بعض الشركات التجارية الأمريكية سنة 1920م لاستخدامها في منافذها فقط لتسهيل السداد، وفي عام 1950م استحدث نادي داينرز أول بطاقة لاستخدامها في أكثر من منفذ، ثم أصبح استخدام هذه البطاقات أمراً شائعاً ومنتشراً ، ومن بين أكثر البطاقات الائتمانية قبولاً على المستوى العالمي بطاقة فيزا وماستر كارد ويورو كارد وكريدت كارد. وكل هذه البطاقات متفاوتة في المزايا الائتمانية التي تقدمها، وأقلها سقفاً ائتمانياً النوع الفضي ثم الذهبي ثم الأعلى في السقف الائتماني هو النوع البلاتيني أو الخاص برجال الأعمال.
وبطاقة الائتمان عبارة عن صك اسمي يصدره البنك لمصلحة عميله يسمح لحامله بشراء البضائع والخدمات المنافذ التي تقبل التعامل بهذه البطاقات، كما تسمح له بسحب العملات بالدين وفق شروط متفق عليها بينهما. وتستفيد الهيئات التي تقبل البطاقات الائتمانية من زيادة نشاطها التجاري، كما تستفيد جهات الإصدار من سعر الفائدة العالي على الحسابات التي لم تدفع ومن مصاريفها وعمولتها، كما يستفيد العميل من سهولة التعامل النقدي بدلاً من حمل النقود ونقلها، ويستفيد أيضاً من تلبية احتياجاته على المكشوف دون الاقتراض ساعة الشراء ويمكنه تغطية حسابه في المدة المسموح بها حتى لا تترتب عليه فوائد تأخيرية. وفي بعض الأحيان يوجه النقد للبطاقات الائتمانية لأنها تغري الأفراد على شراء أكثر مما يحتملون ، كما يمكن لملتقطها عند فقدها أن يستعملها حتى نفاذ الرصيد المسموح. لذلك كان لكل بطاقة رقم سري يوضع عند كل استعمال لها، ويجب أن يحتفظ صاحب البطاقة بهذا الرقم لنفسه ولا يجعله عرضة للإفشاء، وفي حال إفشائه مع فقد البطاقة فإنه يجب الإبلاغ فوراً لإيقاف الصرف بها حتى يجددها صاحبها.
واختلف الفقهاء المعاصرون في حكم التعامل بالبطاقات الائتمانية، ويمكن إجمال أقوالهم في ثلاثة اتجاهات .
الاتجاه الأول: يرى تحريم التعامل بتلك البطاقات مطلقاً، وهو اتجاه للبعض منهم الدكتور عبد الوهاب أبو سليمان في بحثه البطاقات البنكية. وحجتهم: أنها تقوم على الإقراض بفائدة الذي هو عين الربا. ويدل على ذلك أن كلمة "Credit Card" في المصطلح الاقتصادي والقانوني الإنجليزي والأمريكي في مجال البطاقات المالية تعني الإقراض، كما أن أطراف عقد هذا النوع من البطاقات يسمى مقرضاً" Vreditor" ومقترضا "Borrowor" ، وعلى هذا فإن الاسم الحقيقي لهذه البطاقات هو "بطاقات الإقراض" وليس كما هو مشهور عنها- بطاقات الائتمان. وأجيب عن ذلك: بأنه لا مشاحة في الاصطلاح وأن العبرة بالمعاني لا بالمباني، ثم إن هناك بطاقات أخرى لا تحمل هذا الاسم مثل فيزا كارد وماستركارد.
الاتجاه الثاني: يرى التفصيل في حكم التعامل بالبطاقات الائتمانية حسب الوظيفة المستعملة. وهو اتجاه الأكثرين . وحجتهم : من ثلاثة أوجه (1) أنه إن كان استعمال البطاقة في سحب النقود من الرصيد (الصرف الآلي) فذلك استرداد لجزء من الوديعة، وإذا تم السحب بعملة أخرى كان صرفاً وسحباً لجزء من الوديعة ، وكل ذلك لا حرج فيه شرعاً.
(2) وإذا كان استعمال البطاقة لشراء سلعة أو منفعة في حدود الرصيد المملوك لصاحب البطاقة فذلك عقد شراء مع حوالة بالثمن على البنك، وهذا لا حرج فيه لمشروعية الحوالة.
(3) وإذا كان استعمال البطاقة لشراء سلعة أو منفعة على المكشوف يعني بعد نفاذ الرصيد فذلك قرض مشروط بالفائدة إذا انقضت مدة السماح مع حوالة بالتسليم للتاجر، والقرض بفائدة من ربا النسيء المجمع على تحريمه فإذا أمكن تغطية الحساب في مدة السماح كان قرضاً حسناً لا حرج فيه.
الاتجاه الثالث: يرى مشروعية التعامل بالبطاقات الائتمانية مطلقاً، وهو اتجاه للبعض. وحجتهم: أن وظائفها لا تخرج في الجملة عن عمل مشروع، فكان استعمالها مشروعاً، وبيان ذلك في الاتجاه السابق إلا في صورة السحب على المكشوف بعد مدة السماح حيث يراه أصحاب الاتجاه السابق قرضاً بفائدة، وأصحاب هذا الاتجاه يرونه من بيوع المرابحات ؛ لأنها مبالغ مقدمة بغرض الشراء وكأن البنك يشترط على العميل حصته في الربح في تلك البضاعة مع توكيله في تسليمها.
وهكذا يدور التكييف الفقهي للبطاقات الائتمانية بين كونها سُترة للربا المحرم، وبين كونها وكالة أو حمالة أو استرداداً لجزء من المال المملوك أو قرضاً أو قراضاً . والظاهر يدل على سلامة أكثر وظائفها شرعاً، ويبقى بعض الوظائف محل جدل فقهي بين الاحتياط لشبهة الربا وبين التحميل على بيوع المرابحات، وصدق الله حيث يقول : " وأحل الله البيع وحرم الربا" [البقرة : 275].








