يعد التعامل بالمستقبليات أو (الفيوتشرز) من أبرز أنواع المعاملات الحالية في الأسواق المالية العالمية، وقد بدأت في الدول الغربية ثم انتشرت في البلاد العربية مؤخراً مع ذويع استعمال شبكة المعلومات (الإنرتنت) ويدعي اليابانيون أنهم أول من ابتكر هذا النوع من التجارة في منتصف القرن الثامن عشر الميلادي ، ويذكر أن أول بورصة قامت لتنظيم هذا التعامل هي بورصة التجارة بشيكاغو التي أنشئت سنة 1848م، أي بعد قرن مما ذكره اليابانيون.
وحقيقة المستقبليات أو (الفيوتشرز) – كما ذكرتها دائرة المعارف البريطانية- هي: " عقود تجارية تقتضي الشراء أو البيع للكميات المعينة من السلع لتواريخ مستقبلية معينة"، وهو تعريف غامض لا يعبر عن الواقع الشائك والمعقد لتلك المستقبليات مما يستوجب بيان فكرتها وصورتها ومقرها وضوابطها وأهدافها ، ثم حكمها الشرعي.
أولاً: فكرة المستقبليات(الفيوتشرز) تقوم على نظام الوساطة بطريق السمسرة بين البائعين والمشترين بالآجل، والاستفادة من هذا الأجل بإعادة تدوير صفقات البيع خلال هذا الأجل في سوق (بورصة) معينة.
ثانياً: صورة المستقبليات (الفيوتشرز) : أن يتقدم البائع من خلال السوق (البورصة) في تاريخ معين كأول العام بسلعة موصوفة بدقة كوحدة معروفة من القمح الممتاز بثمن مقدر ومحدد كألف دولار مثلاً على أن يكون التسليم والتسلم في أجل معين كآخر يوم في السنة وفي مكان معروف محدد، ثم يأتي المشتري فيختار تلك الصفقة من بين صفقات كثيرة معروضة يتوقع أن يكون رابحاً عند التسليم، ويتصل بإدارة السوق(البورصة) ليعلن اختياره فتسجل عليه أنه صار مديناً بألف وله وحدة القمح المشتراه في نهاية العام، ثم تتعقد المسألة طوال هذا الأجل حيث يجوز للمشتري أن يعلن عن رغبته في بيع تلك الصفقة حسب سعر السوق وفقاً لقانون العرض والطلب ، فإن زاد السعر باع وربح في الأجل أيضاً وإن هبط السعر أمسك عن البيع ، ولكن كثيراً ما يتدخل السماسرة بإقناعه بالبيع بالخسارة من أجل الدخول برأس المال المسموح في صفقة سلعة أخرى أكثر رواجاً، وهنا يصير مديناً بمقدار الخسارة في الصفقة الأولى، ثم يغامر بعد ذلك في السلعة الثانية على غرار السلعة الأولى فإن كان الحظ معه ربح وإلا تضاعفت الخسارة، وفي نهاية العام- باعتباره الأجل المحدد للصفقة المذكورة- تقوم إدارة السوق (البورصة) بإعطاء الدائن ماله وتلاحق المدين بدينه .
ثالثاً: مقر المستقبليات (الفيوتشرز): حرص المؤسسون لهذا النظام على أن يجعلوا له سمعة تجارية جاذبة تغري المتعاقدين بالاستمرار والمتابعة فسجلوا لأنفسهم نادياً أو سوقاً (بورصة) كمقر لإبرام تلك المعاملات فيه، ولهذه السوق (البورصة) إدارة قانونية ومحاسبية وتسويقية ماهرة وحازمة. أما وظيفة القانونيين في إدارة السوق (البورصة) فهي ملاحقة المخلين بالتزاماتهم المالية، وأما وظيفة المحاسبين فهي تقييد كل العمليات وتصفيتها وإفراد كشف حساب لكل متعامل بيعاً وشراءً بوصف دائن ومدين ، وإجراء المقاصة بين المتعاملين أولاً بأول، وتحرير ما لكل متعامل وما عليه في نهاية أجل الصفقة، وإبلاغه بذلك حتى يتسلم ما له ويدفع ما عليه. وأما وظيفة السماسرة فهي عملية التسويق والتقارب بين البائعين والمشترين .
رابعاً: ضوابط المستقبليات (الفيوتشرز) تضع إدارة السوق (البورصة) الخاصة بهذه المعاملات عدة ضوابط لضمان الوفاء بالتزامات المتعاملين فيها، ومن أهمها ما يلي:
(1) تنصيب إدارة السوق (البورصة) شريكاً متضامناً مع أطراف المتعاملين فيه (بائعين ومشترين) بحيث إذا أخل أحد المتعاقدين عن التزامه قامت هذه الإدارة بالوفاء.
(2) إلزام أصحاب السلع الراغبين في بيعها بهذا النظام أن يشتركوا في عضوية السوق (البورصة) للتأكد من الجدية ومصداقية البضاعة.
(3) البضاعة المسموح بعرضها وفق هذا النظام آجلة التسليم في زمن مستقبل محدد يعلنه البائع ، ويكون التسليم في مكان معين معروف، كما تكون البضاعة موصوفة بدقة كيلا ووزناً وجودة وفق المصطلحات المعلنة بالسوق (البورصة).
(4) إلزام الراغبين في الشراء بالإعلان مسبقاً عن سقف تسويقهم وفتح حساب خاص لهذه المعاملة في السوق (البورصة) وإيداع نسبة 10% من ذلك، فإذا كان المشتري يرغب في التسوق بألف دولار مثلاً فعليه إيداع مائة كتأمين لجدية التزامه، ولا يسمح له في هذه الجولة بشراء ما يزيد عن الألف ( ويتم الإيداع عن طريق البطاقات البنكية الممغنطة) وتنتفع إدارة السوق من مجموع مبالغ التأمين هذه حيث تتمكن من الوفاء بالصفقة التي أخل صاحبها بالتزامه إلى حين اتخاذ الإجراءات القانونية ضده.
(5) حق الشراء لا يكون إلا من الأعضاء المسجلين بإدارة السوق (البورصة) ويجوز لغير الأعضاء ممارسة الشراء عن طريق السماسرة المعتمدين، ويحق للمشتري الأخير أن لا يتسلم السلعة في الأجل المحدد وتحسب على مالكها وهو البائع الأول بقيمتها السوقية في هذا الأجل، وتتم المقاصة على ذلك.
خامساً: أهداف المستقبليات (الفيوتشرز): لا تهدف هذه العقود في الحقيقة إلى تسليم المبيع إلى المشتري كما هو المقصود من البيوع البسيطة، ويدل لذلك الواقع الاستقرائي الذي يشير إلى أن معظم المتعاملين بهذا النظام لا يتسلمون السلعة في نهاية الأجل وإنما يتركونها للبائع الأول – باعتبارها في يده - بحسب قيمتها السوقية في أجل التسليم، وتتم المقاصة على هذا الأساس بين السعرين سعر تاريخ إبرام البيع وسعر نهاية أجل البيع المحدد، ولا يقع التسليم والتسلم بين البائع والمشتري في هذه العقود إلا في أحوال نادرة تتراوح نسبتها من 1: 3 %من نسبة المتعاملين. والحقيقة أن المقصود من هذه العقود المستقبلية- كما ذكر ذلك الاقتصاديون الغربيون- هو تحقيق هدفين. الهدف الأول : تأمين الربح للبائع في صفقة تجارية في مدة زمنية مستقبلة، فإن كان البائع قد اشترى بضاعته الحقيقية من السوق المعتاد بألف ثم باعها وفق هذا النظام بألف ومائة والتسليم بعد شهر فقد ضمن لنفسه ربح مائة في نهاية هذا الشهر والبضاعة لا تزال معه يستطيع أن يمارس عليها نشاطاً إضافياً. والهدف الثاني: تمكين المفاليس من المضاربة مدة زمنية مستقبلية لعلهم يتداركون ما فاتهم من خسارة بإبرام صفقات ربحية حسب التوفيق والحظ، فهذا المفلس يمكنه أن يدخل في هذا النظام ويشتري صفقة حديد تسليح مثلاً بسعر معين (كمائة ألف دولار) في أجل معين (كسنة) ويرجع اختياره لهذه الصفقة إلى تخمينه أو توقعه أو دراسته بأن سعر الحديد سيرتفع مستقبلاً حتى هذا الأجل، فإن ارتفع السعر بعد ذلك استطاع أن يعرضه للبيع وفق هذا النظام أيضاً ويربح الفرق، أما إن حدث المكروه وانخفض سعر الحديد واستمر في هذا الانخفاض حتى نهاية الأجل وهو السنة لزمه البيع ودفع باقي الثمن أو يجبر على البيع بالخسارة ويلاحق قانونياً بالفرق كدين.
سادساً: الحكم الشرعي للمستقبليات (الفيوتشرز). اختلف الفقهاء المعاصرون في بيان حكمها الشرعي على اتجاهين .
الاتجاه الأول: يرى مشروعية عقود المستقبليات (الفيوتشرز) وهو اتجاه محتمل ذهب إليه بعض الباحثين المشاركين في الدورة السابعة لمجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي 1412 هـ سنة 1993م . وحجتهم: من ثلاثة أوجه هي: (1) أنها عقود مستحدثة لم يرد في شأنها نهي ، والأصل في الأشياء النافعة هو الإباحة لقوله تعالى :" هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً" [البقرة: 29]. (2) أنها عقود تجارية قائمة على التراضي، فكانت مشروعة لقوله تعالى : " لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم" [النساء: 29]. (3) أن هذه العقود تتخرج على بيوع التقسيط التي يتأخر فيها الثمن، وبيوع السلم التي تتأخر فيها السلعة إلى أجل في المستقبل خاصة وأن المشتري قد دفع نسبة 10% من الثمن في أول التعاقد، وأن إدارة السوق (البورصة) قد ضمنت الثمن كاملاً لصاحب السلعة فكان في حكم المقبوض.
واعترض الجمهور على هذه الحجج بما يلي:
(1) القول بأن عقود المستقبليات (الفيوتشرز) عقود مستحدثة لم يرد في شأنها نهي غير صحيح؛ لثبوت النهي عن بيع الدين بالدين والنهي عن الغرر والميسر، وكل هذه المنهيات متحققة في تلك العقود.
(2) القول بأن عقود المستقبليات (الفيوتشرز) من التجارة بالتراضي غير صحيح؛ لأن المغبون وسيء الحظ لا يرضى بخلاف البيع المعروف الذي يخرج فيه البيعان راضيين ، فالمشتري يكون راضياً بالسلعة التي اكتسبها، والبائع يكون راضياً بالثمن الذي اكتسبه. أما في المستقبليات (الفيوتشرز) فأحد الطرفين رابح والآخر خاسر لا محالة؛ لأنه لا يهدف إلى اقتناء السلعة غالباً، ومن هنا لا يتحقق التراضي التام.
(3) وأما تخريج عقود المستقبليات (الفيوتشرز) على بيع التقسيط وبيع السلم فغير صحيح؛ لأن أحد العوضين ناجز فيهما بخلاف تلك العقود، ولا يقال إن إدارة السوق (البورصة) ضامنة للثمن فيكون في حكم المقبوض ؛ لأن ضمانها غير ملزم إلا في نهاية الأجل، فلم يكن هناك قبض في الحقيقة. كما أن هذا الضمان صوري وليس حقيقياً؛ لأن إدارة السوق تقوم بدفع التزامات الطرف المخل من الحصة المقدمة من العملاء في نسبة الـ 10% وليس من المال الخاص لإدارة السوق.
الاتجاه الثاني: يرى تحريم التعامل بعقود المستقبليات (الفيوتشرز) ، وهو اتجاه أكثر الباحثين، ومن هؤلاء الدكتور الصديق محمد الأمين الضرير، والقاضي محمد تقي الدين العثماني والدكتور محمد علي القري وغيرهم ، وهو ما انتهى إليه قرار مجمع الفقه الإسلامي في دورته السابعة . وحجتهم: من ثلاثة أوجه هي:
(1) أن عقود المستقبليات (الفيوتشرز) مما ورد النهي عن معناها فيما أخرجه البيهقي والحاكم وصححه عن ابن عمر قال : "نهى رسول الله r عن بيع الكالىء بالكالىء"، وهو بيع الدين بالدين. وهنا العوضان (الثمن والمثمن) مؤجلان في الذمة، وهذا هو الدين المنهي عنه.
(2) أن عقود المستقبليات (الفيوتشرز) تخالف القياس في عقود المعاوضات الشرعية ؛ لأن الثمن والمثمن مؤجلان إلى زمن في المستقبل، والقياس الذي ورد الشرع به هو أن يكون العوضان حاليين كالبيوع الناجزة، أو يكون أحدهما حالاً والآخر مؤجلاً كما في السلم والبيع بالتقسيط الآجل، ومن هنا لم تكن عقود المستقبليات مشروعة .
(3) أن عقود المستقبليات (الفيوتشرز) هي في الحقيقة عقود غرر ومقامرة؛ لأن المقصود منها الربح على حساب مغالبة الآخرين وليس المقصود منها تبادل السلع كما هو مقتضى عقود التجارة، لما ثبت أن نسبة المتسلمين لسلعهم في عقود المستقبليات يتراوح ما بين 1: 3 % من جملة المتعاملين ، وأما الباقون فيردون السلعة إلى بائعها الأول حسب قيمتها في هذا الأجل وفقاً للعقد المنصوص ، مما يؤكد أن دخولهم في تلك الصفقات كان لأجل المضاربة على وجه القمار وهو محرم بالإجماع .
والمختار عندي: هو ما ذهب جمهور الفقهاء المعاصرين القائلون بتحريم التعامل شرعاً في عقود المستقبليات (الفيوتشرز) لقوة أدلتهم وضعف حجج المخالفين. ولأنه قد ثبت عملاً أن أكثر المتعاملين في تلك العقود من العرب والمسلمين قد ركبته الديون حتى خربت بيوتهم بسببها ، ويستثنى من هذا التحريم من يدخل في هذه العقود بغرض اقتناء السلعة وليس بغرض المقامرة إذا كانت هي الأحظ له بدون غش أو تدليس أو غبن أو غير ذلك من عيوب الإدارة . وصدق الله حيث يقول :" إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون. إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون" [المائدة : 90، 91].









