الملك في اللغة عند العرب يطلق على ما يمكن حيازته والانفراد بالتصرف فيه. أما الملك عند الفقهاء فيطلق على كل ما يمكن استعاضته بالمال ويسمى حقاً مالياً تمييزاً له عن الحق المجرد عن الشيء المالي. وقد عرف الناس قديماً الملك في المال العيني أو المادي سواء كانت المالية في العين أو المادة كالعقارات والمنقولات المحسوسة، أو كانت متعلقة بالعين أو المادة مما يمكن فصلها عنه مثل حق المرور وحق المطل. ولم يكن الناس- إلى أجل قريب- يعرفون الملك بمعنى المال في الحقوق المعنوية والأدبية مثل التأليف وبراءة الاختراع والاسم التجاري والعنوان التجاري والعلامة التجارية، باعتبار ذلك من القيم والأديبات التي لا تقّوم بمال، أو لكون تلك الحقوق المعنوية غير منضبطة بمقاييس الكيل والوزن والعد ونحوها التي يضبط بها المال العيني أو المادي في المحسوسات. وبعد اندلاع الثورة الصناعية في منتصف القرن التاسع عشر الميلادي وتسابق الموهوبين في اختراع الآلات والأجهزة، واشتعال المنافسة التجارية المصاحبة للصناعة، وحرص كثير من الشركات التجارية والصناعية على أن تؤسس لها اسماً يعبر عن درجة عالية من أمانة المعاملة، وعلامة تعبر عن درجة عالية من جودة المنتج، مما أثر ذلك على زيادة مبيعاتها فرفع قيمتها المالية بما لا ينكره أحد. ويظهر ذلك عندما تبيع إحدى هذه الشركات المرموقة أصولها في السوق فإن ثمنها يكون أضعاف ثمن أصول شركة أخرى تساوي أو تفوق أصول الشركة ذات السمعة التجارية العالية مما جعل الناس ينتبهون لإمكان التقويم المالي للحقوق المعنوية والأدبية، وقد زاد ذلك وضوحاً في براءة الاختراع التي يجني المصنع من ورائها أرباحاً طائلة ولا يكون للمخترع نصيب منها، وكذلك جهد المؤلف للكتب العلمية والنظرية ، التي يجني الناشرون منها أموالاً لا تعود على المؤلفين. كل ذلك ونحوه دفع بذوي البصائر إلى التقدم للجهات المختصة بسن القوانين لاعتماد الحقوق المعنوية والأدبية حقوقاً مالية، وقد تتابعت الاتفاقات الدولية منذ أواخر القرن التاسع عشر لحماية تلك الحقوق (مثل اتفاقية بيرن لحماية الملكية الفنية، واتفاقية باريس لحماية الملكية الصناعية والتجارية)، وصدرت القوانين المنظمة للملكية الفكرية والأدبية والفنية في أكثر دول العالم، وبذلك انقسمت الحقوق المالية إلى عينية وأدبية.
ويثور التساؤل في فقه الشريعة الإسلامية عن مدى مشروعية تقويم الحقوق المعنوية والأدبية كالاسم التجاري وبراءة الاختراع وجهد المؤلف، وجعل ذلك من الأموال القابلة للتداول والتي تدخل في الممتلكات التي تورث، ويمكن إجمال أقوال الفقهاء المعاصرين في ذلك في اتجاهين:
الاتجاه الأول: يرى جواز تقويم الحقوق المعنوية والأدبية والفنية بالمال وإمكان تداولها بالمعاوضة ودخولها في صفة الملك الذي يورث. وهو ما ذهب إليه الأكثرون وما انتهى إليه مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي في دورة مؤتمره الخامس 1409هـ - 1988م. وحجتهم: من أوجه أهمها ما يلي: (1) أن المال - كما يعرفه جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة- هو كل ما له قيمة مالية عرفاً يلزم متلفه الضمان، فيشمل الأعيان والمنافع. وهذا التعريف يسري على الحقوق المعنوية والأدبية، وقد استقر العرف التجاري على التعامل في كثير من الحقوق المعنوية والأدبية، وقد استقر العرف التجاري في نطاق المعاوضات المالية، واعترفت أكثر القوانين الوضعية بذلك حتى صار وضعاً مستقراً عند الناس، والعرف حاكم ما لم يعارضه نص شرعي، ولا يوجد. وقد قال السرخسي في المبسوط: إنما تعرف مالية الشيء بالتمول، أي باتخاذ الناس له مالاً ، فقد أخرج الإمام أحمد والبزار والطبراني برجال ثقات من حديث عبد الله بن مسعود، أن النبي r قال: " ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن وما رأوه سيئاً فهو عند الله سيء". (2) أن إسباغ صفة المالية على الأشياء أمر تركه الشرع – في حكم الأصل- للناس بحسب حوائجهم ومصالحهم، ولم يمنع الشرع من إسباغ صفة المالية إلا على أشياء بعينها نصاً فبقي ما عداها على أصل الإباحة في تقويمها بالمال، ومن ذلك الحقوق المعنوية والأدبية والفنية. ومما نص عليه الشرع بإهدار ماليته: ما أخرجه ابن حبان عن ابن عمر أن النبي r قال:" الولاء لحمة كلحمة النسب لا يباع ولا يوهب"، وما أخرجه الشيخان من حديث أبي مسعود الأنصاري أن النبي r نهى عن ثمن الكلب ومهر البغي وحلوان الكاهن. فإذا كان الناس في الزمن السابق لم يعدوا حق التأليف من الحقوق المالية لارتفاع كلفة الناسخين قبل اختراع الطباعة والتي كانت تقضي على جهد المؤلفين، فضلاً عن حرص المؤلفين على نشر العلم وكسب الأجر فإن الأمر في هذا الزمن الذي تطورت فيه الطباعة وزاد فيه ربح الناشرين يستلزم إعادة النظر في مالية الحقوق المعنوية والأدبية بما لا يغبن فيه المؤلفون والمخترعون.(3) أن الحق المعنوي والأدبي الذي ثبت تأثيره على القيمة المالية مثل الاسم التجاري وحق التأليف إنما هو نتاج لجهد فكري ومادي يمكن تقويمه بالمال، وإذا تسامح الناس فيه قبل فهذا لا يعني إهدار ماليته. (4) أن الحقوق المعنوية والأدبية حقوق غير مجردة بل هي متعلقة بأشياء معنوية أو أدبية؛ لأن الحق المجرد- كما يقول السنهوري في الوسيط – يكون دائماً غير مادي ولكنه يضاف إلى شيء، فإن كان هذا الشيء محسوساً أو مادياً كالعقارات والمنقولات كان حقاً عينياً، وإن كان هذا الشيء غير محسوس أو غير مادي كالاسم التجاري وبراءة الاختراع كان حقاً أدبياً أو فكرياً أو معنوياً، ومن هنا تنوعت الملكية إلى ملكية عينية أو مادية وملكية أدبية أو فكرية، والحق يتعلق بهما، فإن انفرد الحق عنهما كان حقاً مجرداً لا يقوم بالمال، مثل حق الملكية فإنه حق مجرد إلا أنه إذا تعلق بشيء عيني أو بشيء فكري لم يعد مجرداً وصح تقويمه بالنظر إلى الشيء المضاف إليه. ومن أمثلة الحقوق المجردة التي لا يجوز الاستعاضة عنها بالمال عند الفقهاء الإسلاميين حق الشفعة وحق الولاء وحق الولاية. (5) أن الحقوق المعنوية يمكن ضبطها عن طريق تسجيلها، كما يمكن تقويمها عن طريق دراسة كلفة الإنتاج والتسويق وتقسيم أسهم الربح بحسب ذلك ويكون المخترع أو المؤلف في هذه الحال شريكاً بفكرته، ويجوز أن يشتري المنتج حق الاختراع أو حق التأليف بمبلغ مقطوع حسب التراضي. ولا يجوز لمشتري الكتاب أن يقوم بتصويره والتجارة فيه؛ لأن حق المشتري يقتصر على الانتفاع بما في الكتاب أو التصرف فيه بالإهداء أو البيع لذات النسخة.
الاتجاه الثاني: يرى عدم جواز تقويم الحقوق المعنوية أو الأدبية والفنية بالمال، وأنه يحرم الاستعاضة عنها بالمال، كما أنها لا توصف بالملك الذي يورث. وهو ما ذهب إليه البعض، وحجتهم: من أوجه أهمها ما يلي: (1) أن اشتهار العرف التجاري ببيع بعض الحقوق المعنوية والأدبية كالاسم التجاري وبراءة الاختراع وحق التأليف لا يعني الإقرار الشرعي بماليتها فالخمر والخنزير لا تعترف الشريعة الإسلامية بماليتهما مع اعتراف غير المسلمين بماليتهما.(2) أن الحقوق المعنوية والأدبية حقوق مجردة وغير متعلقة بأشياء مادية يمكن ضبطها بمقاييس الكيل أو الوزن أو العد، كما أننا لا نملك منع المشتري للكتاب- مثلاً- من تصويره وتوزيعه وإعارته باعتباره مالكاً مما يؤكد عدم انضباط الحقوق المعنوية والأدبية، فكان تقويمها بالمال من باب المجازفة والتخمين، وهذا هو الغرر والجهالة المنهي عنهما في الصحيحين من أحاديث أبي هريرة وابن عمر وغيرهما. (3) أن المال كما يعرفه ابن عابدين في حاشيته هو ما يميل إليه الطبع ويمكن ادخاره لوقت الحاجة، ولذلك لم تكن المنافع أموالاً- عند الحنفية- وإنما جاز التعاقد عليها باعتبار حق الاختصاص؛ لأنه ملك لا مال، والفرق أن الملك هو ما من شأنه أن يتصرف فيه بوصف الاختصاص، والمال هو ما يمكن ادخاره لوقت الحاجة. والاختصاص يفيد الملك ولا يفيد المالية بالضرورة فهناك حق الاختصاص في الموارد التي لا مالية فيها شرعاً أو عرفاً كاقتناء الأعيان النجسة إذ يوجد فيها حق إما للحيازة أو لامتلاك الأصل كما لو مات الحيوان المملوك. (4) أن الأصل في الإبداع الفكري والأدبي هو البذل لأنه من العلم الذي يحرم فيه الحبس ، فلم يكن لتقويمه بالمال معنى، ويدل على ذلك عموم ما أخرجه ابن حبان من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي r قال :" من كتم علماً ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار". (5) أن الحق المعنوي والأدبي لا يتمحض حقاً خالصاً لصاحبه، لأنه قد استفاد من جهد غيره، فكان تقديره متعذراً بالخلقة. (6) أن التأليف وجد في وقت مبكر في التاريخ الإسلامي، فلو كان يولِّد حقاً مالياً لتكلم عنه الفقهاء السابقون، وحيث إنهم قد تركوا هذا الحق من الاعتبار المالي فإن ذلك لا يكون إلا لأنهم قد رأوا عدم ماليته.
والمختار عندي: هو ما ذهب إليه أكثر الفقهاء المعاصرين أصحاب الاتجاه الأول القائلون بأن الحقوق المعنوية والأدبية والفنية يجوز تقويمها بالمال، كما يجوز أن تكون عوضاً في المعاوضات المالية، وهي حق مالي يورث؛ لقوة أدلتهم، واستقراراً لما تراضي عليه الناس في ذلك ، وحتى لا يضار أهل الفكر والإبداع والعلم ، والله عز وجل يقول: " ولا يضار كاتب ولا شهيد" [البقرة: 282]، وأخرج أحمد وابن ماجه عن عبادة وعن ابن عباس، أن النبي r قال: "لا ضرر ولا ضرار".










