تأصيل الدعاية الانتخابية وتطورها إلى الحملة الانتخابية:
بعد قيام الثورة الفرنسية وإعلانها الحقوقي سنة 1789م، ونجاحها في ممارسة الديمقراطية-وهي حكم الشعب بالشعب- وما تقتضيه من نظام الانتخابات كطريق حتمي للتعبير عن الديمقراطية، تبع ذلك الحاجة إلى تعريف المرشح - وهو المتقدم للمنصب الانتخابي - بنفسه حتى يتمكن الناخبون من التصويت له أو عليه، وكان ذلك موكولاً إلى صاحب الشأن الذي لم يكن مكترثاً لحداثة التجربة، حتى تدخلت حكومة الثورة الفرنسية لأول مرة بوضع تنظيم إداري دائم للدعاية الانتخابية والسياسية، وأنشأوا من أجلها ما يسمى بالمكتب المعنوي. ثم اتسع مجال الدعاية في أوائل القرن العشرين ليشمل المجال العسكري في الحرب العالمية الأولى (14 – 1918م) حيث عمد المتحاربون إلى تلفيق التهم لخصومهم. ومع تطور الحضارة الإنسانية وتقنياتها صارت الدعاية علماً مستقلاً له قواعده وأصوله، فتحول إلى صناعة تمارسه شركات تجارية ومؤسسات استثمارية بعضها ذات هيمنة على الرأي العام من بعض بحسب خبرة شركة الدعاية وما تملك من مهارات علمية دعائية. وتطور الأمر من مجرد دعاية انتخابية إلى ما يعرف بالحملة الانتخابية التي تشمل الدعاية للمرشح والمقاومة للدعاية المنافسة للمرشحين الآخرين.
التعريف بالدعاية الانتخابية ونشأة قضيتها في الدول الإسلامية:
الدعاية – كما عرفها مجمع اللغة العربية- هي الترويج للشيء بالكتابة والخطابة ونحوهما. تقول: دعا إلى الشيء، أي حث على قصده. وتقول: دعاه إلى الصلاة، أي حثه عليها. أما الإعلام فهو الإخبار. تقول: أعلم فلاناً الأمر وبه، أي أخبره به. وأما الإعلان فهو الظهور والشيوع. تقول: أعلن فلاناً الأمر وبه، أي أظهره وجهر به.
والدعاية الانتخابية في اصطلاح القانونيين الدستوريين: هي كما عرفها البعض: " نوع من الضغط الإعلامي يمارس على إرادة المقترعين لتوجيهها للتصويت على نحو معين دون إنكار لحريتها". [الاستفتاء الشعبي للدكتور ماجد راغب الحلو- دار المطبوعات الجامعية بالإسكندرية ط 1982م]. وبهذا تتسم الدعاية الانتخابية بأنها تهدف إلى تحقيق التأثير على الناخبين بوسيلة أو أخرى حتى ولو بالإشاعات مجهولة المصدر ، وهو ما يجعلها تختلف عن الإعلام الذي يكون موضوعياً ومعبراً عن حقائق مجردة دون توظيفها في تحقيق غاية معينة سوى الإخبار، ولذلك لا يكون إعلاماً إلا بالإفصاح عن مصدره.
ولم يعرف المسلمون الدعاية الانتخابية وحملتها بالمعنى الاصطلاحي المعاصر إلا في أوائل القرن العشرين الميلادي؛ خاصة بعد ظهور الأحزاب السياسية في مصر في مطلع القرن العشرين، ونشاطها البارز في طلب الاستقلال من الاحتلال الواقع سنة 1882م ، والدعوة إلى النهوض بالبلاد حتى صدور الدستور الأول سنة 1923م، وفيه إقرار بحق الشعب تدريجياً في ممارسة الحياة السياسية بنظام الانتخابات في المجالس النيابية. وعندما اشترك حزب" الأحرار الدستوريين" (1922- 1953م) في انتخابات 1923م برئاسة عدلي يكن باشا، وكان حزبه يمثل مصالح كبار ملاك الأراضي، وهو الحزب الذي وضع الدستور، هزم هزيمة كبرى أمام حزب الوفد (1918 – 1953م) برئاسة سعد زغلول باشا، نظراً لشعبيته الكبيرة بسبب نشأته التي كانت سنة 1918م، بعد أن قابل سعد زغلول المندوب السامي البريطاني مطالباً باستقلال مصر، فرفض طلبه؛ لأنه لا يحمل تفويضاً من الأمة المصرية. فجمع سعد زغلول تواقيع المواطنين المصريين على نطاق واسع بتفويضه، وكانت البداية لقيام حزب الوفد، كما هو مدون بالموسوعة العربية العالمية.
وتحجمت الدعاية الانتخابية كثيراً بعد قيام الثورة المصرية سنة 1952م؛ خاصة بعد إعلانها حل الأحزاب السياسية سنة 1953م واقتصرت الدعاية على الانتخابات البرلمانية (مجلس الشعب)، وصدر في سبيل تنظيمها القانون رقم 38 لسنة 1972م في شأن مجلس الشعب، والمعدل بالقانون رقم (175) لسنة 2005م، والذي ينص في مادته الحادية عشرة على أنه :" يتعين الالتزام في الدعاية الانتخابية بمبادىء الدستور والقانون ..."، وتنص الفقرة (6) منها على : " حظر تلقي أموال من الخارج من شخص أجنبي أو من جهة أجنبية أو دولية أو من يمثلها في الداخل للإنفاق في الدعاية الانتخابية أو لإعطائها للناخبين مقابل الامتناع عن إبداء الرأي أو إبدائه على وجه معين". وعندما أعاد الرئيس محمد أنور السادات العمل تدريجياً بنظام الأحزاب اعتباراً من سنة 1974م في صورة منابر سياسية، حتى صدور القانون رقم 40 لسنة 1977م بشأن نظام الأحزاب السياسية بدأت قضية الدعاية الانتخابية في العود مرة أخرى حتى اشتدت في أواخر الثمانينات بعد أن اتسعت للمجالس المحلية الشعبية، وفتح الباب لتكوين الأحزاب السياسية بشروط منها ما يمنع تكوين الأحزاب على أساس ديني، مما دفع بجماعة " الأخوان المسلمون" بمصر إلى التحالف في بادىء الأمر مع بعض الأحزاب السياسية الأخرى في الانتخابات النيابية (مجلس الشعب)، وكان أول تحالف للإخوان مع حزب الوفد في انتخابات 1984م، ثم التحالف الثلاثي بين الأخوان وحزب العمل وحزب الأحرار في انتخابات 1987م، تحت شعار " الإسلام هو الحل". وفي انتخابات سنة 1990م، قاطعها الإخوان وكل أحزاب المعارضة إلا حزب التجمع، ثم اشترك الأخوان بعد ذلك بصفة مستقلين في انتخابات 1995م، وانتخابات 2005م. وهم كذلك عازمون في انتخابات 2010م تحت شعار " الإسلام هو الحل". [موقع : ويكيبديا]. وهذا الشعار يثير حفيظة الأحزاب الأخرى المنافسة، باعتباره شعاراً دينياً عاطفياً شديد التأثير على الجماهير المسلمة.
وازدادت الدعاية الانتخابية في الاشتعال بعد توسعة نطاق الانتخابات لتشمل الانتخابات الرئاسية لأول مرة سنة 2005م، وصدر من أجلها القانون رقم 174 لسنة 2005م، الذي تنص مادته العشرون على أن : " تكون الحملة الانتخابية اعتباراً من بدء الثلاثة الأسابيع السابقة على التاريخ المحدد للاقتراع، وحتى قبل يومين من هذا التاريخ. وفي حالة انتخابات الإعادة تبدأ من اليوم التالي لإعلان نتيجة الاقتراع وحتى الساعة الثانية عشرة ظهر اليوم السابق على التاريخ المحدد للاقتراع في انتخابات الإعادة..".
وكانت الدعاية الانتخابية قد اشتدت في بعض الدول الإسلامية في حدود النطاق المسموح من الديمقراطية (المجالس النيابية والشورية في بعض الدول العربية ) ، وهذه المجالس والرئاسة في بعض الدول الإسلامية اعتباراً من أواخر القرن العشرين الميلادي.
وبهذا استحدث في الفقه الإسلامي المعاصر قضية " الدعاية الانتخابية" للوصول إلى منصب في المنظومة السياسية الحاكمة؛ خاصة بعد أن صارت الدعاية الانتخابية عملية فنية وعلمية معقدة ، زماناً ومكاناً ومنهجاً ونوعاً؛ إذ منها الإيجابي الذي يكون بإبراز محاسن المرشح ، ومنها السلبي الذي يكون بمقاومة هجوم المنافسين.
تحرير محل النزاع في القضية:
لا يختلف الفقه الإسلامي في تحريم الدعاية الانتخابية إذا كانت لبرنامج محرم مثل البرنامج الانتخابي الذي يقوم على هدم الأديان في حياة الناس، أو كانت الدعاية الانتخابية بوسيلة محرمة مثل استخدام الكذب والغش أو الاستعانة بأموال السحت والرشوة؛ لأن للوسائل حكم المقاصد، أو كانت الدعاية الانتخابية بالمخالفة للقانون الواجب التطبيق ، مثل أن تكون أموال الدعاية الانتخابية من شخص أجنبي أو من جهة أجنبية أو دولية أو من يمثلها في الداخل؛ للإجماع على وجوب طاعة ولي الأمر في المعروف. ولا يختلف الفقه – أيضاً- على مشروعية الدعاية الانتخابية إذا كانت تزكية للغير بحق على أساس برنامجه الإصلاحي؛ لعموم الأمر بالنصيحة فيما أخرجه مسلم من حديث تميم الداري، أن النبي r قال :" الدين النصيحة". وإنما يتحرر الخلاف في الفقه بعد ذلك في حكم الدعاية الانتخابية في غير محل الاتفاق، كما لو كانت تزكية للنفس، أو تزكية للبرنامج الانتخابي الشخصي ولو كان إصلاحياً؛ إذ الظاهر هو المشروعية بالضوابط العامة. ويحتمل عدم المشروعية.
سبب الخلاف في القضية:
يرجع الخلاف الفقهي في قضية الدعاية الانتخابية إلى عدة أسباب من أهمها: (1) تبعية الدعاية الانتخابية إلى العمل بالنظام الانتخابي، وما وقع في مشروعيته من خلاف. فمن رأى مشروعية العمل بالنظام الانتخابي أجاز الدعاية الانتخابية بضوابطها العامة، ومن رأى عدم مشروعية العمل بالنظام الانتخابي منع الدعاية الانتخابية وحرمها. (2) تعارض بعض الأدلة المجيزة للدعاية الانتخابية في الجملة مع بعض الأدلة الناهية عن مدح النفس وطلب الإمارة. فمن ترجح عنده العمل بالنصوص المجيزة للدعاية الانتخابية أجازها وعمد إلى تاويل النهي عن مدح النفس وطلب الإمارة. ومن ترجح عنده العمل بهذه المنهيات منع الدعاية الانتخابية وعمد إلى تاويل النصوص المجيزة لها. (3) الاختلاف في تقديم دليل: " المصالح المرسلة" على دليل : " سد الذرائع". فمن رأى تقديم المصالح على سد الذرائع أجاز الدعاية الانتخابية؛ لما رآه من المصلحة. ومن رأى تقديم سد الذرائع على المصالح منع الدعاية الانتخابية؛ لما رآه من المفسدة.
الاتجاهات الفقهية في القضية:
حيث إن قضية الدعاية الانتخابية من أحدث القضايا الفقهية المعاصرة، والتي لم يتناولها الفقهاء المعاصرون في المجامع الفقهية أو في مؤلفات متخصصة وإنما حاول البعض دراستها، كما في رسالة الدكتوراه بعنوان "أحكام الانتخابات المعاصرة والدعاية لها" التي أشرفت عليها شرعياً، وشاركت في إعدادها مع صاحبها اليمنى النجيب علي عبد الله حميد، والتي قدمها إلى كلية الشريعة والقانون جامعة الأزهر سنة 2009م، فإنني قد أجريت على هذه القضية قواعد التأصيل الفقهي وتخريجاته التي تكشف الأوجه الفقهية المحتملة فيها؛ لإيجاد مخارج شرعية توسع على الناس، وترفع عنهم الحرج الذي يسببه توحيد الفتيا في المسائل المتغيرة زماناً ومكاناً. وقد انتهيت في القضية إلى إمكان اتجاهين في الجملة. اتجاه ظاهر يرى المشروعية، واتجاه محتمل يرى المنع. ونبين ذلك فيما يلي بإذن الله تعالى.
الاتجاه الأول: يرى مشروعية الدعاية الانتخابية بالضوابط الشرعية العامة من حسن المقصد وسلامة الوسيلة. وهو الاتجاه الأظهر، الذي جرى عليه العمل عند عامة المسلمين. وحجتهم: (1) أن العمل بالنظام الانتخابي مشروع بديلاً عن البيعة والشورى اللتين عرفهما المسلمون الأوائل؛ لعدم التعبد بهما، ولأن النظام الانتخابي يحقق المقصود منهما، وهو اختيار الحاكم بالرضا مع عدم انفراده بالحكم عن طريق الشورى. وإذا صح العمل بالنظام الانتخابي فيلزم منه القول بمشروعية الدعاية الانتخابية في حكم الأصل؛ لأنها من مقتضيات النظام الانتخابي وتوابعه اللازمة.
(2) أن بعض الأدلة الشرعية تجيز العمل بالدعاية الانتخابية في الجملة فوجب العمل بها لموافقتها حكم الأصل، ويجب تخصيص النصوص الناهية عن مدح النفس وطلب الإمارة بحالي الغرور والبغي. أما الأدلة المجيزة للدعاية الانتخابية في الجملة فمنها: أ- القرآن الكريم، ومنه ما جاء عن يوسف – عليه السلام- في قوله سبحانه : " قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم" [يوسف: 55] يقول ابن كثير : " هذا دليل على أنه يجوز عند الحاجة أن يخبر الرجل بما يعلم عن نفسه ما قد يجهله غيره". ويقول الطبري في تفسيره: " هذا من يوسف- صلوات الله عليه- مسألة منه للملك أن يوليه أمر طعام بلده وخراجها، والقيام بأسباب بلده، ففعل ذلك الملك به". ب- السنة المطهرة، ومنها ما أخرجه الدارقطني عن سكينة بنت حنظلة، قالت : دخل النبي r على أم سلمة وهي متأيمة من أبي سلمة، فقال: " لقد علمت أني رسول الله ، وخيرته من خلقه، وموضعي من قومي". فهذا دليل على جواز ذكر صفات النفس التي تحقق المطلوب - إذا كان المطلوب مشروعاً في ذاته - مما لا يعرفه الغير. جـ- المأثور، ومنه ما أخرجه مسلم عن عبد الله بن مسعود، قال: " والذي لا إله غيره ما من كتاب الله سورة إلا أنا أعلم حيث نزلت، وما من آية إلا أنا أعلم فيما نزلت، ولو أعلم أحداً أعلم بكتاب الله مني تبلغه الإبل لركبت إليه". قال ابن كثير تعليقاً على هذا الحديث: " هذا كله حق وصدق ، وهو من إخبار الرجل بما يعلم عن نفسه ما قد يجهله غيره ، فيجوز". ء- المعقول، ومنه القياس على عمل الدلال في السوق، وهو من ينادي على السلعة ويعرف الناس بمحاسنها، حيث أجمع الفقهاء على مشروعية هذا العمل، كما حكاه ابن عابدين في حاشيته.
(3) أن المصلحة تستوجب القول بمشروعية الدعاية الانتخابية في الجملة، والمصلحة المرسلة من الأدلة الشرعية عند أكثر أهل العلم؛ لأن الإسلام- كما ذكر الشاطبي وابن القيم وغيرهما من أهل العلم- جاء لتقرير المصالح ودرء المفاسد، حتى قيل: " أينما تكون المصلحة فثم شرع الله"، أو " حيث كان شرع الله فثم المصلحة". ومن مصالح الدعاية الانتخابية: تمكين الناس من المشاركة الانتخابية، وحسن الاختيار من بين المرشحين.
الاتجاه الثاني: يرى تحريم الدعاية الانتخابية. وهو اتجاه محتمل يمكن أن يكون عليه عمل بعض المسلمين ممن ينأى بنفسه عن الانتخابات بالكلية، أو يترشح فيها ولكن لا يمارس دعايتها تحرجاً وليس بخلاً. وحجتهم: (1) أن العمل بالنظام الانتخابي غير مشروع أصلاً؛ لما فيه من الخروج عن المعهود في السلف الصالح من نظام البيعة والشورى، وإذا كان العمل بالنظام الانتخابي محظوراً من أصله فإن الدعاية فيه تكون محظورة تبعاً؛ لما تقرر في الأصول أن " التابع ينسحب عليه حكم المتبوع". ويمكن الجواب عن ذلك: بأن المختار الذي عليه العمل عند أكثر المسلمين هو مشروعية العمل بالنظام الانتخابي باعتباره بديلاً يحقق مقاصد البيعة والشورى من الرضاء على الحاكم مع عدم انفراده بالحكم.
(2) أن بعض الأدلة الشرعية تنهى عن مدح النفس وطلب الإمارة، وهذا يعني تحريم الدعاية الانتخابية؛ لأن صاحب الدعاية قاصد إلى مدح نفسه وطلب الإمارة. أ- أما الدليل على النهي عن مدح النفس فمنه قوله تعالى :" فلا تزكوا أنفسكم" [النجم: 32]، وما أخرجه الشيخان عن أبي موسى الشعري ، أن النبي r سمع رجلاً يثني على رجل ويطريه في المدحة، فقال r : " أهلكتم، أو قطعتم ظهر الرجل". ب- وأما الدليل على النهي عن طلب الإمارة فمنه: ما أخرجه الشيخان عن عبد الرحمن بن سمرة، أن النبي r قال له: " يا عبد الرحمن بن سمرة لا تسأل الإمارة، فإنك إن أوتيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أوتيتها من غير مسألة أعنت عليها". أجاب عن ذلك الفخر الرازي في تفسيره بالآتي: أ- أن النهي عن تزكية النفس مخصص بحالين. الأولى : إذا قصد من تزكية النفس التطاول والتفاخر والتوصل إلى غير ما يحل. الثانية: تزكية النفس بغير حالها، كما لو زكاها بما يعلم أنها غير متزكية؛ لقوله تعالى:
" فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى". قال الفخر: " فإذا كان الإنسان يعلم أنه صدوق، أو مدح نفسه بغير قصد التطاول والتفاخر والتوصل إلى غير ما يحل فهذا غير ممنوع". ب- أن النهي عن طلب الإمارة مخصص بحال من يطلبها تشرفاً أما من يطلبها سعياً في إيصال النفع إلى المستحقين ودفع الضرر عنهم فهو أمر مستحسن في العقول، وهو ما فعله يوسف عليه السلام، في قوله تعالى: " قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم" [يوسف: 55]. ثم : إن الدعاية الانتخابية ، ليس فيها طلب الإمارة وإنما فيها المشاركة والتعاون في منظومة الإمارة؛ لأن الانتخابات تجعل الإمارة منظومة أو مؤسسة وليست وظيفة في يد شخص بعينه.
(3) أن قاعدة " سد الذرائع" تستوجب تحريم الدعاية الانتخابية، وتقديمها على ما يتوهم في تلك الدعاية من مصلحة؛ لما استقر عليه الفقه من تقديم درء المفاسد على جلب المصالح. ومن المفاسد المحققة في الدعاية الانتخابية: السرف، والتنابذ بالألقاب، والتشهير بالغير، وغير ذلك من مفاسد. ويمكن الجواب عن ذلك: بأن هذه المفاسد خارجة عن محل النزاع، ثم إنه يعفى عن يسيرها من أجل المصلحة الأظهر التي يحتاجها الناس في الدعاية الانتخابية؛ لما تقر في الفقه من تقديم: " أعظم المصلحتين وأهون المفسدتين".
التعقيب والاتجاه المختار: عرفت الدول الإسلامية الدعاية الانتخابية وحملتها في أوائل القرن العشرين الميلادي؛ خاصة بعد ظهور الأحزاب السياسية المصرية ونشاطها في طلب الاستقلال والنهوض بالبلاد، ثم اتسعت الدائرة لتشمل انتخابات أعضاء المجالس البرلمانية بعد إقرارها في دستور 1923م. وقد تحجمت الدعاية الانتخابية كثيراً بعد إلغاء الثورة للأحزاب السياسية ، واقتصرت العملية الانتخابية على المجلس النيابي إلى أن أعاد الرئيس السادات العمل تدريجياً بنظام الأحزاب سنة 1974م حتى صدر القانون رقم 40 لسنة 1977م بشأن نظام الأحزاب السياسية، فعادت قضية الدعاية الانتخابية إلى شدتها من جديد؛ خاصة بعد توسعة نطاق الانتخابات لتشمل الانتخابات الرئاسية لأول مرة في مصر سنة 2005م، فأخذت قضية الدعاية الانتخابية شكلاً جديداً وصارت عملاً فنياً وعلمياً معقداً يمكن أن تقوم به شركات ومكاتب متخصصة، وصدر بشأنه تنظيم قانوني كما في القانون رقم 38 لسنة 1972م في شأن مجلس الشعب، والمعدل بالقانون رقم 175 لسنة 2005م. وبهذا استحدثت قضية من القضايا الفقهية العامة، وقد أجرينا عليها قواعد الفقه وتخريجاته لاستبانة أوجهها المحتملة، وتبين أن الأظهر هو القول بمشروعية الدعاية الانتخابية بالضوابط الشرعية العامة من حسن المقصد وسلامة الوسيلة. ومع ذلك فإن الفقه يقر باتجاه آخر محتمل يرى تحريم الدعاية الانتخابية.
ويرجع الخلاف الفقهي في قضية الدعاية الانتخابية إلى عدة أسباب من أهمها: (1) تبعية الدعاية الانتخابية إلى العمل بالنظام الانتخابي وما وقع في مشروعيته من خلاف. فمن رأى مشروعية العمل بالنظام الانتخابي أجاز الدعاية الانتخابية بضوابطها العامة، ومن رأى عدم مشروعية العمل بالنظام الانتخابي منع الدعاية الانتخابية وحرمها. (2) تعارض بعض الأدلة المجيزة للدعاية الانتخابية في الجملة، مع بعض الأدلة الناهية عن مدح النفس وطلب الإمارة. فمن ترجح عنده العمل بالنصوص المجيزة للدعاية الانتخابية أجازها وعمد إلى تأويل النهي عن مدح النفس وطلب الإمارة. ومن ترجح عنده العمل بهذه المنهيات منع الدعاية الانتخابية وعمد إلى تأويل النصوص المجيزة لها. (3) الاختلاف في تقديم دليل: " المصالح المرسلة" على دليل : " سد الذرائع". فمن رأى تقديم المصالح على سد الذرائع أجاز الدعاية الانتخابية ؛ لما رآه من المصلحة. ومن رأى تقديم سد الذرائع على المصالح منع الدعاية الانتخابية؛ لما رآه من المفسدة. وقد كان ذكرنا للاتجاهين الواردين في قضية " الدعاية الانتخابية وحملتها"، لخدمة الجانب الفقهي، وإبراز سعته التي ترفع الحرج عن الناس في عموم الأحوال والأزمان؛ إذ قد تظهر الرؤية لشخص برجحان وجه في زمن، ثم تختفي تلك الرؤية مع بزوغ رؤية جديدة للشخص نفسه ترجح عنده الاتجاه الآخر. فكان العمل بالاتجاهين - في ظل اختلاف الأشخاص أو الأزمنة - جائزاً شرعاً. ومع ذلك فإنه يجوز لولي الأمر جمع الناس على كلمة سواء في القضية لمصلحة يراها، وعندئذ لم يعد للمخالفين حق في الخروج عن الطاعة في الجملة.
وحيث إن قضية " الدعاية الانتخابية وحملتها" من القضايا العامة المستجدة، والتي يحتاج ولي الأمر فيها إلى استقراء آراء الفقهاء المعاصرين؛ للعمل بموجبها في ظل السياسة الشرعية، فإنني أرى اختيار الاتجاه الأظهر فقهياً، وهو ما جرى عليه العمل في واقع الناس اليوم، والذي يرى مشروعية الدعاية الانتخابية في الجملة؛ لقوة أدلتهم، ولأنها من المقتضيات الضرورية للعمل بالنظام الانتخابي الذي صار سمة نظام الحكم المعاصر، مع شرط الالتزام بالضوابط الشرعية والأخلاقية والقانونية فيها. وأرى وجوب أن تتولى إحدى المؤسسات المستقلة عملية تنظيم الدعاية الانتخابية لجميع المرشحين بالسوية حتى نتجنب السرف واللغط، بل ونتفادى سيطرة رجال الأعمال والأغنياء على العملية الانتخابية سواء بترشيح أنفسهم أو بدعم أحد المرشحين وامتلاكهم لخدماته بعد فوزه دون التسوية بينهم وبين سائر الناخبين؛ لارتفاع تكاليف الدعاية الانتخابية وتطورها بما يُعجز الصالحين للممارسة السياسية من غير رجال الأعمال ومن يرضون عنه.









