تعريف الرأسمالية وبيان أصلها التاريخي وتطورها
الرأس من كل شيء أعلاه. والمال هو ما يتمول به، سمي مالاً لحب الناس له. تقول: مال إليه، أي أحبه وانحاز له. والرأسمالية كما عرفها مجمع اللغة العربية هي: " النظام الاقتصادي الذي يقوم على الملكية الخاصة لموارد الثروة"، وعرفها بعض المتخصصين بأنها: "نظام سياسي واقتصادي قائم على الملكية الخاصة والربح الخاص". وللنظام الرأسمالي أسماء كثيرة، منها: النظام الحر، والسوق الحر، ونظام المبادرة، وحرية العمل والتجارة.
والرأسمالية غربية النشأة والموطن. كان السبب في ظهورها الثورة الصناعية وما قدمته من سلع جديدة وازدهار في التجارة، وذلك خلال منتصف القرن الثامن عشر الميلادي بناء على الحملة التي قادها عدد من الاقتصاديين الفرنسيين تجاه الحكومات المختلفة لوقف تدخلها في التجارة الخارجية وإنهاء التعريفات الجمركية والقيود التجارية الأخرى، معلنين شعار: "حرية العمل والتجارة"، وشعار: "دعه يعمل دعه يمر".
وكانت الدول الأوربية منذ القرن الخامس عشر الميلادي وحتى القرن الثامن عشر تقوم على نظام اقتصادي يسمى "النزعة التجارية" الذي يعتمد على زيادة الصادرات عن الواردات، وفرض التعريفات الجمركية العالية على السلع المستوردة لحماية المنتج الوطني، ودعم الزراعة والصناعة المحلية حتى تنخفض أسعار صادرتها. وبعد ظهور الرأسمالية -لأول مرة-في منتصف القرن الثامن عشر على يد الاقتصاديين الفرنسيين جاء الاقتصادي الاسكتلندي "آدم سميث" فوضع كتابة "ثروة الأمم" سنة 1776م الذي وصف فيه الكيفية التي يعمل بها النظام الحر، وانتشرت أفكاره خلال بداية القرن التاسع عشر الميلادي، فبدأت الحكومة البريطانية برفع قيودها التجارية، وتطوير أول اقتصاد رأسمالي، ومن ثم انتشرت الرأسمالية في الدول التجارية الرئيسة الأخرى.
واجهت الرأسمالية أكبر تحد لها خلال سنوات الكساد العظيم، الذي ألم بأكثر دول العالم سنة 1929م، فأغلق الكثير من المصارف والمصانع والمحال التجارية، وفقد كثير من الناس وظائفهم ومساكنهم ومدخراتهم، كما فقد الأكثرون الثقة في الرأسمالية، وطلب بعضهم دعم الحكومة لمحاربة الكساد الذي استمر حتى بداية الأربعينيات من القرن العشرين. وكان السبب في انتهاء الكساد هو الإنفاق الحكومي العسكري الضخم خلال الحرب العالمية الثانية. ولا تزال الحكومات الرأسمالية تبتعد عن سياسة التدخل وتكتفي بزيادة إنفاقها وبالتحكم في اقتصادياتها، وحاولت الدول الأخرى محاكاة الدول الرأسمالية بتخفيض تدخلها الحكومي في الاقتصاد، حتى الحكومات الشيوعية القوية بدأت في الاعتماد أكثر على قوى السوق في توزيع السلع والخدمات في بلادها. ومع ذلك فلم تسلم الرأسمالية من الأزمات البالغة كالتي وقعت في منتصف سبتمبر 2008م بإعلان انهيار البورصات العالمية.
أهداف الرأسمالية
يعلن الرأسماليون أن هدفهم هو: رفع مستوى المعيشة لأكثر الناس في ظل النظام الحر الذي لا تتدخل فيه الدولة إلا قليلا. قالوا: والسر في رفع مستوى المعيشة بهذه الحرية هو أن معظم الناس يرغب في تحسين مستوى معيشته، فلو مكناهم بتلك الحرية لحققوا آمالهم، واستفاد الاقتصاد من هممهم وعزيمتهم. وأما إساءة الأفراد بالتوسع في الحرية المتاحة لهم فإنها تزول وتنضبط بتوسع الآخرين في حريتهم المقابلة فيما يعرف بإطلاق المنافسة.
أساليب الرأسمالية
(1) تمكين الأفراد من حرية اتخاذ القرار الاقتصادي في الإنتاج والتوزيع والتسعير إلى درجة كبيرة، ولا تفرض عليهم قرارات حكومية إلا قليلا. (2) تشجيع الأفراد على الادخار بتقليل شراء السلع الاستهلاكية، وتدوير المدخرات في العمليات الاستثمارية (كالمضاربة بالأسهم) أو الائتمانية (كودائع البنوك بالفائدة) ليستثمرها المقترضين. (3) تمكين المنافسة بين المنتجين إلى درجة أن الحكومات الرأسمالية تقوم بسن القوانين لفرض المنافسة، وتمنع هذه القوانين الاتفاقات بين البائعين التي تتدخل في أداء المنافسة، كما تحظر قوانين أخرى معظم أشكال الاحتكارات.
(4) تقديم بعض البرامج الاجتماعية الحكومية لمساعدة الفقراء من الآثار السلبية للرأسمالية مثل: أ- تقديم الدعم المالي الحكومي للفئات ذوي الدخول المحدودة للحصول على السكن المنخفض التكاليف والخدمات الصحية العامة. ب- تقديم الدعم المالي الحكومي لحماية البيئة من التلوث الصناعي. (5) تشارك الحكومة في ظل الرأسمالية ببعض الأنشطة الاقتصادية المهمة، وتكون عادة في أربع محاور، هي: أ- سن القوانين التي تؤثر في النشاط الاقتصادي وتشرف على تنفيذها. ب- إنشاء الصناعات الخدمية العامة. جـ- توفير السلع والخدمات للجمهور. د- تحقيق الاستقرار الاقتصادي.
الفرق بين الرأسمالية والاشتراكية
يوجد تداخل بين النظامين الاقتصاديين الرأسمالي والاشتراكي؛ لأن في كل منهما بعض التدخل الحكومي وبعض الخيارات الفردية الخاصة. إلا أن الرأسمالية تعتمد بدرجة أكبر على القرارات الفردية الخاصة، وعلى التخطيط الحكومي بدرجة أقل. أما الاشتراكية فالعكس تعتمد بدرجة أقل على القرارات الفردية، وبدرجة أكبر على التخطيط الحكومي.
تحرير محل النزاع
ظهرت قضية "الرأسمالية نظاما اقتصادياً في البلاد الإسلامية" عند ظهور الاشتراكية في مصر أوائل الثورة سنة 1952، وذلك من باب التنازع بين الأنظمة الاقتصادية المناسبة لحركة الإصلاح الثورية، واستتب الأمر للاشتراكية حتى قامت حرب أكتوبر سنة 1973م التي انهزمت فيها إسرائيل، وتغيرت موازين القوى، وأعلن الرئيس محمد أنور السادات أن 99% من أوراق اللعبة السياسية في يد أمريكا، وبدأ في سياسة الانفتاح والاقتصاد الحر تمشياً مع الرأسمالية الأمريكية، واستمرت تلك السياسة الرأسمالية والتعمق فيها بالخصخصة وتمكين رجال الأعمال من السلطة حتى الآن، وبدون غطاء دستوري، حيث لا يزال الدستور الساري والصادر سنة 1971م ينص في مادته الأولى أن: "جمهورية مصر العربية دولة نظامها اشتراكي ديمقراطي يقوم على تحالف قوى الشعب العاملة"، وتنص المادة 59 منه على أن: "حماية المكاسب الاشتراكية ودعمها والحفاظ عليها واجب وطني"، كما خصص الدستور المواد (23: 39) للمقومات الاقتصادية الاشتراكية. واختلف الفقهاء المعاصرون –منذ إدراج الرأسمالية خياراً للنظام الاقتصادي في الدول الإسلامية– في شرعية العمل بهذا النظام بين مؤيدين ورافضين، كما يأتي تفصيله قريباً بإذن الله تعالى. وقد أجمعوا –قبل هذا الخلاف- على أن ما تأتي به الرأسمالية مما يخالف نصاً قاطعاً إسلامياً كالربا والظلم أنه لا يلتفت إليه طاعة لله تعالى إلا ما يدخل منه في حكم الضرورة، وإنما الخلاف هو في اختيار مبدأ تحكيم الرأسمالية نظاماً اقتصادياً في البلاد الإسلامية.
سبب اختلاف الفقهاء في تحكيم الرأسمالية نظاماً اقتصادياً
يرجع اختلاف الفقهاء المعاصرين في قضية "الرأسمالية نظاماً اقتصادياً في البلاد الإسلامية" إلى الأسباب التي وردت في اختلاف الفقهاء في قضية "الاشتراكية، وهي: (1) الاختلاف في مشروعية استحداث أنظمة وعقود جديدة لم يرد اسمها أو شرطها في المرجعية الإسلامية الأصيلة من الكتاب والسنة. (2) الاختلاف في مشروعية التشبه بغير المسلمين فيما يكون علامة لهم أو منسوباً إليهم ولو لم يكن مخالفاً للقواعد الشرعية العامة. (3) الاختلاف في تكييف الرأسمالية، أهي نظام عملي يفرضه الواقع للتمكين من رفع مستوى المعيشة، أم هي نظام فكري يقوم على تعظيم حرية الأفراد والتقليل من تدخل الحكومة فيما يعرف بشعار: "دعه يعمل دعه يمر". (4) الاختلاف في مشابهة الرأسمالية للأحكام الاقتصادية الإسلامية أو مخالفتها.
الاتجاهات الفقهية في تحكيم الرأسمالية نظاماً في البلاد الإسلامية
يمكن إجمال أقوال الفقهاء المعاصرين واحتمالاتهم الفقهية في تحكيم الرأسمالية نظاما اقتصادياً في البلاد الإسلامية في اتجاهين كما يلي.
الاتجاه الأول: يرى عدم مشروعية تحكيم الرأسمالية نظاماً اقتصادياً في البلاد الإسلامية اكتفاء بالنظام الاقتصادي الإسلامي. وهو قول أكثر الفقهاء المعاصرين المتقدمين والمتأخرين. وحجتهم: (1) أن الرأسمالية –كنظام اقتصادي- أمر مستحدث قد يخالف في بعض الأوجه سعة النظام الاقتصادي الإسلامي ومرونته، فلم يجز العمل بها؛ لعموم ما أخرجه الشيخان من حديث عائشة، أن النبي r قال: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد"، وفي لفظ: "منه". وفي رواية لمسلم: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد". وأخرج مسلم عن جابر بن عبد الله أن النبي r كان إذا خطب يقول: "إن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة". ويمكن الجواب عن ذلك: بأن المراد من المحدثات في الحديث هو ما خالف نصاً مقصوداً. أما ما استحدث لتمكين النص المقصود فهو من الوسائل المشروعة مثل الرأسمالية التي تحقق الرفاة في العيش، وهو مقصود شرعي.
(2) أن مصطلح الرأسمالية غربي النشأة والموطن، ومرتبط بأفكار وعقائد غير المسلمين، فكان محظوراً على المسلمين مجاراته، لنهيهم عن التشبه بغير المسلمين فيما أخرجه الطبراني والترمذي وضعفه، من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن النبي r قال: "ليس منا من تشبه بغيرنا، لا تشبهوا باليهود ولا بالنصارى، فإن تسليم اليهود الإشارة، وإن تسليم النصارى بالأكف"، وأخرج الشيخان عن أبي سعيد الخدري أن النبي r قال: "لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشر وذراعا بذراع حتى لو سلكوا حجر ضب لسلكتموه". قلنا يا رسول الله، اليهود والنصارى، قال r: "فمن"؟. ويمكن الجواب عن ذلك: بأن حديث النهي عن التشبه بغير المسلمين قد ضعفه الترمذي والهيثمي. وعلى التسليم بصحته فهو مثل حديث أبي سعيد في الصحيحين –سالف الذكر- خاص بالأمور الدينية أو التي ورد فيها نص؛ لما أخرجه الشيخان عن ابن عباس: "أن النبي r كان يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء".
(3) أن الرأسمالية نظام فكري يقوم على تعظيم حرية الأفراد والتقليل من تدخل الحكومة فيما يعرف بمبدأ: "دعه يعمر دعه يمر"، وهذا من حيث كونه شعاراً فكريا ملزماً يخالف القواعد الشرعية العامة، ومنها ما ورد فيما أخرجه أحمد وابن ماجه عن ابن عباس، أن النبي r قال: "لا ضرر ولا ضرار"، وأخرجه الدار قطني عن أبي سعيد الخدري بلفظ: "لا ضرر ولا ضرار من ضار ضره الله، ومن شاق شق الله عليه". فكيف ندعه يعمل أو يمر وهو يضر؟ من هذا يتضح أن الحرية في الإسلام حرية منضبطة وليست حرية مطلقة. ويمكن الجواب عن ذلك: بأن الرأسمالية ليست نظاماً فكريا وإنما هي نظام عملي يفرضه الواقع للتمكين من رفع مستوى المعيشة. وعلى التسليم بأنها نظام فكري لتعظيم حرية الأفراد فهو نظام لا ينكر حق الدولة في التدخل عند الحاجة بالمنع من الضرر أو الإضرار.
(4) أن الرأسمالية تعتمد وسائل غير مشروعة، وحيث إن الشريعة الإسلامية ترى أن الوسائل لها حكم المقاصد في الاحتكام إلى ميزان الشريعة، فإن الرأسمالية تكون نظاماً محظوراً؛ لأنها لا تعترف بالمبدأ المكيافيلي القائل: "الغاية تبرر الوسيلة" [وكان قد وضع الإيطالي نيكولا ميكافيلي "1469-1527م هذا المبدأ في كتابه "الأمير"] ومن الوسائل غير المشروعة التي تقوم عليها الرأسمالية: أ- الاعتماد على الفوائد الربوية في البنوك، فيما يعرف بتدوير المدخرات في الاستثمار، وقد قال تعالى: "وأحل الله البيع وحرم الربا" [البقرة: 275]، وقال سبحانه: "يمحق الله الربا" [البقرة: 276]. ب- الحرية المطلقة للأفراد في الإنتاج والتوزيع، مع تعارض هذه الحرية لحريات الآخرين، فضلاً عن مصادمتها للمنهيات الشرعية مثل الترويج للخمر والسلع الاستهلاكية المضيعة للمال، وقد قال تعالى: "إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون" [المائدة: 90]، وأخرج ابن ماجه والترمذي عن أنس، وأخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه-واللفظ له- عن ابن عمر، أن النبي r قال: "لعنت الخمر على عشرة أوجه: بعينها، وعاصرها، ومعتصرها، وبائعها، ومبتاعها، وحاملها، والمحمولة إليه، وآكل ثمنها، وشاربها، وساقيها" جـ- الحرية المطلقة للأفراد في التسعير مع جشع التجار في النظام الرأسمالي مما يضر المستهلكين، وهذا يتعارض مع القاعدة الشرعية: "لا ضرر ولا ضرار". د- اعتماد النظام الرأسمالي على المنافسة المطلقة، حتى إن الحكومة تسن القوانين لفرض المنافسة، وتحظر قوانين أخرى معظم أشكال الاحتكارات لتحرير المنافسة. وهذا الإطلاق للمنافسة سيؤدي بالضرورة إلى تحول السوق إلى غابة يأكل القوي فيها الضعيف، وهذا يتعارض مع النهي الشرعي للظلم بكل صورة، فقد أخرج مسلم عن أبي ذر، أن النبي r قال: "قال الله تبارك وتعالى: يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا". ويمكن الجواب عن ذلك: أ- الاعتماد على الفوائد البنكية في تدوير الاستثمار ليس من أصول الرأسمالية، وإنما هو أمر اختياري لمن يرغبه، فمن اعتقد حرمته ديانة لم يقترفه. ب- الحرية المطلقة للأفراد –في الإنتاج والتوزيع والتسعير- مقيدة في ظل الرأسمالية بأمرين. أحدهما: حريات الآخرين، وذلك فيما يعرف بمبدأ المنافسة. والثاني: تدخل الدولة بسن القوانين المنظمة في حال الضرورة. جـ- القول بأن المنافسة تؤدي إلى ظلم صغار التجار مبني على الجهل بعناصر المنافسة المتعددة، فالتاجر الذي يجد مضايقة من التاجر الأكبر منه في وجه معين عليه أن يتحول إلى وجه آخر يغفل عنه هذا التاجر الكبير زمانا أو مكانا أو صفة؛ لأن المستفيد في النهاية هو الجمهور. وهذا ما يعرف في الشريعة الإسلامية بمبدأ التدافع في قوله تعالى: "ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض" [البقرة: 251].
الاتجاه الثاني: يرى مشروعية تحكيم الرأسمالية نظاماً اقتصادياً في البلاد الإسلامية. وهو قول بعض الفقهاء المعاصرين، وإليه ذهب أكثر الاقتصاديين من المسلمين. وحجتهم: (1) أن الرأسمالية نظام مستحدث يهدف إلى رفع مستوى المعيشة لأكثر الناس عن طريق تمكينهم بالحرية لتحقيق ما يرجونه لأنفسهم من سعة العيش، ولا يوجد نص شرعي ينهي عن هذا النظام بالإسم، فكان الأصل فيه الإباحة؛ لعموم قوله تعالى: "وأوفوا بالعهد" [الإسراء: 34]، وقوله تعالى: "أوفوا بالعقود" [المائدة: 1]، وما أخرجه البخاري تعليقا، أن النبي r قال: "المسلمون عند شروطهم". وأخرج أحمد والبزار برجال ثقات عن ابن مسعود، قال: "ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن، وما رأوه سيئاً فهو عند الله سيء". ويمكن الجواب عن ذلك: بأن الرأسمالية تقوم على بعض المحاذير الشرعية، والعبرة في الأحكام بالمعاني لا بالمباني، فهي تعتمد الحرية المطلقة في الاقتصاد، وهذا يشمل صناعة الخمور وترويجها وصناعة المستهلكات المضيعة للمال، كما يشمل التعامل بالربا المحرم، وقد أخرج الشيخان من حديث عائشة –في قصة بريرة- أن النبي r قال: "ما بال أقوام يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله. من اشترط شرطاً ليس في كتاب الله فليس له –وفي رواية: فهو باطل- وإن اشترط مائة مرة"، وفي رواية: "وإن اشترط مائة شرط قضاء الله أحق، وشرط الله أوثق".
(2) أن الرأسمالية وإن كانت نظاماً غربياً –من حيث النشأة- إلا أنه إنساني المصدر، وقد يكون الأصلح للتطبيق في بعض البلاد وفي بعض الأزمنة، فلا يجوز رفض هذا النظام لمجرد غربية نشأته؛ لما ثبت أن النبي r كان يأخذ بالأصلح في أمور الحياة ولو كان من غير المسلمين، فقد أخرج الشيخان عن ابن عباس أن النبي r قدم المدينة والناس يسلفون في الثمر العام والعامين والثلاثة، فقال r: "من أسلف في تمر –وفي رواية: في شيء- فليسلف في كيل معلوم ووزنه معلوم إلى أجل معلوم". وأخرج مسلم عن جذامة بنت وهب، أن النبي r قال: لقد همت أن أنهي عن الغيلة، حتى ذكرت أن الروم وفارس يصنعون ذلك فلا يضر أولادهم". وفي رواية: "فنظرت في الروم وفارس فإذاهم يغيلون أولادهم فلا يضر أولادهم ذلك شيئاً". [الغيلة: هي أن يأتي الرجل زوجته وهي حامل، أو تحمل المرأة وهي ترضع]. ويمكن الجواب عن ذلك: بأن رفض الرأسمالية ليس فقط لكونها غربية النشأة، وإنما لما تتضمنه من محاذير شرعية باسم الحرية المطلقة التي تروج للربا والخمر والمستهلكات المضيعة للمال.
(3) أن الرأسمالية نظام عملي فرضه الواقع –بعد الثورة الصناعية- للتمكين من رفع مستوى المعيشة عند أكثر الناس، وذلك عن طريق استثمار طاقتهم وتنمية مواهبهم في تحقيق آمالهم من سعة العيش أسوة بأصحاب المصانع والمتاجر الكبيرة. ويجب على أولياء الأمور أن يتخذوا من التدابير اللازمة لتحقيق تساوي الفرص لم يرغب في رفع مستوى معيشته، ومن تلك التدابير النظام الرأسمالي الحر. ويمكن الجواب عن ذلك: أ- أن الرأسمالية ليست نظاماً عملياً وإنما هي –في نظر بعض منظريها- نظام فكري يقوم على تعظيم حرية الأفراد والتقليل من تدخل الحكومة فيما يعرف من شعار: "دعه يعمل دعه يمر". وهذا المنهج يلغي المنهج الإسلامي الذي أمر الله تعالى نبيه r بإتباعه في قوله: "ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون" [الجاثية: 18]. وقد عالج المنهج الإسلامي قضية رفع مستوى المعيشة بالحرية المنضبطة، وليس بالحرية المطلقة. ب- إن القواعد الفقهية الإسلامية العامة كافية لأولياء الأمور من اتخاذ التدابير الشرعية لتمكين الناس من رفع مستوى معيشتهم دون الحاجة إلى الرأسمالية.
(4) أن الرأسمالية تشبه في الجملة المبادئ الاقتصادية الإسلامية وأحكامها. فالرأسمالية تقوم على المبادئ والأحكام الآتية مما جاء الإسلام بها: أ- حرية الحركة الاقتصادية. وهذا يتفق مع عموم قوله تعالى: " فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه" [الملك: 15]، وقوله تعالى: "فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله" [الجمعة: 10]، وقوله تعالى: "إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم" [النساء: 29]، وأخرج الشيخان من حديث علي بن أبي طالب أن النبي r قال: "اعملوا فكل ميسر لما خلق له". ب- تعظيم الملكية الخاصة. وهذا يتفق مع عموم قوله تعالى: "لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل" [النساء: 29]، وأخرج الشيخان عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أن النبي r قال: "من قتل دون ماله فهو شهيد". جـ- التمكين من رفع مستوى المعيشة. وهذا يتفق مع عموم قوله تعالى: "ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغماً كثيراً وسعة" [النساء: 100]. يقول ابن كثير: "قال مجاهد: يعني متزحزحاً عما يكره، فيتسع رزقه". وأخرج أحمد وابن حبان وصححه عن عمرو بن العاص، أن النبي r قال له: "يا عمرو، نعم المال الصالح مع الرجل الصالح". د- التشجيع على الادخار والنهي عن السرف. وهذا يتفق مع عموم قوله تعالى: "ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما" [النساء: 5]. وأخرج الشيخان عن سعد بن أبي وقاص، أن النبي r قال له: "إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس". هـ- التشجيع على استثمار المدخرات. وهذا يتفق مع عموم قوله تعالى: "والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم" [التوبة: 34]. وأخرج الطبراني بإسناد صحيح عن أنس، أن النبي r قال: "اتجروا في أموال اليتامى لا تأكلها الزكاة"، وأخرجه الدار قطني عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن النبي r قال: "احفظوا اليتامى في أموالهم لا تأكلها الزكاة"؛ وأخرج مالك عن عمر بن الخطاب أنه قال: "اتجروا في أموال اليتامى لا تأكلها الزكاة"، وعند الدار قطني بلفظ: "ابتغوا بأموال اليتامى لا تأكلها الصدقة". و- منع التدخل الحكومي بالتسعير. وهذا يتفق مع عموم ما أخرجه أحمد وابن ماجه وأبو داود والترمذي –وقال: حسن صحيح- عن أنس بن مالك، قال: غلا السعر على عهد رسول الله r، فقالوا: يا رسول الله، سعر لنا؟ فقال r: "إن الله هو المسعر القابض الباسط الرازق، وإني لأرجو أن ألقى ربي وليس أحد منكم يطلبني بمظلمة في دم ولا مال". ز- منع الاحتكار لتمكين المنافسة الحرة. وهذا يتفق مع عموم ما أخرجه مسلم عن معمر بن عبد الله، أن النبي r قال: "لا يحتكر إلا خاطئ"، وفي رواية: "من احتكر فهو خاطئ". ويمكن الجواب عن ذلك: بأمرين. الأمر الأول: أن معالجة الإسلام لحرية الحركة الاقتصادية، وتعظيم الملكية الفردية، والتمكين من رفع مستوى المعيشة، والتشجيع على الادخار والاستثمار، ومنع التسعير والاحتكار إنما كان من منطق الشرع السماوي، وليس من منطق الرأسمالية البشرية، ولا يجوز إغفال جانب العقيدة في الأحكام. الأمر الثاني: أن الرأسمالية كما تتضمن أساليب تتفق مع أحكام الشريعة الإسلامية نراها تشتمل أيضاً على أساليب محظورة شرعاً، مثل التعامل الربوي وترويج السلع المحرمة كالخمر.
التعقيب والاتجاه المختار: الرأسمالية كما عرفها مجمع اللغة العربية وبعض المتخصصين هي:
" نظام سياسي واقتصادي قائم على الملكية الخاصة والربح الخاص". وقد ظهر مصطلح الرأسمالية في الدول الأوربية والغربية -لأول مرة- في منتصف القرن الثامن عشر الميلادي كتطور لما كان يعرف بالنزعة التجارية التي كانت تعتمد على زيادة الصادرات عن الواردات وفرض الجمارك على السلع المستوردة لحماية المنتج الوطني ودعم الزراعة والصناعة حتى تنخفض أسعار صادرتها، فجاءت الرأسمالية لإنهاء الجمارك والدعم، وتأسيس مبدأ "حرية العمل والتجارة"، أو " دعه يعمل دعه يمر"، وانتشرت تلك الأفكار في الأوساط الأوربية والأمريكية وكثير من دول العالم خاصة بعد أن وضع الاقتصادي الاسكتلندي" آدم سميث" كيفية العمل بالنظام الحر في كتابه" ثروة الأمم" سنة 1776م. ولم تسلم الرأسمالية من الأزمات المالية مثل ما حدث في سنوات الكساد العظيم سنة 1929م الذي استمر أكثر من عشر سنوات، وما حدث من انهيار البورصات العالمية سنة 2008م.
واختلف الفقهاء المعاصرون في شرعية العمل بالنظام الاقتصادي الرأسمالي في البلاد الإسلامية- خاصة بعد توجه بعض الحكومات العربية والإسلامية ومن أهمها مصر، إلى العمل بهذا النظام بعد حرب أكتوبر 1973م- ويرجع سبب الخلاف إلى نفس أسباب الاختلاف في قضية " الاشتراكية"، وهي: حداثة الفكرة وغربية نشأتها، والاختلاف في كون الرأسمالية مذهباً عملياً لمعالجة خلل النزعة التجارية أو أنها عقيدة فكرية تقوم على تعظيم الملكية الفردية حسب شعار" دعه يعمل دعه يمر"، بالإضافة إلى تخليط الرأسمالية بين مبادىء عادلة كالحق في التملك وحرية العمل، وبين مبادىء جائرة كإطلاق الحرية التي تمارس الربا والاحتكار.
وقد أجملنا اختلاف الفقهاء المعاصرين في قضية" الرأسمالية نظاماً اقتصادياً في البلاد الإسلامية" في اتجاهين بين الرفض والقبول، وكان ذكرنا لهذين الاتجاهين بقصد المساهمة في إنارة الرأي العام عند المسلمين، في هذه القضية الخطيرة التي اكتنفها كثير من الغموض والتلبيس، سببه المتشددون في كل اتجاه. وحيث إنني على قناعة تبلغ اليقين بأن الفقه يريح الحيارى، ويجمع بين المختلفين على كلمة سواء، وهي أن كل مجتهد –يعده أهل فنه مجتهداً- مأجور شرعاً، وقوله معتبر في منظومة الفقه، وإن خالفه من خالفه؛ لعموم ما أخرجه الشيخان من حديث عمرو بن العاص، أن النبي r قال: "إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر". حيث كان الفقه كما قلت فإن الاتجاهين المذكورين بالقبول والرفض للرأسمالية لهما كل الاحترام الفقهي، ويكفي أصحابهما فضلاً إبانة الأدلة والحجج الشرعية المحيطة بالقضية ليختار من يختار عن بينة. وإن كان الاختيار –بخاصة في مثل هذه القضية المتعلقة بتقلبات السوق والمتغيرات الاجتماعية والاقتصادية- قابلاً للتوقيت الزماني والمكاني، فلك أن تختار أحد الاتجاهين في زمن دون زمن، أو في مكان دون مكان حسب ما يريك الله من المصالح. وإذا كان ولاة الأمور المختصون مهتمين باستبانه آراء الفقهاء المعاصرين، واستقراء اختياراتهم فإنني أرى أن الرأسمالية –التي برز نجمها في مصر مؤخراً حتى تسيدت بدون غطاء دستوري؛ إذ لا يزال الدستور حامياً للاشتراكية– تتضمن مبادئ حقوقية لا تختلف عليها الفطر السوية من أهمها: حرمة الملكية الخاصة، وحرية العمل. ومع ذلك فإن الرأسمالية متغالية في تعظيم هذه الحرية وتلك الحرمة بما يمكن أصحابها –إذا بلغوا شأنا معيناً- من الديكتاتورية والسيطرة على مقاليد البلاد، فضلاً عن حالة الانفلات والفساد والسعار المادي التي تصيب المهوسين بالثروة على حساب أصول المعاملات وضوابطها، وقيم الأخلاق وإنسانيتها، وهو ما ظهر في الأزمة المالية العالمية سنة 1929م، وما بعدها، حتى كانت الأزمة المالية الأخيرة سنة 2008م، والتي لا يزال العالم متأثراً بها، وما كانت تلك الأزمات المالية الكبيرة إلا بسبب الغلواء في الرأسمالية. مما يمكننا القول بأن الرأسمالية في النظام الاقتصادي لا تصلح وحدها في البلاد الإسلامية إلا أن يدخلها التعديل بالضوابط الشرعية التي تعرف "الحرية المنضبطة"، ولا تعرف "الحرية المنفلتة".








