السلم المتوازي صيغة من صيغ الاستثمار وتوظيف الأموال التي استحدثتها المصارف والبنوك الإسلامية المعاصرة، وهو فرع عن عقد السلم البسيط المعروف عند العرب قديماً كوسيلة من وسائل التمويل الخالية عن الربا، وجاء الإسلام بإقراره رغم مخالفته لبعض القواعد العامة في عقد البيع التي تستلزم وجود السلعة من باب إيجاد مخارج تجارية تغني الناس عن التعامل بالربا المقيت، فجاء تقنين عقد السلم في القرآن والسنة، ومن ذلك قوله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه" [البقرة: 282] حيث أخرج الشافعي في مسنده والحاكم في مستدركه عن ابن عباس أنه قال في تفسير هذه الآية: " أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى قد أحله الله في كتابه وأذن فيه" ، ثم قرأ هذه الآية. كما أخرج الشيخان عن ابن عباس قال : قدم النبي r المدينة وهم يسلفون بالتمر السنتين والثلاث ، فقال r: " من أسلف في شيء ففي كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم".
والسلم في اللغة يعني الإعطاء والتسليف. أما السلم في اصطلاح الفقهاء فهو: " عقد بيع على موصوف في الذمة بشرائط خاصة"، فالسلعة في بيوع السلم تكون دائماً غائبة عن مجلس التعاقد وكثيراً ما تكون معدومة في الواقع ولكنها قابلة للوجود، مثل بيع بعض محصول القمح أو القطن أو التمر الذي سيستزرع بعد عام أو عامين، وقد استعاض الشرع عن شرط العلم بالمبيع - في السلم - بوضع المواصفات النافية للجهالة ، فيجب تحديد النوع ودرجة النقاء والمقدار وزمن التسليم.
ونظراً لأن السلم قد نشأ كوسيلة للتمويل فقد ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه يشترط لصحته تعجيل الثمن في مجلس العقد حتى يتحقق مقصود السلم من تمكين البائع من الانتفاع بالثمن والإنفاق منه على مشروعه الإنتاجي دون أن يحتاج إلى قرض مالي. وذهب فقهاء المالكية ، في المشهور عندهم، إلى جواز تأخير الثمن عن مجلس العقد اليومين والثلاثة لخفة الأمر عرفاً، ولأن ما قارب الشيء يعطي حكمه.
والسلم المتوازي فرع عن هذا السلم البسيط نشأ لإيجاد صيغة للاستثمار وتوظيف الأموال لا تتعارض مع الطبيعة التخصصية للمصارف والبنوك في إدارة المال، فالمصرف ليس مؤسسة إنتاجية أو تسويقية للمحاصيل والسلع الاستهلاكية ، وإنما هو قادر على تمويل الأفراد والمؤسسات ذوي الخبرة والمهارة الإنتاجية والتسويقية ولا يملكون الإمكانات المادية، فيتوجه المصرف أو الممول – بصفة عامة- إلى إبرام هذه الصيغة فيكون دوره مزدوجاً فهو في السلم الأول مشتري وفي السلم الثاني بائع. ومن الأمثلة التوضيحية لذلك: أن يبرم المصرف مع شركة إنتاج زراعي معروفة عقداً لشراء ألف طن من القمح الممتاز على أن يتم التسلم بعد عشرة أشهر بثمن معين يدفعه في مجلس التعاقد وهذا الثمن يكون غالباً أقل من ثمن السلعة إذا كانت حاضرة، ويزداد تخفيض هذا الثمن بزيادة الأجل، فالتسليم بعد سنتين يكون بثمن أقل من التسليم بعد سنة لما جرى عليه العرف في ذلك. ثم يقوم المصرف ببيع هذا المنتج لشركة تسويقية معروفة يوم قبض المنتج أو قبيله بيوم أو يومين سلماً على الوصف وبثمن معين مقسطاً على آجال معلومة، وقد يكون الثمن حالاً ويكون غالباً أقل من سعر السوق الحال من أجل سرعة التسويق كما يكون أكبر من الثمن في السلم الأول لكي يحقق ربحاً مشروعاً للمصرف. وغالباً ما يتم هذا السلم المتوازي بعد دراسة المصرف للسوق والتعرف على شركات الإنتاج وشركات التسويق والترتيب معها بوعود تسبق التعاقد. وتثور ثلاث إشكاليات فقهية متعلقة بالسلم الثاني الذي يبرمه المصرف مع شركة التسويق. الإشكالية الفقهية الأولى: هي في إبرام المصرف السلم الثاني يوم قبض المنتج المعقود عليه في السلم الأول؛ إذ كيف يكون سلماً والسلعة قائمة مع أن جمهور الفقهاء يشترط لصحة السلم أن تكون السلعة مؤجلة استدلالاً بظاهر النص " من أسلف فليسلف في كيل معلوم " الحديث، وفيه أمر بأن يكون على وجه السلف ، وهو الأجل، والأمر للوجوب؟ والجواب عن ذلك: أن فقهاء الشافعية أجازوا السلم الحال قياساً على السلم المؤجل من باب أولى لأنه أبعد عن الغرر، والحديث لا يأمر بالأجل وإنما هو مبين لصورة السلم المؤجل، ثم إن الجمهور المشترط للأجل في السلم لم يتفق على حده الأدنى، فقد ذهب الكرخي من الحنفية إلى تقديره بنصف يوم فأكثر لأنه الزمن الذي يخرجه عن الحلول، وقال ابن عبد الحكم من المالكية لا بأس به إلى اليوم الواحد، وذهب بعض الحنفية والمالكية إلى أنه يجوز اليومين والثلاثة، وذهب بعض الحنفية والمالكية والمذهب عند الحنابلة إلى تقدير الأجل في السلم بالشهر لأنه المدة التي يتغير فيها الثمن عادة. وكل هذه الأقوال من الاجتهادات الفقهية التي لا تستند إلى دليل ، فصح السلم في الحال كما يصح في الآجل كما هو مذهب الشافعية.
والإشكالية الفقهية الثانية : هي إبرام المصرف السلم الثاني قبل قبض المنتج المعقود عليه في السلم الأول، حيث ذهب جمهور الفقهاء إلى عدم جواز بيع المسلم فيه قبل قبضه؛ استدلالاً بما أخرجه الشيخان من حديث ابن عباس أن النبي r قال: " من ابتاع طعاماً فلا يبعه حتى يقبضه" وفي لفظ : " حتى يستوفيه. " قال ابن عباس: ولا أحسب كل شيء إلا مثله. وأخرج ابن ماجه والدار قطني عن أبي سعيد الخدري أن النبي r قال :" من أسلم في شيء فلا يصرفه في غيره". والجواب عن ذلك : أن فقهاء المالكية والإمام أحمد في رواية اختارها ابن تيمية وابن القيم قالوا: يجوز بيع المسلم فيه قبل قبضه في الجملة واشترط المالكية ألا يكون المسلم فيه طعاما التزاماً بظاهر حديث ابن عباس. واشترط ابن تيمية وابن القيم أن يكون البيع بثمن المثل أو دونه حتى لا يربح فيما لم يضمن، لأن ضمان المبيع لا يزال على البائع الأول. ويجاب عن هذا: بأن ضمان البائع الأول لا يمنع ضمان البائع الثاني. واحتج المجيزون لبيع المسلم فيه قبل قبضه في الجملة بالقياس على مشروعية السلم، وأما حديث ابن عباس المرفوع: " من ابتاع طعاماً فلا يبعه حتى يقبضه" فهو خاص بالبيع الناجز لمنع الغرر والجهالة بخلاف بيع السلم الذي استعاض عن ذلك بتحديد الأوصاف النافية للجهالة. وأما حديث أبي سعيد: "من أسلم في شيء فلا يصرفه في غيره" فقد ضعفه ابن حجر وغيره، وعلى التسليم بصحته فالمقصود منه إتمام صفقة السلم الأول في السلعة المعقود عليها فلا يجوز للمشتري أن يطلب من البائع في السلم عند تسليم المبيع سلعة أخرى غير السلعة التي تعاقد عليها إلا أن يكون ذلك عن تراض.
والإشكالية الفقهية الثالثة : هي في إبرام المصرف السلم الثاني بثمن مقسط على آجال ، وقد اتفق الفقه على أن رأس مال السلم يكون حالاً في مجلس التعاقد ويجوز تأخيره ليومين أو ثلاثة عند المالكية فكيف يكون على أقساط شهرية؟ والجواب عن ذلك : أن السلم الثاني سمي سلماً من باب المشاكلة ولكنه في الحقيقة بيع بالأجل أو بالآجال على وجه التقسيط وكان السلم في وصف المبيع ليقوم مقام العلم به.
وقد تدارس مجلس مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي في دورة مؤتمره التاسع 1415هـ 1995م أحكام السلم وتطبيقاته المعاصرة، وانتهى إلى إمكان تطبيق عقد السلم في تمويل الحرفيين والمزارعين في عمليات مختلفة ولا سيما تمويل المراحل السابقة لإنتاج وتصدير السلع والمنتجات الرائجة وذلك بشرائها سلماً وإعادة تسويقها بأسعار مجزية.
وبهذا يمكن للسلم المتوازي أن يفتح آفاقاً استثمارية بعيدة عن شبهة الربا لدخوله في مطلق البيع المنصوص على مشروعيته في قوله تعالى : " وأحل الله البيع" [البقرة : 275].









