التعريف بالقضية، وأهم سماتها:
المقصود بالعمليات التفجيرية المحرجة للنظام في الاصطلاح الفقهي والسياسي: تلك العمليات الناسفة لمنفذها- أو منفذيها- والمحيطين به على قدر قوة ما يحمله من مواد متفجرة، وذلك بهدف إحراج نظام معين بإمكان اختراق حماه، وكشف ضعف أجهزته الأمنية. وتتوجه تلك العمليات غالباً إلى المنشآت والقطاعات المدنية والتجارية.
ومن صور تلك العمليات: قتل المصلين في المساجد والكنائس، وخطف طائرات النقل المدني وتفجيرها، وعمليات تفجير السفارات وتفخيخ باصات السياح ووضع الألغام في طريقها ، والهجوم المفخخ على أماكن تجمع السياح أو المستهدفين في الفنادق والأسواق وغيرها، واستخدام الأسلحة الرشاشة للقتل العشوائي مع قتل المنفذين لعدم تعقب الجناة الحقيقيين، ونحو ذلك.
ومن أهم سمات هذه القضية: (1) أن المنفذ للتفجيرات ضحية وآلة في يد غيره غالباً. (2) أن المخطط لهذه التفجيرات يهدف إلى إحراج النظام الحاكم في بلد معينة بقصد إسقاطه، أو ابتزازه أو مساومته على مآرب أخرى. (3) أن هذه العمليات التفجيرية تتوجه غالباً إلى الآمنين العزل، وأكثرهم من كبار السن ومن النساء والأطفال سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين. (4) أن هذه العمليات لا تترك وراءها دليلاً للتعرف على المخططين، ولذلك تسمى بالعمليات النظيفة بسبب موت المنفذ قطعاً.
حداثة القضية وتأصيلها التاريخي
ترتبط قضية" العمليات التفجيرية المحرجة للنظام" في البلاد الإسلامية وغيرها بما يعرف باسم " تنظيم القاعدة" الذي يتزعمه رجل الأعمال السعودي أسامة بن لادن. وكان في أوائل الثمانينات من القرن العشرين بطلاً أسطورياً لمساعدته الأفغان في جهادهم للحصول على استقلالهم من المحتل السوفيتي الذي خرج آخر جنوده من أفغانستان في 15/ 2/ 1989م، وذلك في ظل المباركة الأمريكية التي كان من مصلحتها إضعاف السوفييت المنافسين على المركز الثاني للقوة في العالم ، وتحقق لهم الأمل بإعلان انهيار الاتحاد السوفيتي في
31/ 12/1991م، واطمأنت الولايات المتحدة الأمريكية على انفرادها بالقوة في العالم. وحدث إن انقلبت السياسة الأمريكية فصارت تعادي المجاهدين الأفغان، فأحدثت الفتنة بين قياداتهم في حرب أهلية، حتى سيطرت على مقاليد السلطة، وصار المجاهدون مع أسامة بن لادن فيما يعرف بتنظيم القاعدة – في النظر الأمريكي- إرهابيين . وعندما وقع حدث الأحداث بتوجيه طائرتي ركاب عملاقتين بمن فيهما لاقتحام المركز التجاري العالمي في نيويورك بتاريخ 11/9/2001م في أكبر واقعة تفجير على مدار التاريخ المعاصر- الذي راح ضحيته عشرات الآلاف من البشر من مختلف العقائد، فضلاً عن نفوق أموال تفوق في تقديرها مئات المليارات من الدولارات- كان المتهم الأول هو تنظيم القاعدة، وصار ذلك حدثاً يؤرخ له في العمليات التفجيرية التي تهدف إلى إحراج النظام الحاكم. وتوالت عمليات التفجير المشابهة في الغرض وهو إحراج النظام الحاكم في كثير من دول العالم. فعلى سبيل المثال: (1) مذبحة الأقصر بتاريخ 17/ 11/ 1997م، والتي راح ضحيتها 58 سائحاً. (2) تفجيرات الرياض التي قام بها تسعة من الانتحاريين في 12/5/2003م وقتل بسببها 26 سائحاً وجرح 160 آخرين. (3) تفجيرات شرم الشيخ بتاريخ 23 /6 /2005م والتي راح ضحيتها 88 سائحاً وجرح 200 آخرين. (4) التفجيرات البشعة والمتكررة بين صفوف الشيعة والسنة بالعراق، والتي شملت المساجد والأسواق والطرق العامة في السنوات الأخيرة وحتى الآن.
تحرير محل النزع في القضية
لا خلاف بين الفقهاء المعاصرين على تحريم" العمليات التفجيرية" بغير تأويل أو بغير غرض مشروع، وأنه من صور الانتحار المحرمة. كما أنه لا خلاف بينهم على أن التحريم لا يلحق بالمنفذ الذي لا يعلم شيئاً عما يحمل من مواد ناسفة. واختلف الفقهاء المعاصرون بعد ذلك مع بعض أصحاب المصالح السياسية من جماعات تصف نفسها بالجهادية في سائر صور التفجيرات بغرض إحراج النظام الحاكم على ثلاثة اتجاهات، ذهب الفقهاء إلى التحريم جزماً، وذهب بعض أصحاب المصالح إلى الجواز، وذهب بعض آخر إلى التفصيل في تلك العمليات فإن كانت في صفوف جهاز الأمن أو تجمعات غير المسلمين فتجوز، وإن كانت في صفوف المدنيين أو تجمعات المسلمين فلا تجوز.
أسباب الخلاف في القضية
يرجع اختلاف الفقهاء المعاصرين مع بعض أصحاب المصالح السياسية من الجماعات، التي تصف نفسها بالجهادية، في قضية التفجيرات لإحراج النظام الحاكم إلى عدة أسباب من أهمها: (1) تعارض الشبهة في اعتبار العمليات التفجيرية وسيلة عصرية ضرورية لتغيير المنكر الذي يمارسه النظام الحاكم مع طبيعة تلك العمليات من الفزع والإرهاب للآمنين. (2) الاختلاف في عصمة غير المسلمين في حكم الأصل. (3) الاختلاف في عصمة غير المسلمين في الديار الإسلامية. (4) الاختلاف في تقدير المصالح والمفاسد من العمليات التفجيرية لإحراج النظام الحاكم.
الاتجاهات الفقهية والعملية في حكم العمليات التفجيرية لإحراج النظام
اختلفت الرؤى الفقهية والعملية في حكم العمليات التفجيرية لإحراج النظام على ثلاثة اتجاهات، نفصلها فيما يلي بإذن الله تعالى.
الاتجاه الأول: يرى أن العمليات التفجيرية لإحراج النظام الحاكم من المحرمات والكبائر، وأن المشاركين فيها من الإرهابيين المفسدين، وأن المنفذين لها منتحرون مفسدون. وإلى هذا ذهب عامة الفقهاء المعاصرين، وهو ما يتفق مع ظاهر الأدلة ومقاصدها. وحجتهم
1) أن العمليات التفجيرية- في غير ساحة القتال المشروع- وسيلة منكرة شرعاً، فلا يجوز لمسلم أن يشارك فيها تخطيطاً أو تنفيذاً أو إقراراً؛ لما تفضي إليه من كبائر منها: قتل المعصومين والتمثيل بهم وخاصة النساء والأطفال، وإحداث الفزع والترويع وسط الآمنين، وإهلاك الأموال المعصومة، فضلاً عن الغدر وغيره من مفاسد عظام تظاهرت النصوص الشرعية بالنهي عنها، من ذلك: عموم قوله تعالى : " ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون" [الأنعام: 151]، وما أخرجه الشيخان من حديث أبي بكرة، أن النبي r قال في خطبة الوداع: " إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم وأبشاركم عليكم حرام"، وأخرج مسلم من حديث بريدة، أن النبي r كان إذا أمر أميراً على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيراً، ثم قال له: " أغزو باسم الله في سبيل الله...أغزو ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليداً". وأخرج ابن حبان وأحمد عن حنظلة الكاتب، وأخرجه أبو داود عن رباح بن ربيع، أن النبي r كان في غزاة فمر بامرأة مقتولة والناس عليها، فقال:" ما كانت هذه لتقاتل. أدرك خالداً فقل له: لا تقتل ذرية ولا عسيفاً"، وأخرج الإمام أحمد وأبو داود عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أصحاب رسول الله r، كما أخرجه الطبراني برجال ثقات عن النعمان بن بشير، أن النبي r قال: " لا يحل لمسلم أن يروع مسلماً" ، وأخرج الشيخان عن ابن عمر وعن أبي موسى الأشعري، أن النبي r قال: " من حمل علينا السلاح فليس منا".
(2) أن غير المسلمين كالمسلمين في العصمة في حكم الأصل، فلا يجوز قتلهم بغير حق ظاهر، وإلا كان كبيرة كقتل المسلمين. ومن هنا كان تحريم العمليات التفجيرية - في غير ساحة القتال المشروع- لعصمة المسلمين وغيرهم على السواء. ويدل على تلك العصمة عموم قوله تعالى : " ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون"
[الأنعام: 151]، وأخرج البخاري عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أن النبي r قال: " من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاماً"، وأخرجه ابن حبان عن أبي بكرة بلفظ:" من قتل نفساً معاهداً لم يرح رائحة الجنة". وأخرج أبو داود عن صفوان بن سليم عن عدة من أبناء أصحاب رسول الله r عن آبائهم دنية، أن رسول الله r قال: " ألا من ظلم معاهداً أو انتقصه، أو كلفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئاً بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة".
(3) أن الحربي مهدر الدم إذا دخل بلاد المسلمين بأمان بعضهم وعلم إمامهم صار معصوم الدم، لا يجوز الاعتداء عليه؛ لأن حياته صارت أمانة في ذمتهم جميعاً. وعلى هذا فلا يجوز بحال القيام بالعمليات التفجيرية بزعم القصد إلى هذا الحربي الذي صار آمناً؛ لما أخرجه أبو داود وأحمد، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن النبي rقال: " المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم، ويجير عليهم أقصاهم"، وأخرجه ابن ماجه عن ابن عباس، والنسائي وأحمد عن علي بألفاظ قريبة. كما يدل على تحريم قتل غير المسلمين الحربيين الذين دخلوا بلاد المسلمين بأمانهم عموم قوله تعالى: " وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون" [التوبة: 6]، وأخرج الإمام أحمد وأبو داود بإسناد حسن عن عبد الله بن مسعود، قال: جاء ابن النواحة وابن آثال رسولا مسيلمة إلى النبي r، فقال لهما: " أتشهدان أني رسول الله"؟ قال: " نشهد أن مسيلمة رسول الله. فقال النبي r : "آمنت بالله ورسوله، لو كنت قاتلاً رسولاً لقتلتكما". قال ابن مسعود: فمضت السنة أن الرسل لاتقتل.
(4) أن العمليات التفجيرية بدعوى إحراج النظام شر كلها، ولا مصلحة فيها، فكانت محرمة بالقطع؛ لأن الشريعة جبلت على جلب المصالح ودرء المفاسد. ومن أعظم مفاسد تلك العمليات التفجيرية إحداث القتل بغير حق، والتمثيل بالجثث ، وإرهاب الآمنين، وإهلاك المال، وأكثر من ذلك ما يتعلق بغسل عقول الشباب المسلم باسم الجهاد وإحداث الفتنة للتباغض والتكفير، وقد حذرنا النبي r من فتنة التكفير، فقد أخرج البخاري عن أبي هريرة، أن رسول الله r قال: " إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما"، وفي رواية للبخاري عن ابن عمر بلفظ:" أيما رجل قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما". زاد مسلم: " إن كان كما قال وإلا رجعت عليه".
الاتجاه الثاني: يرى أن العمليات التفجيرية لإحراج النظام من الوسائل التي فرضتها ضرورات العصر للإنكار على الحاكم، وإن المشاركين فيها من المجاهدين. وهو اتجاه جرى عليه العمل وتحملت مسئوليته تنظيم القاعدة وجماعات تصف نفسها بالجهادية. وحجتهم: (1) أن العمليات التفجيرية وسيلة فرضتها ضرورات العصر للإنكار على الحاكم، حيث لم يعد أمام تترس الحكام بالجيوش وأجهزة الأمن المتطورة إلا إحراجهم أمام الرأي العام بتلك العمليات لتكون سبباً في إسقاطهم وزعزعة عروشهم. ويدل على وجوب إنكار المنكر: ما أخرجه مسلم عن أبي سعيد الخدري أن النبي r قال: " من رأى منكم منكراً فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان"، وأخرج أبو داود عن عبد الله بن مسعود، والطبراني برجال الصحيح عن أبي موسى الأشعري، أن النبي r قال: " إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل: كان الرجل يلقى الرجل فيقول يا هذا اتق الله ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك، ثم يلقاه من الغد فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض"، ثم قرأ :"لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون"[المائدة: 78 ، 79] ، ثم قال: " كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على أيدي الظالم ولتأطرنه على الحق أطراً ولتقصرنه على الحق قصراً أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ، ويلعنكم كما لعنهم". ويمكن الجواب عن ذلك: بأن هذا دليل مبني على مبدأ الإيطالي نيكولا ميكافيلي ( 1469 – 1527م) القائل: " الغاية تبرر الوسيلة" ، وهو يتعارض مع القاعدة الشرعية التي تنص على أن : " للوسائل حكم المقاصد" ، فلا يجوز اتخاذ التفجيرات المهلكة للمسلمين والآمنين وأموالهم بدعوى إحراج النظام الحاكم، وقد قال تعالى: " ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى" [الأنعام : 164]. (2) أن المقتولين في العمليات التفجيرية إما أن يكونوا مسلمين فهم شهداء؛ لاستخدامهم في إسقاط عروش الظالمين، أو يكونوا غير مسلمين فهم غير معصومين؛ لعموم قوله تعالى:
" فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم" [التوبة :5]، وقال تعالى : " وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة واعلموا أن الله مع المتقين" [التوبة: 36]. وأخرج البخاري عن أنس بن مالك أن النبي r قال: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها وصلوا صلاتنا واستقبلوا قبلتنا وذبحوا ذبيحتنا فقد حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله". ويمكن الجواب عن ذلك: بأنه لا عذر في قتل المسلمين عمداً؛ لعموم قوله تعالى: "ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً" [النساء: 93]. وأما غير المسلمين فالأصل فيهم العصمة كالمسلمين، حيث يرى أكثر أهل العلم أن آية السيف منسوخة بقوله تعالى : " فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها" [ محمد: 4]، فقد جعل الله تعالى حكم الأسرى هو إخلاء السبيل مجاناً أو بعوض، فلم يوجب قتلهم. كما قال تعالى: " وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين" [البقرة: 190]. وقد استدل ابن تيمية وغيره من أهل العلم بهذه الآية على أن قتل غير المتأهبين للقتال من العدوان الذي يبغضه الله تعالى، وبهذا يصير الأصل في النفوس العصمة؛ لعموم ما أخرجه الشيخان من حديث أبي بكرة أن النبي r قال: " إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم وأبشاركم عليكم حرام".
(3) أن غير المسلمين إذا دخلوا الديار الإسلامية من دون عقد ذمة يدفعون بموجبه الجزية ويلتزمون بحرمات المسلمين فليس لهم عصمة، ومن أمثلتهم في هذا العصر السياح، خاصة مع عدم التزامهم بحرمات المسلمين ، الذين تستهدفهم العمليات التفجيرية؛ لقوله تعالى: " قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون"[التوبة: 29]. ويمكن الجواب عن ذلك: بأن الفقهاء أجمعوا على جواز منح الإذن المؤقت لغير المسلمين لدخول البلاد الإسلامية، ويكون لهم بذلك الأمان في أنفسهم وأموالهم؛ لعموم قوله تعالى : " وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون" [التوبة: 6]، وكل من دخل من غير المسلمين بلاد المسلمين بجواز سفر نظامي فهو في أمان المسلمين له ما لهم وعليه ما عليهم من حقوق إنسانية.
(4) أن العمليات التفجيرية لإحراج النظام الحاكم فيها من المصالح ما تجعلها مشروعة، ويغتفر في مفاسدها؛ للقاعدة الفقهية: " أعظم المصلحتين وأهون المفسدتين". فمن المصالح التي أثمرتها تلك العمليات: (1) ردع النظام المستهدف من التمادي في السياسة الخاطئة التابعة للغرب. (2) تحذير الرأي العام العالمي من غضبة المسلمين في محاولة لاسترداد هيبتهم. ويمكن الجواب عن ذلك: (1) بأن النظام المستهدف سيضطر إلى الاستعانة بالغرب للتقوى على هذه التفجيرات، فلم يتحقق الهدف. ثم إن مصلحة الردع مبنية على وهم أن القائمين على التفجيرات هم الأعرف بالمصلحة، فتكون عملياتهم التفجيرية وسيلة لفرض الرأي الذي تختلف فيه وجهات النظر، وهذا باطل. وعلى التسليم بهذه المصلحة الموهومة- وهي ردع النظام المستهدف- فهذه مصلحة مهدرة أمام عصمة الإنسان وكرامته التي تنتهك في تلك التفجيرات، والله تعالى يقول: " ولقد كرمنا بني آدم " [الإسراء: 70]. (2) أن التفجيرات للمدنيين العزل لن ترد هيبة المسلمين، بل بالعكس زادت الطين بلة باتهامهم جميعاً بالإرهاب، واشتدت وطأة الغرب عليهم، وصارت صفة الرحمة التي أقيمت عليها الشريعة إرهاباً، على خلاف قوله تعالى :" وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين" [الأنبياء: 107].
الاتجاه الثالث: يرى التفصيل في العمليات التفجيرية لإحراج النظام بحسب حالين.
الحال الأولى: أن تقع في صفوف جهاز الأمن فتجوز، أو تقع في صفوف المدنيين فلا تجوز؛ لأن المقصود هو النظام ، فلا تتعداه تلك العمليات.
الحال الثانية:أن تقع في تجمعات غير المسلمين فتجوز، أو تقع في تجمعات المسلمين فلا تجوز؛ لحرمة المسلم وعدم عصمة غيره.
وحجة أصحاب هذا الاتجاه: هو الجمع بين أدلة الاتجاهين السابقين. ويمكن الجواب عن ذلك: بأن الاتجاه الأول المحرم للعمليات التفجيرية لإحراج النظام هو الأظهر بأدلته. أما الاتجاه الثاني المجيز لتلك العمليات فلا حجة له، وما ذكره أصحابه من شبهة قد سبق الرد عليها، فلا يجوز العمل به.
التعقيب والاتجاه المختار:
المقصود بالعمليات التفجيرية المحرجة للنظام في الاصطلاح الفقهي والسياسي: تلك العمليات الناسفة لمنفذها- أو منفذيها- والمحيطين به على قدر قوة ما يحمله من مواد متفجرة، وذلك بهدف إحراج نظام معين بإمكان اختراق حماه، وكشف ضعف أجهزته الأمنية. وتتوجه تلك العمليات غالباً إلى المنشآت والقطاعات المدنية والتجارية.
وترتبط قضية" العمليات التفجيرية المحرجة للنظام" في البلاد الإسلامية وغيرها بما يعرف باسم " تنظيم القاعدة" الذي يتزعمه رجل الأعمال السعودي أسامة بن لادن. وكان في أوائل الثمانينات من القرن العشرين بطلاً أسطورياً لمساعدته الأفغان في جهادهم للحصول على استقلالهم من المحتل السوفيتي في ظل المباركة الأمريكية التي كان من مصلحتها إضعاف السوفييت المنافسين على المركز الثاني للقوة في العالم ، وتحقق لهم الأمل بإعلان انهيار الاتحاد السوفيتي في 31/ 12/1991م، ثم انقلبت السياسة الأمريكية وصارت تعادي المجاهدين الأفغان، وتطلق عليهم مصطلح "تنظيم القاعدة"، وتصفهم بالإرهابيين وتنسب لهم كل العمليات التدميرية والتفجيرية في كل بقاع الأرض وحملت الأنظمة الحكومية الأخرى على كراهيتهم ومعاداتهم حتى صاروا كذلك في نظر أنفسهم( أي نظر تنظيم القاعدة لنفسها أنها عدوة لكل الأنظمة الحكومية)، فاتخذوا تلك العمليات التفجيرية وسيلة لإحراج الأنظمة الحكومية المعاصرة. ولا شك أن قضية " العمليات التفجيرية المحرجة للنظام" هي أخطر القضايا التي تعرضت لها الأمة الإسلامية في الآونة الأخيرة على الإطلاق؛ لما تسببه تلك العمليات من الفساد بإهلاك الحرث والنسل للأبرياء الذين لا جريرة لهم ولا خصومة معهم، لمجرد اختلاف وجهات النظر السياسية بين المخططين لهذه العمليات وبين النظام الحاكم المستهدف إحراجه فيما يمكن معالجته بالحوار والمشاركة والصبر، كما قال تعالى: " ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين " [النحل: 125]، وقوله تعالى: " وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها" [طه: 132]،وقوله تعالى : " وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر" [العصر: 3]. وأخرج الشيخان عن ابن عباس، أن النبي r قال: " من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر عليه، فإنه من فارق الجماعة شبرا فمات إلا مات ميتة جاهلية". إلا أنه عندما تضيق الصدور عن الخلاف، وتغلق العقول عن التفكير تتحول لغة الحوار إلى القوة والبطش، وقد ساعد على انتشار هذا الداء التقنيات العلمية الفائقة في المجال العسكري مع المصالح الشخصية لمروجي السلاح.
وحيث إن الفقه هو الحل لجميع القضايا العملية بالحجة والبرهان فقد ذكرنا بكل أمانة الاتجاهات المختلفة الواردة على قضية" التفجيرات لإحراج النظام" وعرفنا أن الرؤية الفقهية لم تعرف إلا اتجاهاً واحداً، وهو تحريم تلك التفجيرات حماية للإنسان وتكريماً له مهما كان القصد وراء تلك التفجيرات، وهو ما تقتضيه ظاهر الأدلة الشرعية ومقاصدها. وكان ذكرنا للاتجاهات الأخرى التي تجيز تلك التفجيرات مطلقاً أو من وجه دون وجه إنما هو لبيان ما سلكه بعض المسلمين وصار أمراً واقعاً لا يستطيع الفقه أن يغفله بالذكر، وإن كان بدون مرجعية فقهية؛ ولذلك تعقبه بالرد الحكيم ليزيل الشبه التي قد تطرأ عند البعض، وليجلي الصورة الحقيقية للإسلام، وهي أن الإنسان أولاً ثم تأتني باقي المصالح بعد؛ لقوله تعالى:
" ولقد كرمنا بني آدم" [الإسراء : 70] وأخرج الشيخان عن ابن عمر وعن أبي موسى الأشعري قال :" من حمل علينا السلاح فليس منا". ومن هنا نعلم معنى الرحمة التي جعلها الله تعالى رسالة الإسلام في الأرض، كما قال سبحانه :" وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين" [الأنبياء: 107].









