نشأة القضية
لم تكن نشأة العمل السياسي بالنظام الحزبي في الدول الإسلامية، بل عرفته- أول ما عرف، كما دونته الموسوعة العربية العالمية- الدول غير الإسلامية في أوربا وأمريكا خلال القرن التاسع عشر الميلادي، وقبل ذلك ظهر حزبا الويج والتُوري في بريطانيا، حيث كان في القرن الثامن عشر الميلادي مجموعات متفرقة من ذوي المصالح المشتركة تهدف للسيطرة على الحكم ، ثم تطور الأمر إلى ما يعرف بنظام الأحزاب مع تطور نظم الحكم الديمقراطي الذي يجعل الحكم للشعب وبالعشب وينظم الوصول إليه عن طريق العمل الحزبي والنظام الانتخابي. بيد أن كثيراً من القادة الأوربيين لم يكونوا راضين عن نشوء الأحزاب ، لكن المصالح الاقتصادية والميول السياسية والاجتماعية هي التي جمعت بعض أناس إلى بعض، فكونوا منظمات سياسية تحولت بعد إلى أحزاب. وليس بالضرورة أن يكون النظام الحزبي علامة للديمقراطية، ففي العشرينيات والثلاثينيات من القرن العشرين استولت أحزاب مستبدة (فاشية) معادية للحرية على مقاليد الحكم في عدد من الدول الأوربية.
وفي مطلع القرن العشرين بدأ العمل بنظام الحزب السياسي في الدول الإسلامية بعد دخول القوات العسكرية البريطانية كثيراً من أراضيها، وما سببه هذا الاحتلال من عدوى التقليد بالمستعمر؛ خاصة مع عودة المبتعثين المصريين الذين اجتازوا مرحلة التعليم والدراسات العليا بالدول الأوربية. ولعل أول حزب سياسي عرفته الدول الإسلامية هو " الحزب الوطني" بمصر، والذي أعلن إنشاءه الزعيم مصطفى كامل في حضور مؤسسيه، ومن أبرزهم: محمد فريد وأحمد لطفي وعبد العزيز جاويش وسط اجتماع حاشد في مدينة الإسكندرية – في زيزينيا- سنة 1907م، وكان من أهم أهدافه : استقلال مصر والرجوع إلى معاهدة لندن سنة 1840م. والتي تنص على الحكم الذاتي في مصر تحت السيادة العثمانية ووضع دستور يكفل الرقابة البرلمانية على الحكومة.
كما عرفت الدولة الإسلامية العثمانية حزب الحرية والائتلاف العثماني الذي كان في الأصل مجرد كتلة للنواب العرب في البرلمان التركي سنة 1911م، وقد أسسه شيخ الإسلام مصطفى صبري ( من تركيا) وعبد الحميد الزهراني (من سوريا) ويتألف من القوميات المسلمة غير التركية. وكثرت بعد ذلك الأحزاب السياسية في مصر، وظلت تؤدي دوراً فاعلاً في الحركة الوطنية رغم اللغط الذي دار حول نشاط بعضها. وعندما قامت ثورة يوليو 1952م حلت جميع الأحزاب السياسية، واتخذت نظام الاتحاد القومي تنظيماً سياسياً لتحقيق أهداف الثورة، وذلك بعد إعلان النظام الجمهوري وإلغاء النظام الملكي سنة 1953م، وفي 4 يوليو 1962 أعلن الرئيس جمال عبد الناصر إنشاء الاتحاد الاشتراكي العربي ليكون التنظيم السياسي الشعبي الذي تتحالف فيه قوى الشعب العامل من جميع الطبقات، ويكون بديلاً للاتحاد القومي. وفي عام 1974م أعلن الرئيس محمد أنور السادات خطة سياسية جديدة سمح بموجبها إنشاء منابر سياسية متميزة بداخل الاتحاد الاشتراكي، تحولت فيما بعد إلى ثلاثة أحزاب أساسية: اليمين والوسط واليسار، وذلك بعد صدور القانون رقم 40 لسنة 1977م بشأن نظام الأحزاب السياسية. وفي أواخر الثمانينات من القرن العشرين ألغي الاتحاد الاشتراكي العربي، وتمت الموافقة على تكوين أحزاب بشروط. وكانت جماعة الإخوان المسلمين التي أسسها الشيخ حسن البنا ( 1906 – 1949م) قد بدأت نشاطها بالدعوة في الإسماعيلية سنة 1929م، ثم انتقل الشيخ إلى القاهرة وأنشأ فيها دار الإخوان في صورة جماعة وليس حزباً، فكان من أقواله المطبوعة مؤخراً في مجموعة رسائله (ص 166 وما بعدها): " إن لي في الحزبية السياسية آراءً هي لي خاصة، ولا أحب أن أفرضها على الناس ، فإن ذلك ليس لي ولا لأحد.. إن الحزبية السياسية إن جازت في بعض الظروف في بعض البلدان فهي لا تجوز في كلها، وهي لا تجوز في مصر أبداً، وبخاصة في هذا الوقت الذي نستفتح فيه عهداً جديداً ونريد أن نبني أمتنا بناء قوياً... إن الإسلام هو دين الوحدة في كل شيء لا يقر نظام الحزبية ولا يرضاه ولا يوافق عليه". ولم تكن جماعة الأخوان دعوية فقط، فقد بدأ الشيخ حسن البنا بعد إنشاء جماعته يتصل بالجيش وتنظيم الضباط، وفي عام 1947م دفع الشيخ البنا بعض كتائبه إلى فلسطين حيث شاركت في الحرب العربية الإسرائيلية ، ثم اضطربت العلاقة بين الجماعة وبين الحكومة وكان من آثارها مقتل الشيخ المرشد أمام دار الشبان المسلمين بالقاهرة في 12 فبراير 1949م. وجاء المرشد العام الثاني للجماعة المستشار حسن الهضيبي وأبقى الوضع على حاله خاصة وأن الثورة قد ألغت العمل بنظام الأحزاب، وعندما جاء المرشد العام الثالث الشيخ عمر التلمساني في عهد السادات، الذي أعاد نظام العمل بالأحزاب أعلن المرشد العام اختياره للعمل الحزبي ، فقال الشيخ التلمساني: " إذا لم يكن من قيام الحزب به فمن العجز الفكري أن نقف حائرين، بل نسلك كل طريق مشروع يمكننا من نشر دعوتنا في كل الأوساط" [التلمساني ذكريات لا مذكرات ص 186] وجاء من بعده المرشد العام الرابع الشيخ محمد حامد أبو النصر، فأكد هذا التوجه، وكان مما قال: " عندما أصبح الأخوان عنصراً فاعلاً في الساحة السياسية والاجتماعية كان لابد من إيجاد قناة قانونية للممارسة، ولذلك قرر الإخوان تكوين حزب سياسي" [جريدة الأحرار في 8/ 8/ 1988ص 4]. وبهذا تجسدت قضية " العمل السياسي بالنظام الحزبي في الدول الإسلامية" عند الفقهاء المعاصرين بين المؤيدين وبين المعارضين.
التعريف بالنظام الحزبي في العمل السياسي والفرق بينه وبين النظام النقابي المهني.
الحزب في اللغة: الجماعة من الناس ، وكل قوم تشاكلت قلوبهم وأعمالهم فهم أحزاب وإن لم يلق بعضهم بعضاً. وحزب الرجل: أصحابه وجنده الذين مع رأيه. والجمع أحزاب. والحزب في الاصطلاح السياسي: هو كما عرفته الموسوعة العربية العالمية: " مجموعة منظمة تسيطر أو تسعى للسيطرة على الحكم في البلاد الديمقراطية". كما تنص المادة الثانية من القانون 40 لسنة 1977م بشأن نظام الأحزاب السياسية على أنه: "يقصد بالحزب السياسي كل جماعة منظمة تؤسس طبقا لأحكام هذا القانون، وتقوم على مبادئ وأهداف مشتركة وتعمل بالوسائل السياسية الديمقراطية لتحقيق برامج محددة تتعلق بالشئون السياسية والاقتصادية والاجتماعية للدولة، وذلك عن طريق المشاركة في مسئوليات الحكم". ويجب أن يكون للحزب برنامج يعبر عن أفكاره وأهدافه- كما ذكر أكثر أساتذة القانون الدستوري- وبهذا يقوم الحزب السياسي على ثلاثة أركان رئيسة، هي: أ- هيكل تنظيمي. ب- أعضاء من الشعب ينتمون إلى هذا التنظيم. جـ- برنامج يعبر عن الأهداف المرجوة من نظام الحكم. ويشترط قانون الأحزاب السياسية المصري سالف الذكر في مادته الرابعة فقرة (1) لتأسيس أو استمرار أي حزب سياسي : " عدم تعارض مبادىء الحزب أو أهدافه أو برامجه أو سياساته أو أساليبه في ممارسة نشاطه مع الدستور أو مع مقتضيات الوحدة الوطنية والسلام الاجتماعي والنظام الديمقراطي. وأن تكون للحزب برامج تمثل إضافة للحياة السياسية وفق أهداف وأساليب معينة وعدم قيام الحزب في مبادئه أو برامجه أو في مباشرة نشاطه أو في اختيار قياداته أو أعضائه على أساس ديني أو طبقي، أو طائفي ، أو فئوي أو جغرافي أو على استغلال المشاعر الدينية أو التفرقة بسبب الجنس أو الأصل أو العقيدة".
ويختلف الحزب السياسي عن جماعات الضغط التي تتكون من الاتحادات المهنية والنقابات العمالية في عدم سعي جماعات الضغط إلى تولي السلطة في البلاد ، ولكنها تسعى إلى الضغط على الحكومات لتحقيق مصلحة فئاتها وأعضائها.
تحرير محل النزاع
لا خلاف بين الفقهاء المعاصرين على مشروعية العمل السياسي بالضوابط الشرعية باسم الجماعة أو المذهب أو الحركة أو نحو ذلك دون اسم للحزب. كما أنه لا خلاف بينهم أيضاً على عدم مشروعية العمل الحزبي للإضرار بالدين أو بالإنسان بصفته الإنسانية. وإنما يتحرر النزاع الفقهي في العمل السياسي بنظام الحزب تبعاً للنظام الديمقراطي دون الضوابط الشرعية ولو لم يكن برنامج الحزب ضاراً بالدين أو بالمسلمين. وقد تحصل من أقوال الفقهاء المعاصرين اتجاهان في الجملة، أحدهما يرى الجواز بالضوابط الشرعية العامة، والثاني يرى المنع والتحريم مطلقاً.
سبب الخلاف
يرجع اختلاف الفقهاء المعاصرين في قضية "العمل السياسي بالنظام الحزبي في الدول الإسلامية" إلى عدة أسباب من أهمها: (1) الاختلاف في العمل تحت اسم الحزب؛ لما يوحي لفظه من القيود العقائدية والانضباطية الصارمة. (2) الاختلاف في قبول الشروط القانونية المنظمة للعمل بالنظام الحزبي على وفق مبادئ الديمقراطية دون المبادئ الدينية. (3) الاختلاف في تقدير المصالح والمفاسد من العمل السياسي بالنظام الحزبي.
الاتجاهات الفقهية في القضية
يمكن إجمال أقوال الفقهاء المعاصرين في حكم العمل السياسي بالنظام الحزبي في الدول الإسلامية في اتجاهين متقابلين بين الجواز والمنع، كما يأتي تفصيله.
الاتجاه الأول: يرى جواز العمل السياسي بالنظام الحزبي في الدول الإسلامية بالضوابط الشرعية العامة. وإليه ذهب أكثر الفقهاء المعاصرين، ومن أشهرهم الدكتور يوسف القرضاوي، والدكتور صلاح الصاوي الأمين العام لمجمع فقهاء الشريعة بأمريكا، وبه أخذت الجماعات الإسلامية ذات النشاط السياسي مثل "الإخوان المسلمون" وحركة "التحرير الإسلامي" بالأردن، و"الجبهة الإسلامية للإنقاذ" بالجزائر، و"الجبهة الإسلامية القومية" بالسودان، وحركة "المقاومة الإسلامية حماس" بفلسطين. وحجتهم: (1) أن العمل تحت اسم الحزب السياسي في المسائل العامة كالعمل تحت اسم المذهب الفقهي في المسائل الفرعية؛ خاصة وأنه لا يوجد نهي شرعي للعمل السياسي تحت اسم الحزب، فكان العمل به مشروعاً؛ أخذاً بالإباحة الأصلية، وأن العبرة في المصطلحات بالمعاني لا بالمباني. والحزب يقوم على تعاون بين جماعة متفقة الأهداف والأسلوب في خدمة العمل السياسي الإسلامي، فكان في حكم المذهب الفقهي. يقول الدكتور يوسف القرضاوي في كتابة: فقه الدولة (ص 151): "إن الأحزاب مذاهب في السياسة والمذاهب أحزاب في الفقه"، وهذا تطبيق للقاعدة الفقهية المعاصرة التي تعتمد: "سلفية المنهج وعصرية المواجهة".
(2) أن الشروط القانونية المنظمة للعمل بالنظام الحزبي على وفق مبادئ الديمقراطية دون المبادئ الدينية لا تحول دون العمل بما لا يعارضها؛ لأمرين. الأمر الأول: أن هذه الشروط قابلة للتحايل عليها؛ عملاً بما يمكن الجمع بينها وبين أحكام الشريعة الإسلامية. كما أن أحكام الشريعة الإسلامية فيها من التعددية الفقهية ما يتفق في بعض أوجهها مع تلك الشروط القانونية. الأمر الثاني: أنه عند تعارض الشروط القانونية الملزمة قسراً مع بعض أحكام الشريعة الإسلامية فإن في قاعدة الضرورة مندوحة شرعاً؛ لعموم قوله تعالى: "وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه" [الأنعام: 119]، وما أخرجه ابن حبان والدار قطني عن ابن عباس، وابن ماجه عن أبي ذر، أن النبي r قال: "إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه".
(3) أن الشريعة الإسلامية جاءت بتقرير العمل بالمصالح المرسلة وتقديم أعظم المصلحتين وأهون المفسدين، وهذا ما يتفق مع العمل السياسي بالنظام الحزبي في الدول الإسلامية، حيث أخذت دساتيرها – في الجملة – بنظام الحكم الديمقراطي الذي يعتمد على السياسة الحزبية والبرلمانية بطريق الانتخابات، فلم يعد للمسلمين من طريق آمن للتغيير من أجل تحكيم الشريعة إلا مجاراة النظام الحزبي. وإذا اعتزل المسلمون سبيل الأحزاب السياسية فسيتولاها غيرهم، وسيضيعون ما تبقى من هوية إسلامية وأحكام شرعية، وهذا أشر الفساد.
الاتجاه الثاني: يرى تحريم العمل السياسي بالنظام الحزبي في الدول الإسلامية مطلقا اكتفاء بنظام الشورى. وإلى هذا ذهب بعض الفقهاء المعاصرين، ومن أشهرهم الشيخ حسن البنا مؤسس جماعة "الإخوان المسلمون". وهو وجه محتمل. وحجتهم: (1) أن اسم الحزب في ذاته يشكل مانعاً شرعياً من الانضمام إليه من ثلاث جهات. الجهة الأولى: دلالة لفظ الحزب على التفرق، مع أمر الإسلام بالاتحاد، ومن ذلك: قوله تعالى: "إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيئاً لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون" [الأنعام: 159]، وقوله تعالى: "واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا" [آل عمران: 103]. وأخرج الإمام أحمد والبزار برجال ثقات عن النعمان بن بشير أن النبي r قال: "الجماعة رحمة والفرقة عذاب". وأخرج البيهقي في شعب الإيمان وأحمد والحاكم والترمذي وصححاه عن عمر بن الخطاب أن النبي r قال: "عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد". الجهة الثانية: أن لفظ الحزب أكثر ما ورد في القرآن الكريم جاء مقترناً بالذم والوعيد إلى أعداء الدين، قال تعالى: "منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين. من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً كل حزب بما لديهم فرحون" [الروم: 32،31]، وقال تعالى: "فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون" [المؤمنون: 53]. الجهة الثالثة: أن الله تعالى لم يرض للمؤمنين سوى حزبه، فلم يكن لأحد منهم الاختيار عليه، قال تعالى: "رضي الله عنه ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون" [المجادلة: 22]. وقد بين الله تعالى نظام الحكم في حزبه عن طريق الشورى في قوله سبحانه: "والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاه وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون" [الشورى: 38].
وأجيب عن ذلك: (أ) أن المفهوم الحديث للحزب السياسي يختلف عن المفهوم القديم للحزب الذي كان يعتمد على العصبية الجاهلية وما ينتج عنها من تفرق؛ حيث إن الحزب السياسي الحديث يثري الحياة السياسية قياساً على المذهب الفقهي الذي يثري الحياة الفقهية. وقد جاء مدح المذاهب الفقهية في عموم قوله تعالى: "فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون" [التوبة: 122]. (ب) أن القرآن الكريم عندما أورد الذم على أهل الأحزاب لم يكن لاسم الحزب، وإنما كان لتفننهم في الإضرار بالدين. أما الأحزاب السياسية فقد أنشئت لسياسة الناس وجمعهم على كلمة سواء وليس للإضرار بالدين. (جـ) أن وصف القرآن الكريم للمؤمنين بأنهم في حزب الله تعالى لا يمنع اتخاذهم الأحزاب السياسية على اختلاف أسمائها كمنابر لإعلاء كلمة الله. وكذلك وصف المؤمنين بأن أمرهم شورى بينهم لا يمنع اتخاذهم الأحزاب السياسية لتيسير أمر الشورى على عموم الناس بالانتخابات، وفي هذا اتساع لدائرة الشورى التي كانت قاصرة على أهل الحل والعقد، وكثيرا ما كان بعض الحكام المسلمين في بعض الأزمنة يغفلون حق الشورى ويمارسون الاستبداد، فكانت المندوحة في إقرار العمل الحزبي.
(2) أن الشروط القانونية المنظمة للعمل بالنظام الحزبي على وفق المبادئ الديمقراطية دون المبادئ الدينية تجعل من ممارسة العمل الحزبي معصية لله تعالى في ذاتها من جهتين. الجهة الأولى: تعارض مبادئ الديمقراطية، التي تسوي بين المسلم وغيره، مع قاعدة "الولاء والبراء" التي يدل عليها ما أخرجه الطبراني في الكبير والبغوي في شرح السنة بإسناد حسن، عن ابن عباس، أن النبي r قال: "أوثق عرى الإيمان الموالاة في الله، والمعاداة في الله، والحب في الله، والبغض في الله". الجهة الثانية: تعارض طبيعة الديمقراطية التي تشعل المنافسة في طلب الإمارة مع النصوص الناهية عن طلبها، ومن ذلك ما أخرجه الشيخان عن أبي موسى الأشعري، قال: دخلت على النبي r أنا ورجلان من قومي، فقال أحد الرجلين: أمرنا يا رسول الله، وقال الأخر: مثله. فقال r: "إنا لا نولي هذا من سأله ولا من حرص عليه". وأجيب عن هذا: (أ) أن قاعدة "الولاء والبراء" لا تمنع مؤاخاة غير المسلمين في الإنسانية والإنصاف لهم، كما قال تعالى: "ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى" [المائدة: 8]، وقال تعالى: "لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين" [الممتحنة: 8]، وأخرج البخاري من حديث أنس بن مالك، أن النبي r قال: "انصر أخاك ظالما أو مظلوما". قالوا: يا رسول الله، هذا ننصره مظلوما فكيف ننصره ظالما؟ فقال r: "تأخذ فوق يديه". (ب) أن طلب الولاية وإن كان مكروها عند جمهور الفقهاء إلا أن بعضهم يرى استحبابه لمن وجد في نفسه الأمانة والكفاءة، وقد استدل القرطبي على ذلك بطلب يوسف -عليه السلام- في قوله سبحانه:"قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم" [يوسف: 55]. وأما الأحاديث الناهية عن طلب الإمارة فهي خاصة بمن يطلبها لمصلحة نفسه وليس للمصلحة العامة.
(3) أن المصالح المرسلة التي جاءت الشريعة الإسلامية بتقريرها – وتقرير دفع المفاسد أيضاً – تستوجب الامتناع عن ممارسة العمل السياسي بالنظام الحزبي في الدول الإسلامية؛ لأن البعد عن الحزبية السياسية يحقق للمسلمين صفة الجماعة الواحدة التي قال الله عنها: "إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون" [الأنبياء: 92]، وقال تعالى: "وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون" [المؤمنون: 52]. كما أن البعد عن الحزبية الساسية يدفع عن المسلمين شر التفرق، كما قال تعالى: "وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين" [الأنفال: 46]. وأجيب عن ذلك: بأن الاختلاف المذهبي في الفقه، أو الاختلاف الحزبي في السياسة لا يتعارض مع وحدة الأمة، بل هو ضرورة شرعية؛ لعموم قوله تعالى: "ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين. إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم" [هود: 118، 119]. وأما القول بأن البعد عن النظام الحزبي يدفع شر التفرق فهو قول مبني على تعريف الحزب بالمعنى الجاهلي من العصبية، ولا يتفق مع معنى الحزب السياسي من الاجتماع على إبانة المصالح من جهة دون جهة، كما هو الشأن في المذاهب الفقهية.
التعقيب والاتجاه المختار: تعتمد الشريعة الإسلامية في نظام حكمها على الشورى، والاحتكام لأهل الحل والعقد في الأمور العامة، مما يشبع طوائفها حاجتهم في المشاركة السياسية. ولم تكن دول أوربا وأمريكا على بينة من نظام الشورى الإسلامي، الأمر الذي أثار حفيظة بعض طوائف شعوبهم للمنازعة في استحقاق ولاية الحكم عن طريق ما عرف باسم الحزب السياسي. ويعرف الحزب بأنه: " مجموعة منظمة تقوم على مبادىء وأهداف مشتركة تسيطر، أو تسعى للسيطرة، على الحكم في البلاد الديمقراطية؛ لتحقيق برامج محددة تتعلق بالشئون السياسية والاقتصادية والاجتماعية للدولة". وكان العمل السياسي بالنظام الحزبي قد عرف لأول مرة في أوربا وأمريكا خلال القرن التاسع عشر الميلادي، وقبل ذلك ظهر حزبا الويج والتُوري في بريطانيا، حيث كان في القرن الثامن عشر الميلادي مجموعات متفرقة من ذوي المصالح المشتركة تهدف للسيطرة على الحكم ، ثم تطور الأمر إلى ما يعرف بنظام الأحزاب مع تطور نظم الحكم الديمقراطي الذي يجعل الحكم للشعب وبالعشب وينظم الوصول إليه عن طريق العمل الحزبي والنظام الانتخابي. وفي مطلع القرن العشرين بدأ العمل بنظام الحزب السياسي في الدول الإسلامية بعد دخول القوات العسكرية البريطانية كثيراً من أراضيها، وما سببه هذا الاحتلال من عدوى التقليد بالمستعمر؛ خاصة مع عودة المبتعثين المصريين الذين اجتازوا مرحلة التعليم والدراسات العليا بالدول الأوربية.
وعندما قامت ثورة يوليو 1952م حلت جميع الأحزاب السياسية؛ وذلك بعد إعلان النظام الجمهوري وإلغاء النظام الملكي سنة 1953م. وفي عام 1974م عادت مصر إلى نظام الأحزاب تدريجياً في صورة منابر سياسية إلا أن صدر القانون رقم 40 لسنة 1977م بشأن نظام الأحزاب السياسية؛ والذي منع قيام الحزب على أساس ديني. وكان الشيخ حسن البنا – مؤسس جماعة "الإخوان المسلمون"- قد أعلن بعد تأسيس جماعته سنة 1929م رفضه لفكرة الأحزاب السياسية، ونسب ذلك إلى الشريعة الإسلامية. وعندما تولى الشيخ عمر التلمساني منصب المرشد العام للإخوان فى السبعينيات أعلن اختياره للعمل الحزبي استناداً إلى أحكام الشريعة الإسلامية، وتبعه كل من جاء بعده من قيادات الإخوان حتى الآن.
وقد أثارت قضية "العمل السياسي بالنظام الحزبي في الدول الإسلامية" جدلاً فقهياً واسعاً أثمر عن ميلاد اتجاهين دائرين بين الجواز والمنع. والعجيب أن هذين الاتجاهين المتقابلين قد أبرزا سعة الشريعة الإسلامية ومرونتها باحتمال نصوصها سلامة العمل بأي اتجاه منهما، باعتباره طريقا صحيحة لسياسة الناس والأخذ بأيديهم إلى التعاون على البر والتقوى، والتأكيد على أن الشريعة الإسلامية قابلة لتطوير نفسها دون المساس بأصولها الثابتة، وقادرة على التكيف مع كل الأوضاع عملاً بالقاعدة الفقهية المعاصرة: "سلفية المنهج وعصرية المواجهة".
ويرجع سبب الخلاف في هذه القضية إلى عدة أسباب من أهمها: (1) الاختلاف في العمل تحت اسم الحزب؛ لما يوحي لفظه من القيود العقائدية والانضباطية الصارمة. (2) الاختلاف في قبول الشروط القانونية المنظمة للعمل بالنظام الحزبي على وفق مبادئ الديمقراطية دون المبادئ الدينية. (3) الاختلاف في تقدير المصالح والمفاسد من العمل السياسي بالنظام الحزبي.
وحيث إن قضية "العمل السياسي بالنظام الحزبي في الدول الإسلامية" من القضايا التي يحتاج فيها أولوا الأمر وذووا الشأن استبانة آراء الفقهاء المعاصرين؛ لرصد الحراك الفقهي، فإنني أرى اختيار ما ذهب إليه أكثر الفقهاء المعاصرين مؤخراً، وما جرى عليه العمل من المسلمين النشطاء سياسياً الذين يرون مشروعية الممارسة السياسية بالنظام الحزبي في الدول الإسلامية؛ وذلك لقوة أدلتهم، ولعدم تعارض هذا النظام مع الأحكام الشرعية في الجملة، فضلاً عن صيرورته لغة عالمية في نظام الحكم لشعوب مختلطة العقائد والمذاهب.









