تعتمد الشريعة الإسلامية في نظام حكمها على الشورى، والاحتكام لأهل الحل والعقد في الأمور العامة، مما يشبع طوائفها حاجتهم في المشاركة السياسية. ولم تكن دول أوربا وأمريكا على بينة من نظام الشورى الإسلامي، الأمر الذي أثار حفيظة بعض طوائف شعوبهم للمنازعة في استحقاق ولاية الحكم عن طريق ما عرف باسم الحزب السياسي. ويعرف الحزب بأنه: " مجموعة منظمة تقوم على مبادىء وأهداف مشتركة تسيطر، أو تسعى للسيطرة، على الحكم في البلاد الديمقراطية؛ لتحقيق برامج محددة تتعلق بالشئون السياسية والاقتصادية والاجتماعية للدولة". وكان العمل السياسي بالنظام الحزبي قد عرف لأول مرة في أوربا وأمريكا خلال القرن التاسع عشر الميلادي، وقبل ذلك ظهر حزبا الويج والتُوري في بريطانيا، حيث كان في القرن الثامن عشر الميلادي مجموعات متفرقة من ذوي المصالح المشتركة تهدف للسيطرة على الحكم ، ثم تطور الأمر إلى ما يعرف بنظام الأحزاب مع تطور نظم الحكم الديمقراطي الذي يجعل الحكم للشعب وبالعشب وينظم الوصول إليه عن طريق العمل الحزبي والنظام الانتخابي. وفي مطلع القرن العشرين بدأ العمل بنظام الحزب السياسي في الدول الإسلامية بعد دخول القوات العسكرية البريطانية كثيراً من أراضيها، وما سببه هذا الاحتلال من عدوى التقليد بالمستعمر؛ خاصة مع عودة المبتعثين المصريين الذين اجتازوا مرحلة التعليم والدراسات العليا بالدول الأوربية.
وعندما قامت ثورة يوليو 1952م حلت جميع الأحزاب السياسية؛ وذلك بعد إعلان النظام الجمهوري وإلغاء النظام الملكي سنة 1953م. وفي عام 1974م عادت مصر إلى نظام الأحزاب تدريجياً في صورة منابر سياسية إلا أن صدر القانون رقم 40 لسنة 1977م بشأن نظام الأحزاب السياسية؛ والذي منع قيام الحزب على أساس ديني. وكان الشيخ حسن البنا – مؤسس جماعة "الإخوان المسلمون"- قد أعلن بعد تأسيس جماعته سنة 1929م رفضه لفكرة الأحزاب السياسية، ونسب ذلك إلى الشريعة الإسلامية. وعندما تولى الشيخ عمر التلمساني منصب المرشد العام للإخوان فى السبعينيات أعلن اختياره للعمل الحزبي استناداً إلى أحكام الشريعة الإسلامية، وتبعه كل من جاء بعده من قيادات الإخوان حتى الآن.
وقد أثارت قضية "العمل السياسي بالنظام الحزبي في الدول الإسلامية" جدلاً فقهياً واسعاً أثمر عن ميلاد اتجاهين دائرين بين الجواز والمنع. والعجيب أن هذين الاتجاهين المتقابلين قد أبرزا سعة الشريعة الإسلامية ومرونتها باحتمال نصوصها سلامة العمل بأي اتجاه منهما، باعتباره طريقا صحيحة لسياسة الناس والأخذ بأيديهم إلى التعاون على البر والتقوى، والتأكيد على أن الشريعة الإسلامية قابلة لتطوير نفسها دون المساس بأصولها الثابتة، وقادرة على التكيف مع كل الأوضاع عملاً بالقاعدة الفقهية المعاصرة: "سلفية المنهج وعصرية المواجهة".
ويرجع سبب الخلاف في هذه القضية إلى عدة أسباب من أهمها: (1) الاختلاف في العمل تحت اسم الحزب؛ لما يوحي لفظه من القيود العقائدية والانضباطية الصارمة. (2) الاختلاف في قبول الشروط القانونية المنظمة للعمل بالنظام الحزبي على وفق مبادئ الديمقراطية دون المبادئ الدينية. (3) الاختلاف في تقدير المصالح والمفاسد من العمل السياسي بالنظام الحزبي.
وحيث إن قضية "العمل السياسي بالنظام الحزبي في الدول الإسلامية" من القضايا التي يحتاج فيها أولوا الأمر وذووا الشأن استبانة آراء الفقهاء المعاصرين؛ لرصد الحراك الفقهي، فإنني أرى اختيار ما ذهب إليه أكثر الفقهاء المعاصرين مؤخراً، وما جرى عليه العمل من المسلمين النشطاء سياسياً الذين يرون مشروعية الممارسة السياسية بالنظام الحزبي في الدول الإسلامية؛ وذلك لقوة أدلتهم، ولعدم تعارض هذا النظام مع الأحكام الشرعية في الجملة، فضلاً عن صيرورته لغة عالمية في نظام الحكم لشعوب مختلطة العقائد والمذاهب.








