Get Adobe Flash player

المرابحة للآمر بالشراء صيغة من صيغ الاستثمار وتوظيف الأموال التي انتشرت في المصارف أو البنوك الإسلامية المعاصرة، وقد توهم بعض الباحثين فاحتسب هذه المعاملة من النوازل المستحدثة، والحق أنها من المسائل المندثرة، والجديد هو انتشارها وتقنينها، فقد روى الإمام مالك بلاغاً أن ابن عمر كان يكره أن يقول الرجل للآخر: ابتع لي هذا البعير بنقد حتى أبتاعه منك إلى أجل ويراه ممنوعاً. وجاء في كتاب الحيل لمحمد بن الحسن الشيباني صاحب الإمام أبي حنيفة ما نصه: " قلت أرأيت رجلاً أمر رجلاً أن يشتري داراً بألف درهم، وأخبره أنه إن فعل اشتراها الآمر بألف درهم ومائة، فأراد المأمور شراء الدار ثم خاف إن اشتراها أن يبدو للآمر فلا يأخذها، فتبقى في يد المأمور كيف الحيلة في ذلك؟ قال: يشتري المأمور الدار على أنه بالخيار فيها ثلاثة أيام ويقبضها ويجيء الآمر ويبدأ فيقول: قد أخذت منك هذه الدار بألف ومائة، فيقول المأمور : هي لك، فيكون ذلك للآمر لازماً ويكون استيجاباً من المأمور للمشتري. ولا يقل المأمور مبتدئاً: بعتك إياها بألف ومائة؛ لأن خياره يسقط بذلك فيفقد حقه في إعادة البيت إلى بائعه ، وإن لم يرغب الآمر في شرائها تمكن المأمور من ردها بشرط الخيار، فيدفع عنه الضرر بذلك". والحقيقة أن المرابحة للآمر بالشراء فرع من المرابحة البسيطة. والمرابحة في اللغة: تحقيق الربح وهو النماء، ويرى الفقهاء أن المرابحة تطلق على بيع السلعة بالثمن الذي اشتراها به مع زيادة ربح معلوم، وهذا الربح قد يكون مبلغاً مقطوعاً وقد يكون نسبة من الثمن الذي هو رأس المال. وصورتها أن يقول صاحب السلعة عند بيعها: لقد اشتريتها بألف- مثلاً- وأبيعها لك على أن تربحني مائة، أو على أن تربحني نسبة معينة كواحد في المائة أو أكثر. وقد أجمع الفقهاء على مشروعية هذه المرابحة البسيطة كما حكاه الكاساني وابن قدامة وغيرهما من أئمة الفقهاء ؛ لأنها قائمة على الأمانة والتراضي ولأن الأصل في المعاملات الجواز إلا بنص يمنع، ولا يوجد.

وقد تفرع عن هذه المرابحة البسيطة التي تقع من طرفين مرابحة أخرى مركبة تتكون من ثلاث أطراف وتشتمل على عمليتين أو أكثر للمعقود عليه، وهي المعروفة باسم المرابحة للآمر بالشراء أو المرابحة للواعد بالشراء. وصورتها: أن يتوجه العميل إلى أحد الممولين (المصرف أو غيره من ذوي الملاءة) ويتعهد أو يقدم له وعداً مؤكداًَ أنه في حال امتلاك هذا الممول (المصرف) لسلعة معينة كالدار الفلانية أو السيارة الفلانية فإن العميل سيشتريها من هذا الممول بسعر عاجل أو آجل أو على أقساط على سبيل المرابحة بمبلغ مقطوع أو بنسبة محددة يتفقان عليها. وبهذا يتضح أن بيع المرابحة للآمر بالشراء يشتمل على ثلاث عمليات. العملية الأولى: أن يحدد العميل بعد البحث في السوق السلعة التي يرغب في اقتناءها إما بالتعيين أو بالأوصاف النافية للجهالة. العملية الثانية: أن يتواعد العميل (الآمر بالشراء) مع الممول في أن يشتري الممول السلعة المطلوبة من السوق باسمه ولصالحه، وأن العميل سيقوم على الفور في مدة معينة بشراء تلك السلعة من الممول مرابحة على أقساط غالباً. العملية الثالثة: يقوم العميل بشراء ذات السلعة من الممول بطريق المرابحة بثمن مؤجل على أقساط غالباً. والعميل إنما يتوجه إلى هذه الطريق لعجزه غالباً عن دفع الثمن معجلاً للسلعة المطلوبة، كما أن العميل في الغالب لا يتوجه إلى الممول إلا بعد الاستقرار على السلعة التي يرغب اقتناءها باختياره فيتحقق مراده بسبيل تجاري لا ربوي. والممول إنما يقبل طلب هذا العميل لأنه يجد السوق المبكرة للسلعة والمربحة له فتقل مخاطر التوظيف لماله.

وتتعد أوجه الإشكاليات الفقهية في صيغة المرابحة للآمر بالشراء، فمنها التغرير بالوعد بالشراء مع احتمال خلف الوعد، ومنها أنها تنتهي إلى صورة البيع بالتقسيط غالباً مع ما فيه من جدل فقهي، ومنها أنها تتخذ صورة بيع ما لا يملك من جهة الممول ومنها أنها قد تكون وسيلة للربا. ومن هنا فقد اختلف الفقهاء في حكم هذه الصيغة على مذهبين.

المذهب الأول: يرى تحريم التعامل بالمرابحة للآمر بالشراء ، وهو مذهب المالكية في المشهور واختاره من المعاصرين الشيخ ناصر الدين الألباني والشيخ محمد العثيمين. وحجتهم : من أربعة أوجه. الوجه الأول:  أن هذه المعاملة حيلة لأكل الربا حيث إن أكثر المتعاملين بهذه المرابحة لا يرغبون في السلعة حقيقة وإنما يرغبون في ثمنها ولذلك فإنهم يبيعون السلعة فور تسلمها بأرخص من قيمتها. الوجه الثاني: أن هذه المعاملة قائمة على التغرير والجهالة؛ لأن العميل قد يخلف وعده بشراء السلعة مما يقع بالضرر على الممول الذي ما اشترى السلعة إلا من أجل هذا الوعد. الوجه الثاني: أن هذه المعاملة تأخذ صورة بيع ما لا يملك الذي ورد النهي عنه فيما أخرجه أحمد والنسائي والترمذي وحسنه من حديث حكيم بن حزام أن النبي r قال :" لا تبع ما ليس عندك"، حيث يقوم الممول بإبرام عقد البيع للعميل قبل شراء السلعة لضمان جدية العميل . الوجه الرابع: أن هذه المعاملة تنتهي إلى صورة البيع بالتقسيط مع ما فيه من جدل فقهي بسبب زيادة الثمن للأجل .

المذهب الثاني: يرى مشروعية التعامل بالمرابحة للآمر بالشراء، وهو مذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والحنابلة ورواية عند المالكية ، واختاره من المعاصرين أكثر العلماء وبه صدرت قرارات المجامع والمؤتمرات والهيئات الشرعية ومنها مؤتمر المصرف الإسلامي المنعقد بدبي ومجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة الدول الإسلامية في دورته الخامسة 1409هـ 1988م وجميع الهيئات الشرعية في البنوك الإسلامية. وحجتهم: عموم قوله تعالى : " وأحل الله البيع" [البقرة: 275]، وهذه الصورة من التعامل تدخل في عموم البيع الحلال؛ لعدم وجود نص يمنعها. كما استدلوا بعموم قول النبي r :" المسلمون عند شروطهم" [أخرجه البخاري من حديث أبي مسعود الأنصاري].

واعترض الجمهور على أدلة المخالفين: بعدم التسليم بأن هذه المعاملة حيلة للربا؛ لأن الحكم للظاهر ولا يجوز أن نحكم على الناس بضمائرهم. وأما إدعاء التغرير والجهالة فغير مسلم؛ لأن الممول لا يتسرع في شراء السلعة إلا بعد التأكد من رواجها حتى إذا نكث العميل عن وعده استطاع أن يجد من يطلبها غيره، أو أن الممول يأخذ بخيار الشرط مع صاحب السلعة حتى يردها له في مدة الخيار إن نكث الممول عن وعده. وأما القول بأن هذه المعاملة قد تأخذ صورة بيع ما لا يملك فهو غير مسلم؛ لأن الممول لا يبيع السلعة للعميل إلا بعد تملكه إياها ولهذا فإنها إذا هلكت أو تعيبت قبل تسلم العميل لها فإن ضمانها يكون على الممول. وأما القول بأن هذه المعاملة تنتهي إلى صورة البيع بالتقسيط فهو مما يدعم القول بمشروعيتها؛ لأن أكثر أهل العلم قالوا بمشروعية البيع بالتقسيط لعموم قوله تعالى :" وأحل الله البيع" [البقرة: 275].

والمختار عندي: هو ما ذهب إليه الجمهور القائلون بمشروعية المرابحة للآمر بالشراء؛ لقوة أدلتهم وسلامتها وضعف حجج المخالفين، وعملاً بالمقاصد الشرعية من اليسر ورفع الحرج عن الناس لقوله تعالى : " وما جعل عليكم في الدين من حرج" [الحج: 78].

ويثور التساؤل عن حكم الوفاء بالوعد في صيغة الأمر بالشراء للمرابحة بصفة خاصة،  حيث يرى الجمهور أن عموم الوفاء بالوعد ليس واجباً وإنما هو من المروءة وحسن الخلق، ويرى المالكية وجوب الوفاء بالوعد لعموم قوله تعالى : " وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولاً" [الإسراء: 34] غير أن المالكية في المشهور لا يرون مشروعية التعامل بالمرابحة للآمر بالشراء، فماذا يرى الجمهور المجيز لهذه المرابحة في حكم الوعد الصادر من العميل؟ لقد اختلفوا على قولين.

القول الأول: يرى وجوب الوفاء بالوعد في هذه المرابحة لكل من العميل والممول ، وهو قول الأكثرين، وبه صدر قرار مجمع الفقه الإسلامي في دورته الخامسة 1988م، وقرار مؤتمر المصرف الإسلامي الأول المنعقد بدبي وبعض الهيئات الشرعية للبنوك الإسلامية مثل بيت التمويل الكويتي. وحجتهم: عموم الأمر بالوفاء بالعقود والعهود ، خاصة في تلك المعاملات التي ترتب التزامات من الطرفين استقراراً لأوضاعها ومنعاً من الإضرار.

القول الثاني: يرى أن الوفاء بالوعد غير ملزم في حكم الأصل، ويجوز الاتفاق على أن يكون أحد الوعدين ملزماً دون الآخر إما العميل وإما الممول فإن كان الإلزام  لهما جميعاً فلا يصح، وهو قول بعض الفقهاء المعاصرين منهم الدكتور الصديق الضرير وأكثر الهيئات الشرعية للبنوك الإسلامية في السودان. وحجتهم: أن المواعده الملزمة لكلا الجانبين تشبه البيع نفسه فلا تجوز لأن الممول ليس مالكاً للسلعة حين المواعدة.

والمختار: هو ما ذهب القائلون بوجوب الوفاء بالوعد في المرابحة للآمر بالشراء ، لما يترتب على الخلف فيها من ضرر وعدم استقرار للمعاملات، والضرر في الشريعة مرفوع لقول النبي r : " لا ضرر ولا ضرار" [أخرجه أحمد وابن ماجه والدارقطنى  وصححه ابن الصلاح من حديث ابن عباس].

Islamic Calendar Widgets by Alhabib

Pages