النشأة التاريخية للقضية
بعد ظهور فكرة "الجنسية" في القانون الفرنسي سنة 1735م، وانتشار العمل بموجبها في سائر الدول بعد ذلك، حتى صارت حقًا إنسانيًا جاء النص عليه صراحة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر في العاشر من ديسمبر 1948م بعد اعتماد الجمعية العامة للأمم المتحدة، والذي تنص مادته الخامسة عشرة على أنه: "1- لكل فرد حق التمتع بجنسية ما. 2- لا يجوز حرمان شخص من جنسيته تعسفًا أو انكار حقه في تغييرها". خضع أكثر المسلمين من أبناء الدول غير الإسلامية وبعض المقيمين فيها –الأوروبية منها وغير الأوربية- لأحكام دساتير تلك الدول وقوانينها، ومن ذلك نظام "الجنسية"، وازداد أعداء هؤلاء المسلمين بهجرة بعض المسلمين من الدول الإسلامية إلى الدول غير الإسلامية وتجنسهم بجنسياتها حتى يتمكنوا من الحصول على المكاسب والحقوق التي يتمتع بها المواطنون، وكان ذلك على أشده في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين بعد التقدم العلمي والصناعي المذهل في أوروبا. ولا تزال تلك الظاهرة في ازدياد حتى مع تشديد القوانين لضوابط التجنس فيما بعد.
وتنامت طموحات المسلمين الحاصلين على جنسيات الدول غير الإسلامية في أواخر القرن العشرين، فبعد أن كانت قاصرة على التوظف أو الإقامة المستقرة في تلك الدول صاروا متطلعين للتأثير في الحياة العامة والمشاركة السياسية خاصة بعد أن صار هذا حقًا انسانيًا، فتنص المادة الحادية والعشرون من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أنه: "1- لكل فرد الحق في الاشتراك في إدارة الشئون العامة لبلاده إما مباشرة أو بواسطة ممثلين يختارون اختيارًا حرًا. 2- لكل شخص نفس الحق الذي لغيره في تقلد الوظائف العامة في البلاد. 3- إن إرادة الشعب هي مصدر سلطة الحكومة ويعبر عن هذه الإرادة بانتخابات نزيهة دورية تجرى على أساس الاقتراع السري، وعلى قدم المساواة بين الجميع، أو حسب أي إجراء مماثل يضمن حرية التصويت".
ويرجع السبب في تطلع المسلمين الحاصلين على جنسيات الدول غير الإسلامية إلى التأثير في الحياة العامة والمشاركة السياسية إلى كثرة أعدادهم وإمكان الإفادة منه بما يحمي عقيدتهم الدينية. ففي تقرير لمنتدى بيوالأمريكي للدين والحياة في 18/10/2009م كشف عن تزايد أعداد المسلمين في بعض الدول غير الإسلامية، وعلى سبيل المثال بلغ عدد المسلمين في ألمانيا أربعة ملايين، وفي فرنسا ستة ملايين، وفي أمريكا أكثر من ستة ملايين، وفي روسيا ستة عشر مليونًا، وفي الصين اثنين وعشرين مليونًا، وفي الهند مائة وواحدًا وستين مليونًا.
التعريف بالقضية
المقصود بالمشاركة السياسية للمسلمين في الدول غير الإسلامية من وجهة نظري هو: عدم الانعزال عن المجتمع في الدول غير الإسلامية من المسلمين المتجنسين بجنسياتها، بل تفاعلهم وانخراطهم فيه عن طريق التصويت لأصلح المرشحين في الإنتخابات الرئاسية والبرلمانية والمحلية، والترشح في ذلك وفقًا للنظام القانوني السائد بقصد تحصيل مصالح شرعية أو دفع مفاسد دينية مع شركاء المواطنة. ويعرف البعض هذه المشاركة السياسية بأنها: "السعي إلى تكوين الأحزاب السياسية، أو المشاركة فيما هو قائم منها، أو الاشتراك في البرلمانات ومجالس الشورى، وغيرها من المؤسسات السياسية والدستورية للدولة، مع ما يستتبعه ذلك من التحالفات المؤقتة مع بعض القوى السياسية الأخرى سعيًا إلى تحصيل بعض المصالح الشرعية للحركة الإسلامية، وتعطيل أو تقليل بعض المظالم الواقعة عليها" [محمد صديق – الموقع: Shareah].
تحرير محل النزاع
لا خلاف بين الفقهاء المعاصرين على أن "المشاركة السياسية للمسلمين في الدول غير الإسلامية" إذا كانت بقصد التمالؤ على الدين والتضييق على المسلمين فهي حرام، وإذا كانت بقصد التمثيل لجماعة المسلمين –في الدول التي تعطي لهم حصة من المقاعد، فيما يعرف بنظام الكوتا- فهي فرض كفاية؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. [ والكوتا: لفظة انجليزية Quota بمعنى الحصة، وأطلقها الرئيس الأمريكي جون كندي لأول مرة كاصطلاح سياسي لإعطاء الأقلية السوداء حصة من الحقوق المدنية والسياسية، ثم انتقلت إلى الطلاب الفقراء لقبولهم في المدارس بنسب معينة، ثم انتقلت إلى الحركات النسائية للمطالبة بحصص سياسية ]. ثم اختلف الفقهاء بعد ذلك في حكم تلك المشاركة على ثلاثة إتجاهات في الجملة. اتجاه يرى التحريم، وآخر يرى الإيجاب، وثالث يرى الجواز بالضوابط الشرعية.
سبب الخلاف في القضية
يرجع الخلاف في قضية "المشاركة السياسية للمسلمين في الدول غير الإسلامية" إلى عدة أسباب من أهمها: (1) الاختلاف في حكم الأصل للمشاركة في الديمقراطية، وهي حكم الشعب بالشعب التي يستند عليها نظام الحكم في الدول غير الإسلامية، هل تخالف العقيدة الإسلامية أو لا تخالفها. (2) الاختلاف في طبيعة المشاركة السياسية في الدول غير الإسلامية، هل تقوم على مبدأ الشركة الحقيقية بحسب حصص الأصوات مهما كانت النتائج، أو تقوم على مبدأ التطويع للمواطنين في دخول القنوات السياسية المعروفة لإمكان التحكم والسيطرة من النظام الحاكم. أو بمعنى آخر: هل تلك المشاركة لها جدوى حقيقية أم هي صورة شكلية لفرض الحكم غير الإسلامي. (3) الاختلاف في التخريج على القواعد الفقهية الكلية، ومن ذلك القواعد الخمس الكبرى، وهي: "الأمور بمقاصدها، و"اليقين لا يزول بالشك"، و "المشقة تجلب التيسير"، و"الضرر يزال"، و"العادة محكمة". (4) الاختلاف في توجيه القاعدة الفقهية التي تقدم: "أعظم المصلحتين وأهون المفسدتين". (5) الاختلاف في التطبيق الفقهي لقاعدتي "سد الذرائع" و "مآلات الأحكام".
الاتجاهات الفقهية في القضية
يمكن اجمال أقوال الفقهاء المعاصرين في قضية "المشاركة السياسية للمسلمين في الدول غير الإسلامية" –بعد تحرير محل نزاعها- في ثلاثة اتجاهات تشمل التحريم والإيجاب والجواز بضوابط، كما يأتي بيانه. وقد عالج تلك الاتجاهات بعض الباحثين ومنهم الأستاذ حسام شاكر الباحث والإعلامي المقيم بالنمسا من خلال كتابه "مسلمو أوربا والمشاركة السياسية – ملامح الواقع وخيارات التطوير"، الصادر عن المجلس الأوربي للإفتاء. والأستاذ محمد صديق في بحثه "حكم المشاركة السياسية في ظل الأنظمة الوضعية" [موقع: Shareah].
الاتجاه الأول: يرى تحريم المشاركة السياسية للمسلمين في الدول غير الإسلامية. وهو وجه محتمل ذهب إليه بعض قيادات الحركة الإسلامية في أوربا، وحجتهم: (1) أن المشاركة في النظام الديمقراطي تقوم على حكم الشعب بالشعب وللشعب، فيكون العمل بموجبها محرمًا بل من الكبائر. حيث إن العقيدة الإسلامية تقوم على أن الحاكمية لله تعالى. قال تعالى: "إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون" [يوسف: 40]، وقال تعالى: "ومن لم يحكم بما أنزل فأولئك هم الكافرون" [المائدة:44]، وقال تعالى: "ومن لم يحكم بما أنزل فأولئك هم الظالمون" [المائدة:45]، وقال تعالى: "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون" [المائدة:47]. قالوا: وإذا كانت الحاكمية لله تعالى فلا يجوز شرعًا عرض الشريعة الإسلامية على الأفراد ليقولوا رأيهم في تطبيقها من عدمه؛ لعموم قوله تعالى: "فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا" [النساء:65]، وقوله تعالى: "وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبينا" [الأحزاب:36]، ويمكن الجواب عن ذلك: بأن النظام الديمقراطي هو أخف الضررين من النظام الوثني أو الشركي، ثم إن النظام الديمقراطي يفتح باب المناقشة والحوار مع الغير، ولعل المسلمين المشاركين فيه يقدرون على إقناع غيرهم بالحق الذي معهم، فيكون ذلك سببا للهداية.
(2) أن المشاركة السياسية للمسلمين في الدول غير الإسلامية عديمة الجدوى، وهي مضيعة للجهد والمال والوقت؛ لأن هذه المشاركة لا تكون إلا من خلال قنوات سياسية معينة تزيد من إحكام غير المسلمين على قيادات الحركة الإسلامية ومراقبتهم؛ لأن المشاركين في الغالب يكونون من النخبة. ولا يرجى من المشاركة السياسية للمسلمين في الدول غير الإسلامية تطبيق الشريعة الإسلامية بها باسم الديمقراطية بدليل ما حدث من وأد الجبهة الإسلامية للإنقاذ بالجزائر التي فازت باسم الديمقراطية في الإنتخابات البلدية التي أجريت عام 1410هـ 1990م بزعامة عباس مدني، ووأد حركة المقاومة الإسلامية حماس بفلسطين التي فازت باسم الديمقراطية في يناير 2006م، ويمكن الجواب عن ذلك: بأن مالا يدرك كله لا يترك جله، فإن الديمقراطية تحقق مكاسب إسلامية لا تتحقق بغيرها من الأنظمة غير الإسلامية التي لا يملك المسلمون الإنكار عليها. يقول ابن تيميه فى مجموع الفتاوى: "كان يوسف الصديق _ عليه السلام_ نائباً لفرعون مصر ، وهو وقومه مشركون. وفعل من العدل والخير ما قدر عليه، ودعاهم إلى الإيمان بحسب الإمكان".
(3) أن التخريج على القواعد الفقهية يوجب اعتزال الأنظمة السياسية غير الإسلامية، وبيان ذلك: أ- قاعدة "الأمور بمقاصدها" توضح أن المشاركة السياسية للمسلمين في الدول غير الإسلامية تقوم على تعظيم النظام غير الإسلامي؛ لأنه المقصد الرئيس من تلك المشاركة، وهذا يخالف العقيدة الإسلامية التي تقوم على تعظيم الحاكمية لله تعالى. ب- قاعدة: "اليقين لا يزول بالشك" تمنع من المشاركة السياسية في الدول غير الإسلامية؛ لأن اليقين هو بقاء النظام غير الإسلامي عندهم، والشك هو ما يتوهم من إمكان التغيير. جـ- قاعدة: "المشقة تجلب التيسير" ترفع الحرج عن المسلمين في المشاركة السياسية في الدول غير الإسلامية؛ لأن هذه المشاركة لن تغير من واقع النظام غير الإسلامي، فكان للمسلمين حق الاعتزال حتى يحدث الله أمرًا كان مفعولاً. د- قاعدة: "الضرر يزال" توجب عدم المشاركة السياسية في الدول غير الإسلامية؛ لأن هذه المشاركة تسبب ضرراً على الدين والعقيدة عند إصدار قانون يصادم أحكام الشريعة الإسلامية. هـ- قاعدة: "العادة محكمة" توجب عدم المشاركة السياسية في الدول غير الإسلامية؛ لأن العادة جرت على بقاء القيادات على عقائدهم، فلن يتحول نظام غير إسلامي إلى نظام إسلامي، وهذا يستوجب توفير الوقت والجهد للدعوة الإسلامية في الأوساط العامة وليس في قياداتهم. ويمكن الجواب عن ذلك: بأن هذا التخريج المذكور مبني على اليأس والاستسلام للواقع، وقد قال تعالى: "ولا تايئسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون" [يوسف:87]. وسيأتي في أدلة القائلين بمشروعية المشاركة السياسية للمسلمين في الدول غير الإسلامية تخريجًا لتلك القواعد بما يوجب تلك المشاركة أو يجيزها على الأقل.
(4) أن الامتناع عن المشاركة السياسية للمسلمين في الدول غير الإسلامية يحقق أعظم المصلحتين وأهون الفسدتين، ومن ذلك: حفظ الهوية الإسلامية للمسلمين بالدول غير الإسلامية، والبعد عن معصية الله بمولاة غير المسلمين. ويمكن الجواب عن ذلك: بأن الامتناع عن المشاركة السياسية للمسلمين في الدول غير الإسلامية لن يحقق سوى أهون المصلحتين وأعظم المفسدتين، فهو إن حفظ للمسلمين هويتهم إلا أنه حرمهم من نشر دعوتهم وإظهار محاسن الشريعة للآخرين. فكان الامتناع عن المشاركة السياسية معصية لله تعالى وليس بعدًا عن موالاة غير المسلمين؛ لأن موالاتهم تكون بنصرة دينهم وليس بمحاولة نشر أحكام الشريعة.
(5) أن التطبيق الفقهي لقاعدتي "سد الذرائع"، و"مآلات الأحكام" يستوجب الامتناع عن المشاركة السياسية للمسلمين في الدول غير الإسلامية؛ لأن هذه المشاركة تفتح أبواب شر باندماج المسلمين في المجتمع غير المسلم، وتؤول تلك المشاركة إلى ضياع الهوية الإسلامية. ويمكن الجواب عن ذلك: بأن عدم المشاركة السياسية هو الذي يفتح أبوابًا أشر على المسلمين من مشاركتهم السياسية في الدول غير الإسلامية؛ لأن عدم المشاركة لن يوقف الحراك السياسي بل سيتولاه خصومهم مما يسبب في زيادة المضايقات على المسلمين، وربما يؤول الأمر إلى إنهاء الوجود بتلك الدول.
الاتجاه الثاني: يرى وجوب المشاركة السياسية للمسلمين في الدول غير الإسلامية، وأنه جهاد العصر فيها. وهو وجه محتمل ذهب إليه بعض قيادات المراكز الإسلامية الأوربية، ونصره الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق الباحث في جمعية إحياء التراث الإسلامي بالكويت والحاصل على الإجازة العالمية من كلية الشريعة بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة. وهو مقتضاه كلام بن تيمية فى تحليله لطلب يوسف الصديق- عليه السلام- أن يعمل على خزائن الأرض لغير المسلمين. وحجتهم: (1) أن المشاركة في النظام الديمقراطي لا يخالف العقيدة الإسلامية؛ لأن الديمقراطية تجعل الحكم للمحكومين، فإن كانوا مسلمين فعليهم أن يختاروا الحكم الموافق لشرع الله، وإن كانوا غير مسلمين فلهم أن يختاروا الحكم الذي يناسبهم. فإن اعتزل المسلمون المشاركة في النظام الديمقراطي فإنهم بذلك يتركون الساحة لغيرهم، وينكثون العهد عن نصرة دينهم، وقد استقر في الفقه أن: "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب". ثم إن النظام الديمقراطي لا يتدخل في العقائد بل يترك الناس وما يدينون، وإنما يقوم النظام الديمقراطي على التراتيب الإدارية بين الناس غالبًا، وهذه التراتيب تقوم في الشريعة الإسلامية على التراضي والشروط المنظمة، فلا تعارض حقيقة بين الشريعة الإسلامية وبين الديمقراطية؛ خاصة وأن الاعتراف بالديمقراطية ليس تصديقًا دينيًا، وإنما هو اعتراف مرحلي بالأمر الواقع لعدم القدرة على تغييره في الأجل المنظور، مع الحاجة إلى التعامل معه بما يدفع شره أو يقلل مفسدته؛ تخريجًا على تعامل النبي r مع اليهود في المدينة وبطون العرب وقبائلهم، ولم يكن إقرارًا منه r بشرعية عقائدهم. (2) أن المشاركة السياسية للمسلمين في الدول غير الإسلامية طريق لحماية المسلمين وتقويتهم في تلك الدول التي تعتمد على نظام الشراكة في الحكم، فإن تخلى الشريك عن حصته فقد أضاع حقه وتركه لغيره. وحيث إن المسلمين في الدول غير الإسلامية لا يزالون أقلية، وهم في حاجة إلى إثبات وجودهم فلا يسعهم ترك حصصهم من المشاركة السياسية لغيرهم.
(3) أن التخريج على القواعد الفقهية يوجب المشاركة السياسية للمسلمين في الدول غير الإسلامية، وبيان ذلك: أ- قاعدة "الأمور بمقاصدها" توجب إخلاص النية لله في كل أمر، فإذا كان الأمر متعلقًا بالمشاركة السياسية لم يسع المسلم تركه؛ لأن هذا الترك سيمنع إظهار محاسن الشريعة عند من يبحثون عن حكم سواء بينهم. ب- قاعدة "اليقين لا يزول بالشك" توجب المشاركة السياسية في الدول غير الإسلامية؛ لأن اليقين هو المشاركة في الحكم بكل ما للشريك من حقوق، والشك هو صورية هذا النظام الذي يدعي المشاركة وهو في الحقيقة يسعى إلى السيطرة والتحكم في أمر المسلمين من أبناء تلك الدول. جـ- قاعدة: "المشقة تجلب التيسير" توجب المشاركة السياسية في الدول غير الإسلامية، وذلك عن طريق رفع الحرج عنهم فيما يعجزون عن إثبات حكم الشريعة فيه؛ لغلبة غيرهم بالأصوات ونحوه. د- قاعدة: "الضرر يزال" توجب المشاركة السياسية للمسلمين في الدول غير الإسلامية؛ لأن عدم المشاركة يسبب تهميش المسلمين بتلك الدول ناهيك عن إضرارهم بقوانين تصدر من حسادهم. هـ- قاعدة: "العادة محكمة" توجب المشاركة السياسية في الدول غير الإسلامية؛ لأن العادة استقرت في الدول الأوروبية ونحوها على جعل نظام الحكم فيها ديمقراطيًا،وهو نظام يعتمد على شراكة المجتمع، فلم تعد هناك فائدة من عزلة المسلمين من تلك الشراكة؛ تحكيمًا للعادة المتبعة.
(4) أن المشاركة السياسية للمسلمين في الدول غير الإسلامية تحقق أعظم المصلحتين وأهون المفسدتين، ومن ذلك: استقواء المسلمين في الدول غير الإسلامية، وتقديم أحكام الشريعة الإسلامية لمن يبحث عن أعدل الشرائع وأوسطها من غير المسلمين، والبعد عن الاعتزال الذي لا يزيد المسلمين إلا تهميشًا.وقد استدل شيخ الإسلام بن تيمية من طلب سيدنا يوسف – عليه السلام- فى قوله سبحانه:"قال أجعلني على خزائن الأرض أنى حفيظ عليم" [يوسف:55]، على مشروعية المشاركة فى الولاية فى الدول غير الإسلامية، فقال فى مجموع الفتاوي: " عمل يوسف الصديق – عليه السلام- على خزائن الأرض لصاحب مصر لقوماً كفار، وذلك أن مقارنه الفجار إنما يفعله المؤمن فى موضعين. أحدهما: أن يكون مكرهاً عليها. الثاني: أن يكون فى ذلك مصلحة دينيه راجحة على مفسده المقارنة، أو أن يكون فى تركها مفسده راجحة فى دينه، فيدفع أعظم المفسدتين باحتمال أدنهما".
(5) أن التطبيق الفقهي لقاعدتي "سد الذرائع" و "مآلات الأحكام" يوجب المشاركة السياسية للمسلمين في الدول غير الإسلامية؛ لأن عدم المشاركة يفتح أبواب شر على المسلمين بتلك الدول بسبب انعزالهم وانغلاقهم على أنفسهم، ويؤول ذلك إلى مضاعفة عداوة غير المسلمين للمسلمين، ناهيك عن تقصيرهم في عرض الإسلام على غيرهم.
الاتجاه الثالث: يرى جواز المشاركة السياسية للمسلمين في الدول غير الإسلامية بضوابط الحاجة والسلامة. فيجب دراسة الجدوى والتأكد من غلبة المصلحة، وألا تكون هذه المشاركة سببًا في تمزق المسلمين وفتنتهم، وألا تكون على حساب الأعمال الدعوية أو التربوية. وهو وجه ظاهر في الفقه ذهب إليه أكثر القائمين على المراكز الإسلامية بأوربا، ومن أشهر القائلين به من الفقهاء المعاصرين الدكتور يوسف القرضاوي والدكتور صلاح الصاوي. وحجتهم: (1) الأخذ بحكم الأصل في المعاملات عند أكثر أهل العلم، وهو الإباحة لعموم قوله تعالى: "أوفوا بالعقود" [المائدة:1]، وقوله تعالى: "وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا" [الإسراء:34]، وما أخرجه البخاري تعليقًا، أن النبي r قال: "المسلمون عند شروطهم"، وأخرجه الدارقطني من حديث عوف المزني مرفوعًا، وبزيادة: "إلا شرطًا حرم حلالاً أو أحل حرامًا". (2) الجمع بين أدلة الاتجاهين السابقين.
التعقيب والاتجاه المختار: كان لانتشار نظام الحكم الديمقراطي في الدول غير الإسلامية بعد الحرب العالمية الثانية، ونجاحه بعد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة سنة 1948م، والذي يقضي بأحقية كل شخص في إدارة الشئون العامة لبلاده، وأن إرادة الشعب – التي تكون بالانتخابات النزيهة- هي مصدر سلطة الحكومة. كان هذا سببًا في تنامي طموحات المسلمين الحاصلين على جنسيات تلك الدول وتطلعهم في التأثير على الحياة العامة بالمشاركة السياسية. وقد أثار هذا التطلع كثيرًا من التساؤلات حول مشروعيته؛ إذ لا تخلو تلك المشاركة من محاذير شرعية، مع ما فيها من مصالح ضرورية. فمن المصالح المتوخاة من تلك المشاركة: استقواء الأقليات الإسلامية، ومحاولة نشر عدالة الإسلام وسماحته، والبعد عن الاعتزال الذي لا يزيد المسلمين إلا تهويشاً. ومن المحاذير المخوفة من تلك المشاركة: الانخراط في النظم الأجنبية مما يضيع الهوية الإسلامية، ومخالطة المعاصي؛ لأن تلك المشاركة لا تخلو من اقتراف المنهيات الشرعية غالباً.
وقد أثمرت الدراسة للقضية في الفقه المعاصر عن ثلاثة اتجاهات معتبرة. اتجاه يرى التحريم، وآخر يرى الوجوب، وثالث يرى الجواز بضوابط الأمن والسلامة. وهذه الاتجاهات وإن كانت متباينة إلا أنها تستند إلى المرجعية الشرعية مما يؤهل كل اتجاه منها لمرتبة صلاحية العمل بموجبه عند عامة المسلمين؛ لعموم ما أخرجه الإمام أحمد بإسناد حسن، عن وابصة بن معبد، أن النبي r قال له: "استفت قلبك وإن أفتاك الناس وأفتوك"، وما أخرجه الإمام أحمد بإسناد جيد عن أبي ثعلبه الخشني، أنه سأل النبي r فقال: أخبرني ما يحل لي ويحرم علي. فقال r: "البر ما سكنت إليه النفس واطمأن إليه القلب. والإثم ما لم تسكن إليه النفس ولم يطمئن إليه القلب، وإن أفتاك المفتون".
ولا يلتزم وجوبًا بهذه الاتجاهات إلا أصحابها؛ للإجماع على وجوب عمل المجتهد بما بلغ إليه اجتهاده. ويجوز لجماعة المسلمين في كل دولة أن تتفق على اختيار اتجاه فقهي للعمل بموجبه خلال فترة معينة توحيدًا للصف بعد استبانة آراء عموم الجماعة في الاتجاهات الفقهية المحتملة.
وحيث إن قضية "المشاركة السياسية للمسلمين في الدول غير الإسلامية" من القضايا العامة التي يحتاج فيها أولوا الأمر وذووا الشأن استبانة آراء الفقهاء فيها لإثبات رصيد كل اتجاه من قناعات الناس وبيان حظه من النصرة، فإنني أرى ما ذهب إليه الأكثرون من الفقهاء المعاصرين القائلون بمشروعية تلك المشاركة؛ لقوة أدلتهم. وتختلف صفة تلك المشروعية من حيث الوجوب أو الاستحباب أو الجواز بحسب درجة المصلحة المقصودة، والمفسدة المدفوعة.









