Get Adobe Flash player

المضاربة المقيدة إحدى صيغ الاستثمار وتوظيف الأموال التي أحيتها وأشاعتها مقتضيات  المصارف والبنوك الإسلامية المعاصرة، وهي فرع من المضاربة المطلقة المعروفة عند العرب قديماً كوسيلة من وسائل الاستثمار بطريق الجمع بين المال وبين العمل (الخبرة) في حال انفصالهما، كما لو كان صاحب المال عاجزاً أو عديم الخبرة في التجارة، وكان العامل الماهر فقيراً أو عاجزاً عن تدبير رأس المال الذي يحقق طموحه التجاري، فيتم الاتفاق بينهما على سبيل المضاربة.

وجاءت الشريعة الإسلامية بإقرار هذا العقد رغم مخالفته لبعض القواعد العامة في عقد الإجارة التي تستلزم العلم بالمعقود عليه أجرة وعملاً، وهنا الأجرة معدومة والعمل مجهول في الجملة، ومع ذلك فإن الشريعة الإسلامية لا ترى فيها حرجاً من باب توسعة المخارج التجارية والآفاق الاستثمارية التي تغني الناس عن التعامل بالربا المقيت، فلن يحتاج العامل إلى الاقتراض بفائدة طالما تحلى بالأمانة واتسع صدره لحب الخير للممول وارتضى بتقسيم الربح معه وفقاً للضوابط الشرعية.

والمضاربة في اللغة: مفاعلة من الضرب، وهو السير في الأرض والسعي فيها، ويسميها أهل الحجاز قراضاً أو مقارضة من القرض في الأرض وهو قطعها بالسير فيها. وأما المضاربة في اصطلاح الفقهاء: فهي عقد شركة في الربح بمال من جانب وعمل من الجانب الآخر. واختار الحنفية والحنابلة تسميتها مضاربة على لغة أهل العراق ، واختار المالكية والشافعية تسميتها قراضاً على لغة أهل الحجاز.

ويدل على مشروعية المضاربة عموم قوله تعالى : " وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله" [المزمل : 20]، وما أخرجه البيهقي عن ابن عباس قال : "كان العباس بن عبد المطلب إذا دفع مالاً مضاربة اشترط على صاحبه أن لا يسلك به بحراً ولا ينزل به وادياً ولا يشتري به ذات كبد رطبة، فإن فعل فهو ضامن. فرفع شرطه إلى رسول الله r فأجازه " ، والحديث وإن كان في إسناده ضعف إلا أن العمل عليه، وقد بُعث النبي r والناس يتعاملون بالمضاربة فلم ينكر عليهم، ولم يخالف في مشروعيتها أحد، فصار إجماعاً.

والمضاربة المقيدة فرع من هذه المضاربة المطلقة ، وقد تكلم عنه جمهور الفقهاء السابقين عرضاً، وأفرد له فقهاء الحنفية حديثاً، وأما إحياء أحكامه في هذا العصر فهو مما تستلزمه دواعي العمل المصرفي الإسلامي المعاصر؛ لإيجاد صيغ للاستثمار وتوظيف الأموال لا تتعارض مع الطبيعة التخصصية للمصارف والبنوك في إدارة المال، فالمصرف ليس مؤسسة تجارية بالمعنى الشائع ، وإنما هو قادر على تمويل الأفراد والمؤسسات ذوي الخبرة والمهارة التجارية والتسويقية ولا يملكون الإمكانات المادية ، فيتوجه المصرف أو الممول- بصفة عامة- إلى إبرام عقد المضاربة المقيدة مع العميل الذي يخبره بجدوى صفقة معينة كرسالة حديد تسليح أو أسمنت أو خشب ونحوها من منتج معروف، فيوكله المصرف لشرائها باسمه ثم بيعها والربح بينهما بحسب الاتفاق – وغالباً ما يتم ذلك بعد دراسة المصرف للسوق وحال العميل للتأكد من سلامة العملية وربحيتها- وهذه المضاربة المقيدة تثير إشكاليتين فقهيتين متعلقتين بتدخل المضارب (رب المال) في تقييد آفاق العمل واختصاص العامل.

أما الإشكالية الفقهية الأولى : فهي تدخل المضارب في توجيه العمل، حيث إن المصرف لن يبرم عقد المضاربة الموجهة إلا في صفقة معينة، وهذا يخالف اتجاه جمهور الفقهاء الذين يرون أن الأصل في المضاربة هو إطلاق يد العامل لما يراه مناسباً في سوق عمله دون تضييق من رب المال، ولا يتقيد العامل إلا بما يقتضيه عقد المضاربة؛ لأنه تعاقد على العمل فلا يتقيد إلا بتقييد نفسه حتى لا يتشاح في الربح، فإذا ما اشترط المصرف توجيه المال إلى صفقة معينة فهذا تدخل في شؤون العامل ويكون ذريعة في نزاع العامل عند تقسيم الربح. والجواب عن ذلك: أن التدخل في شؤون العامل يكون ضاراً به إذا كان بعد إطلاق يده ثم تقييدها بغير مقتضى، وهنا قد دخل العامل مع المصرف في مضاربة مقيدة من بادىء الأمر فوجب عليهما الالتزام بما اتفقا عليه؛ لعموم ما أخرجه البخاري من حديث أبي مسعود، أن النبي r قال: " المسلمون عند شروطهم" ، وأخرجه الترمذي وصححه من حديث عوف المزني بلفظ : " المسلمون على شروطهم إلا شرطاً حرم حلالاً أو أحل حراماً". ثم إن فقهاء الحنفية قد حسموا هذه الإشكالية من بادىء الأمر عندما قسموا المضاربة إلى قسمين مضاربة مطلقة أو عامة، وهي التي لا يشترط فيها رب المال على العامل تحديداً في العمل أو الزمان أو المكان، ومضاربة مقيدة أو خاصة وهي التي يعين فيها رب المال للعامل نوع العمل وزمانه ومكانه.

وأما الإشكالية الفقهية الثانية: فهي تدخل المضارب في اختصاص العامل حيث تقوم المضاربة في الأصل على تسليم المال للعامل ، والمصرف هنا لا يعطي المال للعامل وإنما يقوم بدفعه إلى المنتج أو المورد صاحب البضاعة عن طريق الشيك ونحوه، ويحصل على سند ملكيتها بالقانون، ويعطي العامل فقط توكيلاً بالتسليم والتسلم، فكأن المصرف قد قام بالعمل أيضاً مع كونه صاحب رأس المال، فلم يكن للعامل هنا دور مؤثر يستحق عليه حصة الربح. والجواب عن ذلك: أن قيام المصرف بتسليم المال إلى المنتج أو المورد وحصوله على سند ملكيتها إنما هو إجراء تأميني لضمان سير المضاربة على وجهها وضمان عدم تفلت العامل بالبضاعة أو تركه العمل خاصة وأن جمهور الفقهاء يرى المضاربة عقداً جائزاً يصح لكل طرف فيه أن يفسخه من تلقاء نفسه خلافاً للمالكية في المشهور القائلين بلزوم المضاربة بعد الشروع فيها. وعلى كل حال فإن حقيقة الأمر في المضاربة المقيدة هي أن العامل بخبرته هو صاحب الفضل في نجاح تلك الصفقة ساعة أن كانت فكرة إلى أن صارت حقيقة وليس المصرف إلا ممولاً، ومن هنا استحق العامل حصته من الربح. وعلى التسليم بأن المصرف هو مالك البضاعة حقيقة فإن الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه وابن أبي ليلى والأوزاعي وحماد وغيرهم يرون مشروعية المضاربة بالعروض؛ لأن مقصود المضاربة هو التجارة بما يجوز تصريفه وكون الربح بين صاحب المال والعامل، وهذا يحصل في العروض كحصوله في الأثمان. وأما جمهور الفقهاء فيرون عدم صحة المضاربة بالعروض لاختلاف الناس في تقويمها بما يفضي إلى النزاع بين العامل وبين صاحبها. وهذه حجة غير مقنعة فالتقويم أمر يسير على أهل الخبرة، ثم إن العامل يشتري بالأثمان عروضاً ليضارب فيها فكيف لا تجوز المضاربة بالعروض؟

وبهذا يمكن للمضاربة المقيدة أن تفتح آفاقاً استثمارية بعيدة عن شبهة الربا، مع مراعاة الضوابط الائتمانية على وجه التراضي، وصدق الله حيث يقول:" لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم"
[النساء: 29].

Islamic Calendar Widgets by Alhabib

Pages