Get Adobe Flash player

التأصيل التاريخي للقضية

كانت "المظاهرات والمسيرات السلمية للمطالبة بالحقوق العامة" من القضايا المسكوت عنها، والتي لم يلق الفقهاء السابقون لها بألا؛ لعدم حاجة الناس إليها، ربما لعدم الوعي الحضاري بحقوقهم العامة، وربما لتحصلهم عليها عن طريق وساطة الفقهاء وعلماء الشريعة الذين كانوا بمنزلة قريبة من الأمراء وحكام الأمصار في البلاد الإسلامية.

وبعد أن احتلت الدول الأوربية أكثر الدول العربية والإسلامية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي، ومن ذلك احتلال انجلترا لمصر سنة 1882م، ثم قيام الحرب العالمية الأولى سنة 1914م صدرت التشريعات والقوانين المقيدة للحريات، ومن ذلك القانون المصري رقم (10) الصادر من الخديو عباس حلمي الثاني في أكتوبر 1914م بشأن التجمهر، وقد جاء في مقدمته "نحن خديو مصر، بعد الاطلاع على الأمر العالي الصادر في 14 يونية سنة 1883م المشتمل على لائحة ترتيب المحاكم الأهلية؛ ونظرًا لأن الضرورة تقضي بالتعجيل في إيجاد عقوبة للجرائم التي ترتكب بواسطة التجمهر تكون أشد تأثيرًا من
الأحكام المعمول بها الآن، وبناء على ما عرضه علينا ناظر الحقانية، وموافقة رأي مجلس النظار؛ أمرنا بما هو آت: مادة 1- إذا كان التجمهر المؤلف من خمسة أشخاص على الأقل من شأنه أن يجعل السلم العام في خطر، وأمر رجال السلطة المتجمهرين بالتفرق، فكل من بلغه الأمر منهم ورفض طاعته أو لم يعمل به يعاقب بالحبس مدة لا تزيد عن ستة شهور، أو بغرامة لا تتجاوز عشرين جنيهًا مصريًا. مادة 2- إذا كان الغرض من التجمهر المؤلف من خمسة أشخاص على الأقل ارتكاب جريمة ما أو منع أو تعطيل تنفيذ القوانين واللوائح، أو إذا كان الغرض منه التأثير على السلطات في أعمالها، أو حرمان شخص من حرية العمل، سواء كان ذلك التأثير أو الحرمان باستعمال التجمهر وهو عالم بالغرض منه، أو علم بهذا الغرض ولم يبتعد عنه يعاقب بالحبس مدة لا تزيد عن ستة شهور، أو بغرامة لا تتجاوز عشرين جنيهًا مصريًا، وتكون العقوبة الحبس الذي لا تزيد مدته عن سنتين، أو الغرامة التي لا تتجاوز خمسين جنيهًا مصريًا لمن يكون حاملاً سلاحًا أو آلات من شأنها إحداث الموت إذا استعملت بصفة أسلحة".

وفي نقله حضارية لمصر أصدر الملك فؤاد الأول أول دستور مصري في 19 أبريل 1923م الموافق 3 رمضان 1341هـ يعترف بحق الشعب في إدارة شئون البلاد، وهو ما يستوجب الترخيص بالمظاهرات والمسيرات السلمية، ويقع هذا الدستور في (170) مادة، ومما جاء في مقدمته: "نحن ملك مصر، بما أننا مازلنا منذ تبوأنا عرش أجدادنا وأخذنا على أنفسنا أن نحتفظ بالأمانة التي عهد الله تعالى بها إلينا نتطلب الخير دائمًا لأمتنا بكل ما في وسعنا، ونتوخى أن نملك بها السبيل التي نعلم أنها تفضي إلى سعادتها وارتقاءها وتمتعها بما تتمتع به الأمم الحرة المتمدينة. ولما كان ذلك لا يتم على الوجه الصحيح إلا إذا كان لها نظام دستوري كأحد الأنظمة الدستورية في العالم وأرقاها تعيش في ظله عيشًا سعيدًا مرضيًا، وتتمكن به من السير في طريق الحياة الحرة المطلقة، ويكفل لها الاشتراك العلمي في إدارة شئون البلاد والإشراف على وضع قوانينها ومراقبة تنفيذها... أمرنا بما هو آت. المادة الأولى: مصر دولة ذات سيادة، وهي حرة مستقلة" إلى آخر مواد الدستور، ومنها المادة رقم (20) التي تنص على أن: "للمصريين حق الاجتماع في هدوء وسكينة غير حاملين سلاحًا، وليس لأحد من رجال البوليس أن يحضر اجتماعهم، ولا حاجة بهم إلى إشعاره. لكن هذا الحكم لا يجري على الاجتماعات العامة فإنها خاضعة لأحكام القانون، كما أنه لا يفيد أو يمنع أي تدبير يتخذ لوقاية النظام الاجتماعي".

وبناء على الحق الدستوري الذي يقر للمصريين حقهم في إدارة شئون البلاد صدر في 30 مايو سنة 1923م القانون رقم (14) بشأن "تقرير الأحكام الخاصة بالاجتماعات  العامة وبالمظاهرات في الطرق العمومية"، ومما جاء في مقدمته: "نحن ملك مصر، بما أن حق الاجتماع العام لم تعترف به ولم تنظمه القوانين المصرية بعد؛ وبما أنه من الضروري ومن الملائم الاعتراف بهذا الحق وتقرير حدوده وأحكامه لكي يتسنى للأهلين الاشتراك في الحياة العامة في البلاد على وجه هادئ منتظم، وبعد الاطلاع على القانون نمرة 10 لسنة 1914م بشأن التجمهر، وبناء على ما عرضه علينا وزير الداخلية وموافقة رأي مجلس الوزراء، رسمنا بما هو آت. الفصل الأول في الاجتماعات العامة. مادة 1- الاجتماعات العامة حرة على الوجه المقرر في هذا القانون. مادة 2- يجب على من يريد تنظيم اجتماع عام أن يخطر بذلك المحافظة أو المديرية.. مادة 3- يجب أن يكون الإخطار شاملاً الزمان والمكان المحددين للاجتماع ولبيان موضوعه... ويجب أن يوقع على الإخطار من خمسة أو من اثنين إذا كان الاجتماع انتخابيًا... مادة 4- يجوز للمحافظ أو المدير أو لسلطة البوليس في المراكز منع الاجتماع إذا رأوا أن من شأنه أن يرتب عليه اضطراب في النظام أو الأمن العام... مادة 5- لا يجوز عقد الاجتماعات في أماكن العبادة أو في المدارس أو في غيرها من محال الحكومة إلا إذا كانت المحاضرة أو المناقشة التي يعقد الاجتماع لأجلها تتعلق بغاية أو غرض مما خصصت له تلك الأماكن والمحال.. مادة 6- يجب أن يكون للاجتماع لجنة مؤلفة من رئيس ومن اثنين من الأعضاء على الأقل. مادة 7- للبوليس دائمًا الحق في حضور الاجتماع لحفظ النظام والأمن ولمنع كل انتهاك لحرمة القانون.. ويجوز له حل الاجتماع في الأحوال الآتية: (1) إذا لم تؤلف لجنة للاجتماع، أو إذا لم تقم اللجنة بوظيفتها. (2) إذا خرج الاجتماع عن الصفة المعينة له في الإخطار. (3) إذا ألقيت في الاجتماع خطب أو حدث صياح.. (4) إذا وقعت جرائم أخرى أثناء الاجتماع. (5) إذا وقع اضطراب شديد... الفصل الثاني: في المظاهرات في الطريق العام، وفيها المادة (9) التي أحالت أحكام المظاهرات إلى أحكام الاجتماعات الواردة في الفصل الأول فيما يناسب المظاهرات. مادة 10- لا يترتب على أي نص من نصوص هذا القانون تقييد ما للبوليس من الحق في تفريق كل احتشاد أو تجمهر من شأنه أن يجعل الأمن العام في خطر أو تقييد حقه في تأمين حرية المرور في الطريق والميادين العامة".

ثم جاء الدستور المصري الحالي الصادر سنة 1971م بتأكيد هذا الحق، فتنص مادته (54) على أن: "للمواطنين حق الاجتماع الخاص في هدوء غير حاملين سلاحًا ودون حاجة إلى إخطار سابق، ولا يجوز لرجال الأمن حضور اجتماعاتهم الخاصة. والاجتماعات العامة والمواكب والتجمعات مباحة في حدود القانون". وحيث إن الدستور الحالي قد نص في مادته الثانية على أن: "الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع" فإنه قد تولت قضية فقهية جديدة حول مشروعية المظاهرات والمسيرات السلمية للمطالبة بالحقوق العامة التي أجازها الدستور وفقًا لضوابط القانون وتبعًا لمبادئ الشريعة الإسلامية.

تعريف المظاهرات وأنواعها والفرق بينها وبين الإضرابات

المظاهرة في اللغة: المعاونة، أو إعلان رأي، أو إظهار عاطفة في صورة جماعية. والتظاهر: التعاون. تقول: ظاهر فلانًا، أي عاونه. وظهرت على فلان، أي غلبته. قال تعالى: "وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير" [التحريم:4]، أي أعوانًا. ويقال: تظاهر الناس، أي اجتمعوا ليعلنوا رضاهم أو تسخطهم على أمر يهمهم.

والمقصود بالمظاهرة في الاصطلاح القانوني: النزول إلى الشوارع، والتجمع في الأماكن العامة، وتسيير الحشود البشرية بغرض المطالبة بحق سياسي، وفقًا للقوانين واللوائح المنظمة لها.

وتنقسم المظاهرات إلى أنواع كثيرة، منها: المظاهرات الصامتة أو المصاحبة للصياح والهتافات. والمظاهرات الواقفة أو السيارة. والمظاهرات لحق سياسي خارجي أو حق سياسي داخلي. والمظاهرات المأذون لها من جهة الإدارة غير المأذون لها. والمظاهرات السلمية أو المصاحبة للعنف والشغب.

والفرق بين المظاهرات وبين الإضرابات: أن الإضراب امتناع عن طعام أو عن عمل بصفة فردية أو جماعية بقصد المطالبة بحق إنساني. أما المظاهرة فهي خروج إلى الشوارع العامة بشكل جماعي بقصد المطالبة بحق سياسي.

تحرير محل النزاع

لا خلاف بين الفقهاء المعاصرين على مشروعية المظاهرات إذا تحتمت طريقًا للوصول إلى إحدى الضرورات الخمس (الدين والنفس والعقل والعرض والمال)؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. ولا خلاف بينهم على تحريم المظاهرات إذا تسببت في هلاك الأموال أو تلف الأنفس بغير حق، أو بث الرعب والخوف وسط الآمنين؛ للنهي عن العدوان. أو كانت المظاهرات بقصد الوصول إلى محرم قطعًا كالخمر والزنى؛ لأن الوسائل لها حكم المقاصد. أو كانت المظاهرات متجاوزة للمسموح به؛ للأمر بطاعة أولي الأمر. واختلف الفقهاء المعاصرون بعد ذلك في حكم سائر المظاهرات كما لو كانت سلمية، وفي حدود المأذون به قانونيًا، بغرض المطالبة بحق سياسي داخلي كالمطالبة بالإشراف القضائي على الانتخابات، أو حق سياسي خارجي كالمطالبة بإدانة إسرائيل في اعتداءاتها على الفلسطينيين، وذلك على اتجاهين يدوران بين الجواز والمنع.

سبب الخلاف في القضية: يرجع اختلاف الفقهاء المعاصرين في حكم اتخاذ المظاهرات وسيلة للمطالبة بالحقوق السياسية إلى عدة أسباب، من أهمها: (1) حداثة هذه الوسيلة والاختلاف في بدعيتها أو العفو عنها؛ لعدم النص عليها. (2) الاختلاف في غربية نشأة المظاهرات، وإسلامية مقصدها، وإنسانية معناها؛ خشية التشبه بغير المسلمين في أمور الدين. (3) تعارض مقاصد المظاهرات في الديمقراطية التي تسعى إلى تحقيق معارضة النظام الحاكم، مع المقاصد الشرعية في السمع والطاعة وعدم الخروج على الحاكم. (4) الاختلاف فيما يترتب على المظاهرات من مصالح ومفاسد.

الاتجاهات الفقهية في القضية

يمكن إجمال أقوال الفقهاء المعاصرين في حكم المظاهرات بالمعنى الاصطلاحي المحرر في محل النزاع في اتجاهين. أحدهما: يرى الجواز، والآخر: يرى المنع. ونبين ذلك فيما يلي:

الاتجاه الأول: يرى مشروعية جواز القيام بالمظاهرات السلمية وفقًا للقوانين المنظمة بغرض المطالبة بحق سياسي داخلي أو خارجي. وهو اتجاه ظاهر في الفقه، وذهب إليه أكثر الفقهاء المعاصرين، ومن أشهرهم: الدكتور يوسف القرضاوي، والشيخ عبد الرحمن عبد الخالق في كتابه "فصول من السياسة الشرعية ص31"، والشيخ سلمان بن فهد العودة، وغيرهم كثير من كل من أجاز الإضراب عن الطعام أو عن العمل [موقع: إخوان أون لاين]. وحجتهم: (1) أن المظاهرات السلمية المنظمة إما أن تكون من الوسائل المستحدثة للتعبير عن الحقوق السياسية، فتكون مشروعة عملاً بالإباحة الأصلية. أو تكون من الوسائل القديمة فتكون مشروعة لثبوت العمل بها في عهد النبي r. أ- أما دليل مشروعية العمل بالإباحة الأصلية: فمنه ما أخرجه الدارقطني والطبراني بسند فيه مقال عن أبي الدرداء، أن النبي r قال: "إن الله افترض عليكم فرائض فلا تضيعوها، وحد لكم حدودًا فلا تعتدوها، ونهاكم عن أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء من غير نسيان فلا تكلفوها رحمة من ربكم فاقبلوها". وفي رواية عند الدارقطني من حديث أبي ثعلبة الخشني: "وسكت عن أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنها". ب- وأما دليل مشروعية المظاهرات في عهد النبي r فمنه (1) ما أخرجه الطبراني والبزار بإسناد حسن عن أبي جحيفة، قال: جاء رجل إلى رسول r يشكو جاره، فقال r: "اطرح متاعك على طريق"، فطرحه، فجعل الناس يمرون عليه ويلعنونه – وفي رواية: فكان كل من مر به قال: ما شأنك؟ قال: جاري يؤذيني. قال: فيدعو عليه. فجاء جاره فقال: رد متاعك فإني لا أوذيك أبدًا - فجاء إلى النبي r فقال: يا رسول الله لقيت من الناس. فقال r: "وما لقيت منهم"؟ قال: يلعنونني. فقال r: "قد لعنك الله قبل الناس"، فقال الرجل: إني لا أعود. فجاء الذي شكاه إلى النبي r فقال r: "ارفع متاعك فقد كفيت". (2) ما أخرجه أبو نعيم الأصبهاني في حلية الأولياء وابن عساكر في تاريخ دمشق، عن ابن عباس، قال: "سألت عمر بن الخطاب لأي شيء سميت الفاروق؟ قال: أسلم حمزة قبلي بثلاثة أيام، ثم شرح الله صدري للإسلام،فقلت لأختي: أين رسول الله r فقالت هو في دار الأرقم بن أبي الأرقم عند الصفا أتيت الدار وحمزة في أصحابه جلوس في الدار، ورسول الله r في البيت.. إلى أن نطق الشهادتين أمام رسول الله r ، ثم قال: يا رسول الله ألسنا على الحق إن متنا وإن حيينا؟ قال: "بلى والذي نفسي بيده إنكم على الحق إن متم وإن حييتم" . قلت: ففيم الاختفاء؟ والذي بعثك بالحق لتخرجن، فأخرجناه في صفين، حمزة في أحدهما وأنا في الآخر له كديد ككديد الطحين، حتى دخلنا المسجد،فنظرت إلى قريش وإلى حمزة، فأصابتهم كآبة لم يصبهم مثلها، فسماني رسول الله r يومئذ الفاروق، وفرق الله بي بين الحق والباطل". ووجه الدلالة: في خروج النبي r بأصحابه في مظاهرة لإعلان الإسلام وقوة المسلمين في مكة.

(2) أن المظاهرات وإن كانت غربية النشأة الفكرة في العصر الحاضر إلا أنها إسلامية المقصد، وإنسانية المعنى والأثر، فلا حرج من العمل بها. أ- أما الدليل على أن المظاهرات إسلامية المقصد فأكثر شعائر الإسلام المعتمدة على إظهار العزة والقوة، مثل صلاة الجمعة والجماعة والعيدين، حتى كان النبي r يأمر النساء الحيض وذوات الجمهور أن يخرجن إلى المصلى يوم العيد معللاً ذلك بقوله: "ليشهدن الخير ودعوة المسلمين"، فقالت امرأة: يا رسول الله إن لم يكن لإحداهن ثوب كيف تصنع؟ فقال r: "تلبسها صاحبتها طائفة من ثوبها" [أخرجه أبو داود عن أم عطية]. ب- وأما الدليل على أن المظاهرات إنسانية المعنى فهو تأثيرها الإنساني دون النظر إلى العقيدة، فقد أخرج الشيخان عن ابن عباس، قال: "كان النبي r يحب موافقة أهل الكتاب فيه لم يؤمر فيها بشيء. وكان أهل الكتاب يسدلون أشعارهم، وكان المشركون يفرقون رؤوسهم، فسدل النبي r ناصيته ثم فرق بعد". وأخرج مسلم عن جذامة بنت وهب، أن رسول الله r قال: "لقد هممت أن أنهى عن الغيلة، حتى ذكرت أن الروم وفارس يصنعون ذلك فلا يضر أولادهم"، وفي رواية: "فنظرت في الروم وفارس فإذا هم يغيلون أولادهم فلا يضر أولادهم ذلك شيئًا". [والغيلة: أن يأتي الرجل زوجته وهي حامل، أو تحمل المرأة وهي ترضع].

(3) أن من المقاصد الرئيسة للمظاهرات معارضة الحاكم في النظر السياسي، وهذه المعارضة جزء من النظام المعاصر الذي يعتمد الديمقراطية أساسًا للحكم، فلم تكن خروجًا على الحاكم، بل هي قيام بواجب النصح، أو هي وسيلة لإنكار المنكر. وقد أخرج مسلم من حديث تميم الداري، أن النبي r قال: "الدين النصيحة.. لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم". وأخرج مسلم عن أبي سعيد الخدري، أن النبي r قال: "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان".

(4) أن المظاهرات كوسيلة معاصرة للتعبير عن الحقوق السياسية تتفق مع القاعدة الفقهية "أعظم المصلحتين وأهون المفسدتين". أ- فمن المصالح الشرعية التي تحققها المظاهرات: النصح لولاة الأمور، وتثبيت عموم المسلمين على الحق، وإعلان رأي الشعوب إلى الأنظمة الحاكمة للضغط السياسي عليها توصلاً للحق. ب- ومن المفاسد التي تدفعها المظاهرات: تهمة الشعب بالضعف والاستسلام، واستمراء الحاكم الانفراد بالرأي.

الاتجاه الثاني: يرى عدم مشروعية القيام بالمظاهرات السلمية وتحريمها، وإن كان وفقًا للقوانين المنظمة بغرض المطالبة بحق سياسي داخلي أو خارجي، بل هي أسلوب فوضوي شيطاني. [موقع: إخوان أون لاين]. وهو اتجاه محتمل، ذهب إليه مشاهير علماء السلف المعاصرين، ومنهم الشيخ عبد العزيز بن باز، المفتي العام الأسبق للسعودية، والشيخ محمد بن صالح العثيمين، والشيخ عبد الله صالح الفوزان، والشيخ عبد العزيز آل الشيخ، المفتي العام للسعودية والرئيس العام لهيئة كبار العلماء بها، والشيخ محمد ناصر الدين الألباني، والشيخ أبو إسحاق الحويني، وحجتهم: (1) أن وسيلة المظاهرات في التعبير عن الحقوق مستحدثة، ليست من عادة أصحاب رسول الله r، فتكون بدعة مردودة؛ لما أخرجه البخاري تعليقًا، ومسلم مرفوعًا عن عائشة، أن النبي r قال: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد"، كما أخرج الشيخان عن عائشة، أن النبي r قال: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد". وأخرج مسلم عن جابر عبد الله، أن النبي r كان إذا خطب يقول: "أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة". وأجيب عن ذلك: أ- أن المظاهرات ليست بدعة؛ لثبوت أصلها في عهد النبوة، ومن ذلك أمر النبي r للرجل الذي آذاه جاره أن يطرح متاعه على طريق، وأيضًا خروج النبي r مع أصحابه في صفين أحدهما بقيادة الحمزة والآخر بقيادة عمر بن الخطاب لإظهار الإسلام في قريش. كما سبق بيانه في دليل من أجاز المظاهرات. ب- على التسليم بأن المظاهرات بدعة إلا أنها بدعة حسنة وليست بدعة سيئة. يقول الدكتور يوسف القرضاوي: "ليست البدعة كل ما استحدث بعد رسول الله r، بإطلاق؛ فقد استحدث المسلمون أشياء كثيرة لم تكن في عهده r ولم تُعد بدعة، مثل استحداث عثمان أذانًا آخر يوم الجمعة بالزوراء (مكان خارج المدينة) لما كثر الناس واتسعت المدينة. ومثل استحداثهم العلوم المختلفة وتدريسها في المساجد مثل علم الفقه وعلم أصول الفقه وعلم النحو والصرف وعلوم اللغة والبلاغة، وكلها علوم لم تكن على عهد النبي r وإنما اقتضاها التطور، وفرضتها الحاجة، ولم تخرج عن مقاصد الشريعة، بل هي لخدمتها وتدور حول محورها. فما كان من الأعمال في إطار مقاصد الشريعة لا يعد من البدعة المذمومة، وإن كانت صورته الجزئية لم تعهد في عهد النبوة إذا لم تكن الحاجة إليه قائمة"

(2) أن المظاهرات غريبة النشأة، وهي من وسائل الديمقراطية التي ابتدعوها، وقد نهينا عن التشبه بغير المسلمين؛ خاصة وأن عندنا نحن المسلمين وسائل شرعية عديدة للتعبير، منها النصح وتغيير المنكر باليد واللسان والقلب.ويدل على منع التشبه بغير المسلمين: ما أخرجه أبو داود بإسناد حسن عن ابن عمر، أن النبي r قال: "من تشبه بقوم فهو منهم"، وما أخرجه الطبراني وصححه الألباني من حديث شداد بن أوس، أن النبي r قال: "صلوا في نعالكم ولا تشبهوا باليهود". وأجيب عن ذلك: بأن التشبه بغير المسلمين المنهي عنه هو ما يتعارض مع نصوص الشريعة ومقاصدها. أما غير ذلك فيجوز التشبه بهم فيما يعود على المسلمين بالنفع والمصلحة؛ لما أخرجه الشيخان عن ابن عباس، "أن النبي r كان يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء". وأما ما ورد شرعًا من وسائل النصح وتغيير المنكر باليد واللسان والقلب فليست وسائل حصرية، كما أنها لا تتعارض مع وسيلة المظاهرات السلمية ففيها النصح والتغيير باللسان.

(3) أن المظاهرات أجيزت في النظام الديمقراطي؛ لخروج المعارضة على النظام الحاكم وتمكينها من إثبات وجودها في الشارع طمعًا في الوصول إلى الحكم في الانتخابات التالية، فيما يعرف بتدوير السلطة. وهذا المعنى يتعارض تمامًا مع مقاصد الشريعة الإسلامية في نظام حكمها القائم على الاستقرار؛ ولذلك جاء الأمر بالسمع والطاعة، كما جاء النهي عن الخروج على الحاكم. ومن هنا كانت المظاهرات في النظام الإسلامي من الفتن المنكرة. ويدل على الأمر بالسمع والنهي للحاكم عن الخروج عليه: عموم قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم" [النساء:59]، وأخرج الشيخان عن عبادة بن الصامت، قال: دعانا النبي r فبايعناه، فقال فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا، وألا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان". وأجيب عن ذلك: بأن الأمر بالسمع والطاعة، والنهي عن الخروج على الحاكم مقيد بالأمور الجامعة التي لا تحتمل الاختلاف، كما أنه مقيد بحال عدم الإذن بالخروج وترتيبه. فإذا أذن الحاكم بالخروج عن طريق قانون منظم للمظاهرات ونحوها لم يكن العمل بموجبه خروجًا منهيًا عنه؛ لعموم ما أخرجه البخاري تعليقًا، أن النبي r قال: "المسلمون عند شروطهم"، وأخرجه الدارقطني من حديث عوف المزني مرفوعًا، وبزيادة: "إلا شرطًا أحل حرامًا أو حرم حلالاً".

(4) أن المظاهرات كوسيلة معاصرة للتعبير عن الحقوق السياسية تتعارض مع قاعدة "أعظم المصلحتين وأهون المفسدتين". أ- فمن المصالح الفائتة بالمظاهرات: 1- وحدة المسلمين بسبب تفرقهم واختلاف المتظاهرين على النظام الحاكم. 2- مضيعة الجهد والوقت والمال المبذول في المظاهرات؛ لأن المعارضة لو كانت على سياسة خارجية كالتطرف الإسرائيلي فإن حكومات الدول الكبرى لن تحرك ساكنًا. ولو كانت المعارضة على سياسة داخلية فإن النظام الحاكم ربما يتمادى مراعاة لكبريائه. ما لو كانت المعارضة عن طريق التظلمات في الستر دون المظاهرات لكان أرجى لقبولها. ب- ومن المفاسد المجلوبة بالمظاهرات: نزع هيبة الدولة والنظام عند مواطنيها، وتحريك الشهوة للإطاحة بالحاكم. وأجيب عن ذلك: أ- أن المعارضة جزء من النظام الحاكم في الديمقراطية، فلا يتصور معها التفرق؛ لأن الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية. ب- وأما الزعم بعدم جدوى المظاهرات في التأثير على الحكومات في الخارج والداخل فغير صحيح؛ لأن الواقع يشهد بالتأثير وإن كان قليلاً، لكن مع انتشار الديمقراطية واستقرارها سيكون للمظاهرات تأثير أقوى وأكثر إيجابية. جـ- الزعم بنزع هيبة الدولة وتحريك الشهوة للإطاحة بالحاكم لمجرد خروج المظاهرات قول بعيد عن الواقع ومبني على معنى الديكتاتورية؛ لأن هيبة الدولة ليست أولى بالرعاية من كرامة الإنسان ومشاركته في شئون البلاد. ثم إن الأصل في المظاهرات أن تكون سلمية فلا يتصور معها إطاحة بالحاكم.

التعقيب والاتجاه المختار: لم يتكلم الفقهاء السابقون عن قضية "المظاهرات" كوسيلة تعبيرية للمطالبة بالحقوق السياسية؛ لعدم حاجة الناس قديمًا إليها. وفي أوائل القرن العشرين الميلادي بدأت الدول العربية والإسلامية تأخذ بالنظام الديمقراطي في الحكم الذي يعتمد على مشاركة الشعب في إدارة شئون البلاد تأثرًا بنجاح تجربة الديمقراطية في الدول الغربية. وكان من أوائل تلك الدول مصر التي أصدرت أول دستور لها سنة 1923م الذي أقر بحق الشعب في إدارة شئون بلاده. وتفعيلاً لذلك صدر القانون رقم 14 لسنة 1923م بشأن تقرير الأحكام الخاصة بالاجتماعات العامة وبالمظاهرات في الطرق العمومية. وبعد أن تولى الرئيس محمد أنور السادات حكم مصر سنة 1970م عمل على تجديد وتحديث الدستور سنة 1971م، وقد أقر في مادته الرابعة والخمسين بحق الاجتماعات العامة والمواكب والتجمعات في حدود القانون، وكان قد نص في مادته الثانية على أن: "الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع" مما أثار خلافًا فقهيًا معاصرًا يدور حول مشروعية المظاهرات، حيث إن القانون المنظم للمظاهرات في مصر قد تقيد بمبادئ الشريعة الإسلامية حسب النص الدستوري. كما أن هناك من الأنظمة العربية والإسلامية ما لا يعرف شعبها معنى الديمقراطية وحقوقها.

ويرجع سبب الخلاف في قضية "المظاهرات السلمية للمطالبة بالحقوق السياسية" إلى عدة أسباب من أهمها: حداثة وسيلة المظاهرات للتعبير، والاختلاف في بدعيتها، وغربية نشأتها، وتعارض مقاصدها في معارضة النظام الحاكم سياسيًا، مع مقاصد الحكم الإسلامي في السمع والطاعة لولي الأمر، والاختلاف فيما يترتب على المظاهرات من مصالح ومفاسد.

وقد كان ذكرنا لاتجاهات الفقهاء المعاصرين في حكم المظاهرات، والتي أجملناها في اتجاهين دائرين بين المشروعية والجواز الذي أخذ به الأكثرون، وبين المنع والحظر الذي أخذ به السلفيون المعاصرون، من أجل إنارة الرأي العام في الأوساط الإسلامية بالأوجه الفقهية وأدلتها المحيطة بالقضية؛ ليختار من يختار عن بينة، ومن قدر عليه الاختيار فليعلم أنه في سعة الخلاف وبحبوحة الفقه الذي لا يعرف التزامًا بفتوى معينة دون الأخرى إلا على من اجتهدها وبقي على اجتهاده فيها، أو بإلزام ولي الأمر إذا رأى إجماع الناس على رأي سواء.

وحيث إن قضية "المظاهرات السلمية للمطالبة بالحقوق السياسية" من القضايا العامة التي يحتاج فيها أولوا الأمر وذووا الشأن استبانة آراء الفقهاء؛ لمعرفة الاتجاه الغالب أو الشائع؛ لإمكان حمل الناس عليه في زمن ومكان معينين، فإنني أرى اختيار ما ذهب إليه أكثر الفقهاء المعاصرين القائلين بمشروعية المظاهرات السلمية تعبيرًا عن المطالبة بالحقوق السياسية في حال وجود قانون منظم لإجراءاتها؛ لقوة أدلتهم، ولصيرورة المظاهرات وسيلة تعبيرية إنسانية عامة، فضلاً عن موافقتها لمقاصد الشريعة الإسلامية التي تعظم الشعائر الدينية الظاهرة كالأذان والجمعة والجماعة، ومن تعظيمها أن نجعلها منهجًا في الحياة، وصدق الله حيث يقول: "ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب" [الحج: 32].

Islamic Calendar Widgets by Alhabib

Pages