تعرف المسلمون على النظام الانتخابي المعبر عن فكرة الديمقراطية في مطلع القرن العشرين الميلادي؛ بسبب تطور المواصلات وزيادة البعثات العلمية للخارج، فضلاً عن قدوم الاستعمار الأوربي إلى الديار الإسلامية. وكانت الثورة الفرنسية وإعلانها الحقوقي سنة 1789م قد بدأت في أولى تجارب الديمقراطية ونظامها الانتخابي عملياً، ثم انتقل هذا النظام إلى سائر الدول الأوربية وغيرها، حتى أصبحت سمة الحكم في النظام الحديث.
وفكرة الديمقراطية تعتمد على جعل السيادة للشعب بحسب قاعدة الأغلبية أو الأكثرية عن طريق النظام الانتخابي في أمرين. أحدهما : اختيار الحاكم ومعاونيه لمدة محددة، وهو ما يعرف بالاقتراع (ويجوز تسميته أيضاً بالتصويت)، ويكون بحصول الفائز على نسبة معينة من أصوات الناخبين. الثاني: حسم القرارات الجماعية في المجالس واللجان بأغلبية الآراء، وهو ما يعرف بالتصويت (ويجوز تسميته أيضاً بالاقتراع).
واختلف الفقهاء المعاصرون في إمكان اتخاذ النظام الانتخابي بديلاً عن البيعة والشورى المعروفين في السياسية الشرعية. (1) أما البيعة: فهي نظام في اختيار الحاكم كان قديماً. وأقره الإسلام، ومارسه الرسول r والخلفاء من بعده. وتتسم البيعة بالتأبيد [مدى الحياة إلا لطارىء]، بخلاف الانتخابات التي تكون مقيدة بمدة زمنية. كما أن البيعة تعطي تفويضاً للحاكم في اختيار كل معاونيه وممارسة كل الوظائف الدينية والحياتية، بخلاف النظام الانتخابي الذي يقوم على اختيار الشعب لأعضاء مؤسسات الحكم، ومنها الحزب الذي يشكل الحكومة. (2) وأما الشورى: فهي نظام شرعه الإسلام لضبط التفويض المطلق الممنوح للحاكم بالبيعة. ويؤخذ على هذا النظام : أ- أن الحاكم كثيراً ما يتدخل في اختيار أهل الشورى. ب- أن الحاكم في سعة من الالتجاء إلى الشورى؛ لاختلاف الفقهاء في حكمها التكليفي. فبينما يراها الجمهور واجبة؛ لظاهر الأمر بها في قوله تعالى : " وشاورهم في الأمر" [آل عمران:159]. ذهب بعض الحنفية والشافعية إلى استحبابها وصرف الأمر بها عن ظاهره؛ لما ثبت أن الخلفاء الراشدين أبرموا بعض الأمور الخطيرة بدونها. جـ- أن الحاكم في سعة من الالتزام بنتيجة الشورى؛ لاختلاف الفقهاء في أثرها. فبينما يرى بعض الحنفية وجوب العمل بنتيجة الشورى حتى لا تكون عبثاً. ذهب الجمهور إلى استحبابه؛ لأن الرسول r أخذ برأيه الذي وافقه فيه أبو بكر الصديق دون رأي الأكثرية في شأن أسرى بدر.
ويمكن إجمال أقوال الفقهاء المعاصرين في حكم اتخاذ "النظام الانتخابي بديلاً عن البيعة والشورى" في اتجاهين . الأكثرون يرون الجواز أو الإباحة، والبعض يرى المنع أو التحريم. ويرجع اختلاف الفقهاء في ذلك إلى عدة أسباب من أهمها: (1) حداثة الانتخابات على النظام الإسلامي. فمن رأى بدعيته قال بالمنع، ومن رأى أنه تجديد في الدين، أو أن له أصلاً في السنة، أو أنه تطوير لنظام البيعة والشورى قال بالجواز. (2) غربية نشأة الانتخابات. فمن رأى عدم إسلامية المصدر مانعاً من المشروعية قال لا يجوز العمل بالانتخابات. ومن رأى أن ذلك ليس مانعاً من المشروعية فيما لا نص فيه قال يجوز العمل بالانتخابات. (3) الاختلاف في التكييف الفقهي للبيعة والشورى. فمن رآهما من العبادات التوقيفية منع تركهما إلى الانتخابات. ومن رآهما من المعاملات التقديرية أجاز تركهما للعمل بالانتخابات. (4) الاختلاف في اختيار الوسيلة الأصلح للحكم التي تحقق القدر الأعظم من الرضا والصلاحية الفنية، هل هي الانتخابات، أو البيعة والشورى؟. فمن رأى أن البيعة أظهر في الرضا والصلاحية الفنية منع الانتخابات. ومن رأى الانتخابات أظهر في الرضا والصلاحية الفنية أجاز العمل بها دون البيعة والشورى. (5) الاختلاف في معارضة طبيعة الانتخابات القائمة على التأقيت والتطلع إلى الحكم وتفتيته في منظومة جماعية مع طبيعة البيعة القائمة على التأبيد وعدم منازعة الإمام في كل الشئون الدينية والحياتية. فمن رأى التأبيد والشمول في التفويض الديني والحياتي شرطاً في البيعة لم يجز الانتخابات. ومن لم ير ذلك شرطاً في البيعة أجاز الانتخابات.
وقد كان ذكرنا لاتجاهات الفقهاء المعاصرين وأدلتهم في قضية " النظام الانتخابي بديلاً عن البيعة والشورى" مساهمة لتنوير الرأي العام، ومساعدة للباحثين عن الحكم الشرعي المقنع؛ لأن خدمة الاتجاهات الفقهية المختلفة في القضية يزيد من قناعة من اختار أحدها؛ حيث كان اختياره عن بينة وليس عن تبعية أو استرسال. ولا نعيب على من اختار أحد اتجاهي هذه القضية - بعد تبصرة بأدلة الاتجاه الآخر- لما أسسه الفقه الاجتهادي من وجوب إعذار الغير إلا في صورة تدخل ولي الأمر بتعميم أحد الاتجاهات الفقهية، فلا يجوز لأحد المولى عليهم أن يخرج عن الطاعة، وإن كان اختياره الفقهي مغايراً، ولكن يبقى له حق طلب التغيير وفقاً للقواعد المتبعة.
وحيث إن قضية اتخاذ " النظام الانتخابي بديلاً عن البيعة والشورى" من القضايا العامة المستجدة، والتي يحتاج فيها أولوا الأمر وذووا الشأن استبانة آراء الفقهاء المعاصرين؛ للعمل بموجبها في ظل السياسة الشرعية، فإنني أرى اختيار ما ذهب إليه أكثر الفقهاء المعاصرين، من أهل التجديد، القائلون بجواز اتخاذ النظام الانتخابي بديلاً شرعياً عن البيعة والشورى؛ لقوة أدلتهم، ولتحقق معنى البيعة والشورى في ظل النظام الانتخابي السليم، والذي ثبت بالتجربة أحقيته في تعميمه على بعض أنظمة الحكم الإسلامية المعاصرة شريطة أن يتجنب الحيل المفسدة لمقصوده من تحقيق الديمقراطية الحقة التي تمنح الشعب حق الحرية الذي يعظمه الإسلام ويضبط ممارسته بما لا يتعارض مع حريات الآخرين.









