التعريف بالقضية ونشأتها:
المقصود بعملية " بيع الصوت الانتخابي" – الشائعة عند عامة الناس اليوم- ما هو أعم مما يشمل كل عوض في العملية الانتخابية من بين أطرافها، ومن أهم الصور في ذلك: (1) أخذ الناخب عوضاً في سبيل إدلائه بصوته أو الامتناع عنه. (2) أخذ المرشح عوضاً من الناخبين في سبيل ترشيح نفسه أو إعانته على هذا الترشيح. (3) أخذ المرشح عوضاً من المرشحين الآخرين في سبيل تنازله عن منافستهم في الانتخابات. أما إذا كان العوض المالي من خارج العملية الانتخابية مثل ما تعطيه الحكومة للمرشحين من دعم أو الناخبين من بدل انتقال فليس داخلاً في حقيقة بيع الصوت الانتخابي. وقد كان من تبعات العمل بالنظام الانتخابي، للمشاركة في الحياة السياسية على مقتضيات الديمقراطية- التي عرفها بعض الدول الإسلامية ومن أوائلها مصر في أوائل القرن العشرين الميلادي- أن ظهر بعض المثالب أو المفاسد في تلك الممارسة، والتي تدرجت في سوءتها بدءاً من المقاطعة الانتخابية، وخلف الوعد ، والغدر في العهد ثم الاغتيال السياسي للخصم بالتجريح، وأعمال التزوير، وتطور الأمر - في بعض الأحوال - إلى العنف والاغتيال الجسدي؛ وذلك بعد اشتعال المنافسة بتكرار الدورات الانتخابية. وبعد زيادة الدخول بسبب ارتفاع أسعار البترول في دول الخليج آواخر القرن العشرين، وظهور طائفة رجال الأعمال الأثرياء في مصر بسبب سياسة الانفتاح التي بدأها الرئيس السادات بعد انتصار أكتوبر 1973م ضد إسرائيل، وازدادت هذه الطائفة قوة حتى تمكنت فيما بعد من الحزب الحاكم الذي يشكل أغلبية البرلمان المصري، واشتركت في تكوين حكومته في مطلع القرن الحادي والعشرين: برزت إلى الساحة الانتخابية ظاهرة غريبة على المجتمع الإسلامي قد يراها الفقه من المتشابهات التي تحتمل حكم التحريم كما تحتمل حكم الجواز في بعض الأوجه، وهي: " بيع الصوت الانتخابي" الذي دخل سوق المزاد بين المتنافسين بما كان بعيداً عن الخيال، وإن كان القانون المصري قد استبق بتجريم هذه الصفقة للمعطي والآخذ والوسيط، وذلك في العلاقة بين الناخب والمرشح. أما في العلاقة بين المرشحين وبعضهم فإن القانون المصري لم يجرم العوض المالي أخذاً أو إعطاءً في عمليات التنازل بين المرشحين، مما يثير الجدل، حيث تنص المادة (13) من القانون (38) لسنة 1972م، ولم يرد عليها تعديل في القانون (175) لسنة 2005م في شأن مجلس الشعب على أنه:" لكل مرشح أن يتنازل عن الترشيح بإعلان على يد محضر إلى مديرية الأمن بالمحافظة قبل يوم الانتخاب بعشرة أيام على الأقل..." ولم يرد في شأن جرائم الانتخاب ما يجرم العوض في التنازل حيث اكتفت المادة 48 من القانون رقم 73 لسنة 2005م المعدل للقانون 73 لسنة 1956م بشأن تنظيم مباشرة الحقوق السياسية بتجريم الحمل عن الامتناع عن إبداء الرأي أو إبدائه على وجه معين بالقوة أو بأي فائدة. وتنص المادة (11) فقرة (6) من القانون 175 لسنة 2005م المعدل لبعض أحكام القانون 38 لسنة 1972م في شأن مجلس الشعب على : " حظر تلقي أموال من الخارج من شخص أجنبي أو من جهة أجنبية أو دولية أو من يمثلها في الداخل للإنفاق في الدعاية الانتخابية أو لإعطائها للناخبين مقابل الامتناع عن إبداء الرأي أو إبدائه على وجه معين"، وتنص المادة (48) من القانون 173 لسنة 2005م المعدل لبعض أحكام القانون 73 لسنة 1956م بشأن مباشرة الحقوق السياسية على أنه: " يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر وبغرامة لا تقل عن ألف جنيه ولا تجاوز خمسة آلاف جنيه. أولاً: كل من استعمل القوة أو التهديد لمنع شخص من إبداء الرأي في الانتخابات أو الاستفتاء أو لإكراهه على إبداء الرأي على وجه معين. ثانياً: كل من أعطى آخر أو عرض أو التزم بأن يعطيه فائدة لنفسه أو لغيره لكي يحمله على الامتناع عن إبداء الرأي أو إبدائه على وجه معين أو الامتناع عنه. ثالثاً: كل من قبل أو طلب فائدة من هذا القبيل لنفسه أو لغيره".
وأجاز القانون المصري منح الناخب – على نفقة الدولة- تذكرتين سفر ذهاب وإياب بدون مقابل بضوابط خاصة؛ حيث تنص المادة (55) من القانون 173 لسنة 2005م المعدل للقانون (73) لسنة1956 معلى أنه: " إذا كان انتقال الناخب من محل إقامته إلى مكان الانتخاب بطريق السكك الحديدية الحكومية فيعطى عند تقديم شهادة قيد اسمه بجدول الانتخاب تذكرتين بلا مقابل للسفر ذهاباً وإياباً على النحو الموضح في اللائحة التنفيذية".
ومع كون العرب والمسلمين هم أكثر شعوب العالم التزاماً وطاعة لأولي الأمر، في غير معصية، كما أنهم أكثر شعوب العالم حفظاً لمقاصد النصوص الصحيحة دون الحيل اللئيمة؛ تأثراً بالضوابط الدينية التي نشأوا عليها إلا أن ظاهرة الحيل الشائكة ومن أخطرها "بيع الصوت الانتخابي" قد شاعت في النظام الانتخابي في ديارنا الإسلامية بما يستوجب على أهل الفقه إبانة الحلال والحرام منها؛ لعموم قوله تعالى :" وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون" [النحل: 44].
تحرير محل النزاع:
لا خلاف في الفقه جملة على أن ولي الأمر إذا تدخل بتنظيم العوض المالي في النظام الانتخابي منعاً أو إعطاء ، وفق الضوابط العامة في المعاملات الشرعية، أن ذلك يصير أصلاً في التعامل بين الناس، مثل: (1) منع وتجريم إعطاء الناخبين أموالاً مصدرها أجنبي مقابل الامتناع عن إبداء الرأي أو إبدائه على وجه معين [مادة (11) فقرة (6) من القانون 175 لسنة 2005م المعدل للقانون 38 لسنة1972 مفي شأن مجلس الشعب]. (2) منع وتجريم كل من أعطى فائدة مالية، أو يمكن تقويمها بالمال ، أو قبلها، أو كان وسيطاً بين الآخذ والمعطي في سبيل الامتناع عن إبداء الرأي أو إبدائه على وجه معين أو الامتناع عنه [مادة (48) من القانون 173 لسنة 2005 المعدل للقانون 73 لسنة 1956م بشأن مباشرة الحقوق السياسية]. (3) استحقاق الناخب تذكرتين بلا مقابل للسفر ذهاباً وإياباً إذا كان انتقاله من محل إقامته إلى مكان الانتخاب بطريق السكك الحديدية الحكومية، وفقاً للائحة التنفيذية [مادة (55) من القانون 173 لسنة 2005م المعدل للقانون 73 لسنة 1956م].
ويختلف الفقه بعد ذلك في حكم العوض المالي للصوت الانتخاب، كما في حال سكوت القانون المصري عن حكم هذا العوض في عمليات التنازل بين المرشحين، أو عمليات تلقي المرشحين لأموال تعينهم في الحملة الانتخابية إذا لم يكن مصدرها أجنبياً. وكذلك في حال سكوت بعض أنظمة الحكم في الدول الإسلامية عن العوض المالي في العملية الانتخابية أصلاً. هل يكون الحكم في هذا العوض هو الجواز؛ عملاً بالإباحة الأصلية، أو يكون الحكم هو الحظر؛ عملاً بالمقاصد الانتخابية. أو يتردد حكم هذا العوض بين التحريم والجواز بحسب صورة المعاملة الانتخابية؟
سبب الخلاف في القضية:
يرجع الاختلاف الفقهي في حكم بيع الصوت الانتخابي، أو العوض في العملية الانتخابية- على الوجه المبين في تحرير محل النزاع - إلى عدة أسباب من أهمها: (1) الاختلاف في تكييف العملية الانتخابية بالجملة (التي تعبر عن ممارسة الديمقراطية ، وهي حكم الشعب بالشعب). هل تدخل ضمن العقود فيجوز تقييدها بشرط العوض المالي؛ عملاً بالإباحة الأصلية. أو أنها حالة تعبر عن ولاء الشعب للشعب فلا تقبل التقويم بالمال كالنسب؛ عملاً بالمقاصد الانتخابية. أو أنها تجمع بين الأمرين في وجه دون وجه. (2) الاختلاف في تكييف العلاقة الخاصة بين الناخب والمرشح، هل يمكن تقويمها بالمال أولاً؟. فمن رأى إمكان تقويمها بالمال قال بالجواز، ومن رأى عدم إمكان ذلك منع العوض المالي فيها. ومن رأى الجمع بين الأمرين قال بالجواز في وجه وبالمنع في وجه آخر.
الاتجاهات الفقهية في القضية:
يمكن بعد إجراء قواعد التخريج الفقهي، ومراعاة المقاصد الشرعية للعوض المالي في العملية الانتخابية - بحسب تحرير محل نزاعها - أن تحتمل القضية ثلاثة اتجاهات. أحدها: يرى المنع أو التحريم مطلقاً. والثاني: يرى الجواز أو الإباحة مطلقاً. والثالث: يرى التفصيل بالجواز في وجه، والمنع في وجه آخر. ونبين ذلك فيما يلي بإذن الله تعالى.
الاتجاه الأول: يرى تحريم بيع الصوت الانتخابي مطلقاً، فلا يجوز استحلال العوض في العملية الانتخابية بالجملة. وهو اتجاه ظاهر في الفقه، كما أنه الأصل الذي جرى عليه العمل من بادىء الأمر. وحجتهم: (1) أن العملية الانتخابية حالة تعبر عن ولاء الشعب للشعب؛ لأن الانتخابات أداة للديمقراطية، والديمقراطية هي حكم الشعب بالشعب وللشعب، فلو دخلها المال أفسدها لتعارضه مع مقاصدها من الولاء الشعبي. والولاء لا يقبل الإسقاط أو التقويم بالمال إجماعاً؛ لأنه كالنسب. ويدل على ذلك: أ- ما أخرجه ابن حبان في صحيحه عن ابن عمر، أن النبي r قال: " الولاء لحمة كلحمة النسب لا يباع ولا يوهب". ب- أخرج الشيخان عن عائشة – رضي الله عنها- قالت : جاءتني بريرة ، فقالت: كاتبت أهلي على تسع أواق في كل عام أوقية، فأعينيني. فقلت: إن أحب أهلك أن أعدها لهم ويكون ولاؤك لي فعلت، فذهبت بريرة إلى أهلها فقالت لهم، فأبوا عليها، فجاءت من عندهم ورسول الله r جالس، فقالت: إني عرضت ذلك عليهم فأبوا إلا أن يكون الولاء لهم، فسمع النبي r ، فأخبرت عائشة النبي r، فقال r : " خذيها واشترطي لهم الولاء فإنما الولاء لمن أعتق"، ثم قال: " ما بال رجال يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله، ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط، قضاء الله أحق، وشرط الله أوثق، وإنما الولاء لمن أعتق". ويمكن الجواب عن ذلك: بأنه على التسليم بأن العملية الانتخابية من الولاء الذي لا يباع ولا يوهب إلا أن هذا لا يمنع تعويض المضرور بغير تقصير منه، مثل الناخب الذي يتحمل مصاريف الانتقال، وتعطل مصالحه وتوقفه عن العمل ساعة التصويت التي قد تمتد إلى يوم أو بعض يوم، وأجر نظافة ملابسه وغسل أصبعه من المداد الفسفوري المستخدم في إثبات التصويت؛ لما أخرجه مالك من حديث يحيى المازني، وأخرجه أحمد وابن ماجه من حديث ابن عباس ، أن النبي r قال: " لا ضرر ولا ضرار".
(2) أن العلاقة بين الناخب والمرشح لا يمكن تقويمها بالمال؛ لأنها لا تخرج عن كونها تحكيماً أو شهادة أو تزكية أو موالاة، وكل هذه العقود لا يجوز فيها العوض بالإجماع أو على المختار، فكذلك لا يجوز العوض بين الناخب والمرشح. ويدل على منع العوض في هذه العقود: أ- أن التحكيم كالقضاء يفسده المال إذا كان بين القاضي والخصوم، وهذا بالإجماع؛ لما أخرجه أحمد والطبراني بسند فيه مقال عن أبي حميد الساعدي، أن النبي r قال: " هدايا العمال غلول"، وأخرجه الخطيب البغدادي من حديث أنس بلفظ: " هدايا السلطان سحت"، وأخرج الشيخان من حديث أبي حميد الساعدي، أن النبي r قال: " ما بال العامل نبعثه فيأتي فيقول: هذا لك وهذا لي، فهلا جلست في بيت أبيه وأمه فينظر أيهدى له أم لا، والذي نفسي بيده لا يأتي بشيء إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته إن كان له بعيراً له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر"، ثم رفع يديه حتى رأينا عفرتي إبطيه: " ألا هل بلغت" ثلاثا. ب- وأما الشهادة - ومثلها التزكية- فقد أجمع الفقهاء على بذلها دون عوض عند تعينها، فإذا لم تتعين فقد ذهب الجمهور- خلافاً لبعض الشافعية والحنابلة- إلى جواز أخذ أجرة الركوب إلى موضع الأداء والعودة، ولا يجوز أخذ أجرة على الشهادة؛لقوله تعالى: " وأقيموا الشهادة لله" [الطلاق: 2]، مع قوله تعالى: " ولا يضار كاتب ولا شهيد" [البقرة: 282]. جـ- وأما الموالاة – وهي عقد التآخي بين مجهول النسب غالباً ومعروف النسب- فقد ذهب الجمهور- خلافاً للحنفية- إلى أنها نصرة ونصيحة بين المتناصرين، وليست عقداً، فلا يدخلها المال؛ لما أخرجه مسلم من حديث تميم الداري، أن النبي r قال: " الدين النصيحة.. لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم". ويمكن الجواب عن ذلك: أ- أن العلاقة بين الناخب والمرشح ليست تحكيماً؛ إذ كيف يصير الناخب محكماً – أي قاضياً - لمرشح إذا فاز صار حاكماً عليه، ثم إن التحكيم يكون علانية أما التصويت الانتخابي فيكون سراً. ب- إذا قلنا بأن العلاقة بين الناخب والمرشح هي الشهادة أو التزكية، فقد ذهب بعض الشافعية والحنابلة إلى جواز أخذ الأجرة على الشهادة إن كان محتاجاً؛ لعموم قوله تعالى: " ومن كان غنياً فليستعفف ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف". [النساء: 6] جـ- أن الموالاة عند الحنفية عقد جائز غير لازم بين المتناصرين يجيز التوارث والعقل بين طرفيه وفقاً لضوابط خاصة، وإذا صح دخول المال فيه صح في المقيس عليه وهو ما كان من علاقة بين الناخب والمرشح.
(3) العلاقة بين المرشحين وبعضهم لا يمكن تقويمها بالمال؛ لأنها لا تخرج عن كونها منافسة أو مشاركة أو تمالؤ في حق لا يقوم بالمال. ويدل على منع العوض في هذه العقود: أ- أن المنافسة مسابقة، فإذا دفع أحد المتسابقين للآخر عوضاً حتى ينسحب لتمكين الدافع من الفوز لم يتحقق مقصود المسابقة فوجب بطلان العوض. ب- أن مشاركة المرشحين في قائمة الترشيح لا ترتب حقاً مالياًَ بينهم، وإنما ترتب حق التمكين من الاستمرار في العملية الانتخابية، وحق التمكين هذا ليس مالاً ولا يقوم بالمال، فلا يجوز الاستعاضة عنه بالمال، حتى لا يترشح بعض الطفيليين من أجل ابتزاز غيرهم. جـ- أن التمالؤ، وهو الاتفاق الذي يكون بين بعض المرشحين في العملية الانتخابية فيما يعرف بأصحاب القائمة المتناصرين لا يرتب حقاً مالياً؛ لأنه تعاون على محل لا يقوم بالمال وهو خوض الانتخابات والاستمرار فيها. ويمكن الجواب عن ذلك: أ- أن العوض إذا لم يجز بين المتنافسين إلا أنه يصح أن يكون من طرف ثالث أجنبي عنهما. ب- أن مشاركة المرشحين في قائمة الترشيح وإن لم ترتب حقاً مالياً في ذات القائمة إلا أنها ترتب أوضاعاً مالية في الدعاية على قدر عدد المرشحين ووجاهتهم، فإذا تنازل البعض كانت الكلفة في الدعاية الانتخابية أقل. جـ - أن التمالؤ فيما يعرف بالقوائم الانتخابية بين المتناصرين يؤثر في تخفيض الانفاقات المالية الخاصة بالدعاية الانتخابية، كما يرتب حصة مالية لهذه الدعاية على كل عضو في القائمة مما يجعله صاحب شبهة في استعاضة حصته إذا انسحب منها، وقد يكون زملاؤه في القائمة أصحاب شبهة لتغريمه بسبب انسحابه بدون اتفاقهم.
الاتجاه الثاني: يرى إمكان بيع الصوت الانتخابي مطلقاً، فيجوز أخذ العوض في العملية الانتخابية ما لم يحظره ولي الأمر. وهو اتجاه محتمل ، وقد جرى عليه العمل في بعض الأوساط الإسلامية. وحجتهم: (1) أن العملية الانتخابية لا تخرج عن كونها عقداً، وإن كان مركباً من عدة علائق، وهذا ما استقر عليه الفقه الدستوري المعاصر حتى انتهى بعضهم إلى تكييف النظام الانتخابي بالعقد الاجتماعي. وإذا صح كون النظام الانتخابي عقداً فلا مانع من اتخاذ العوض فيه؛ لأن العقود تقبل التقييد بالشرط في الجملة؛ لما أخرجه البخاري تعليقاً، أن النبي r قال: " المسلمون عند شروطهم"، وأخرجه الدارقطني من حديث عوف المزني مرفوعاً، وبزيادة : " إلا شرطاً أحل حراماً أو حرم حلالاً". ويؤكد حاجة النظام الانتخابي إلى اشتراط المال فيه: ما يتحمله الناخب من إنفاقات مالية تستوجب مجازاته وتعويضه عن مصاريف الانتقال وتعطيل مصالحه. ويمكن الجوب عن ذلك: بأنه على التسليم بأن النظام الانتخابي عقد إلا أنه عقد لا يقبل اشتراط المال فيه؛ لأن دخول العوض المالي فيه يخرجه عن مقصوده مثل الولاء، وقد أخرج الشيخان من حديث عائشة، أن النبي r قال: " ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط، قضاء الله أحق وشرط الله أوثق، وإنما الولاء لمن أعتق". وأما حاجة الناخب إلى التعويض فيرجع إلى الحكومة وليس إلى النظام الانتخابي، ثم إن الناخب لا يضار كثيراً لتباعد الانتخابات، ولأن نفعها يعود عليه من الاستقرار والأمان والحرية، وغير ذلك مما تهدف إليه الديمقراطية، فيكون عوضاً عما أصابه من ضرر.
(2) أن العلاقة الخاصة بين الناخب والمرشح يمكن تقويمها بالمال؛ فيجوز أن يشترط فيها المال، سواء قلنا إنها تحكيم أو شهادة أو تزكية أو موالاة، للآتي: أ- التحكيم لا يمنع حق الرزق، مثل القاضي الذي يستحق الأجر، والأصل أن يكون في بيت المال، فإذا لم يقم به لم يكن هناك سبيل سوى جمعه من أصحاب المصلحة. ب- الشهادة والتزكية يجوز فيهما أخذ الأجر عند الحاجة ، كما ذهب بعض الشافعية والحنابلة؛ لعموم قوله تعالى: " ومن كان غنياً فليستعفف ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف" [النساء: 6]. ولأن إنفاق الإنسان على عياله فرض عين والشهادة فرض كفاية، فلا يشتغل عن فرض العين بفرض الكفاية، فإذا أخذ الرزق جمع بين الأمرين. ولأن الشهادة وهي لم تتعين عليه في حكم كتابة الوثيقة، وكتابة الوثيقة يجوز أخذ الأجرة عليها، فكذلك الشهادة. كما أجاز جمهور الفقهاء للشاهد طلب أجر الركوب إلى موضع أداء الشهادة والعودة ؛ لعموم قوله تعالى : " ولا يضار كاتب ولا شهيد" [البقرة: 282]. جـ- أن الموالاة عقد جائز بين المتناصرين ، رتب الحنفية عليه حقوقاً مالية كالميراث والعقل، فكذلك في العلاقة بين الناخب والمرشح. ويمكن الجواب عن ذلك: أ- أن العلاقة بين الناخب والمرشح لا تكون تحكيماً؛ لأن المرشح إذا فاز في الانتخابات صار حكماً عليه. وعلى التسليم بصفة التحكيم فإن المسئول عن رزق الحكم هو الحكومة التي عينته. ب- أن جمهور الفقهاء – خلافاً لبعض الشافعية والحنابلة – يرون تحريم أخذ الأجر على الشهادة في الجملة؛ لقوله تعالى :" وأقيموا الشهادة لله" [الطلاق: 2]. جـ- أن جمهور الفقهاء – خلافاً للحنفية – لم يرتب حقوقاً مالية على عقد الموالاة بين المتناصرين ، فلا يجوز الاستناد إليه في مشروعية العوض في العلاقة بين الناخب والمرشح. (3) أن العلاقة الخاصة بين المرشحين وبعضهم يمكن تقويمها بالمال، فيجوز أن يشترط فيها المال، سواء قلنا إنها منافسة أو مشاركة أو تمالؤ؛ لأن هذه العقود وإن لم ترتب حقوقاً مالية في ذاتها إلا أنها تؤثر في ترتيب الأوضاع المالية زيادة ونقصاً، مثل نفقات الدعاية الانتخابية، ومصاريف الانتقال، والتفرغ للعمل والتكسب أو الانشغال عنه بالحملة الانتخابية، وعلى هذا فلا يوجد مانع شرعي من تقويم بعض هذه العلائق بالمال. ويمكن الجواب عن ذلك: بأن كل شيء لو أمكن تقويمه بالمال لامتنعت المروءات بين الناس، وفي هذا فساد أخلاقي عريض. ومن هنا وجب تنزيه العلاقة بين المرشحين وبعضهم عن المال حتى لا يخرج النظام الانتخابي عن مقصوده الصحيح من تحقيق الديمقراطية.
الاتجاه الثالث: يرى التفصيل؛ جمعاً بين الاتجاهين السابقين. وهو اتجاه محتمل، جرى عليه العمل في قانون مباشرة الحقوق السياسية المصري رقم 73 لسنة 1956م والمعدل بالقانون رقم 173 لسنة 2005م: وبيانهم كما يلي:
(1) إن كان العوض من المرشح أو غيره للناخب كان محظوراً؛ للتأثير على إرادته. (2) وإن كان العوض من الناخب للمرشح فلا حرج فيه في الجملة؛ لأنه من الإعانة على الحملة الانتخابية. (3) وإن كان العوض من المرشح أو غيره لمرشح آخر مقابل التنازل فلا مانع منه في الجملة لانتفاء تهمة تغيير إرادة الناخبين، ولأن طبيعة العمل السياسي لا تمنع من التكتلات. ويمكن الجواب عن ذلك: أ- نسلم بأن العوض للناخب يكون سبباً في التأثير على إرادته ، ولكن مع ذلك قد تتوافق إرادته مع عطية المرشح، فلماذا كان المنع. ب- القول بأن المال الذي يدفعه الناخب للمرشح يكون من الإعانة مردود بأنه تهمة للسيطرة على المرشح بعد فوزه حتى يعمل لصالح الداعم دون التسوية بينه وبين سائر الناخبين. جـ - القول بأن عوض التنازل عن الترشيح لصالح مرشح آخر ليس فيه تهمة تغيير إرادة الناخبين، فضلاً عن موافقته لطبيعة العمل السياسي فيما يعرف بالتكتلات قول مردود؛ لأن هذا التنازل فيه غدر بالناخبين الذين تعلقت آمالهم في مرشح ثم يصدمون بصفقته مع مرشح آخر يكرهونه. وأما التكتلات السياسية فيجب أن تكون في حدود احترام إرادة الناخبين حتى لا يتحول النظام الانتخابي إلى صراع بين المرشحين والناخبين بدلاً من حقيقته التي هي منافسة بين المرشحين وبعضهم. وأيضاً فإنه إذا سمح بالعوض للتنازل بين المرشحين فسيكون ذلك سبيلاً لانتشار ظاهرة الانتهازيين الذين يترشحون بقصد ابتزازا غيرهم.
التعقيب والاتجاه المختار: المقصود بقضية " بيع الصوت الانتخابي" ما هو أعم مما يشمل كل عوض في العملية الانتخابية من بين أطرافها، كأخذ الناخب عوضاً لتصويته، أو أخذ أحد المرشحين عوضاً في سبيل تنازله، أو أخذ أحد المرشحين عوضاً من الناخبين ليعاونوه على أعباء العملية الانتخابية.
وقد برزت إلى الساحة الانتخابية في بعض الدول الإسلامية ظاهرة بيع الصوت الانتخابي بكل صورها بعد الإقبال الملحوظ واشتعال المنافسة الانتخابية في أواخر القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين.
وقد منع القانون المصري رقم 173 لسنة 2005م بشأن مباشرة الحقوق السياسية: " كل من أعطى آخر، أو عرض أو التزم بأن يعطيه فائدة لنفسه أو لغيره لكي يحمله على الامتناع عن إبداء الرأي أو إبدائه على وجه معين، أو الامتناع عنه. وكذلك كل من قبل أو طلب فائدة من هذا القبيل لنفسه أو لغيره". ولم يجرم القانون المصري عمليات التنازل بين المرشحين بالمال، أو عمليات تلقي المرشحين للمال من الناخبين إلا أن يكون مصدر الأموال أجنبياً.
ويتفق الفقه على وجوب الالتزام بالنصوص القانونية المنظمة للعملية الانتخابية؛ لوجوب طاعة ولي الأمر في المعروف؛ استقراراً للأوضاع. وفي حال الفراغ القانوني لتنظيم العوض المالي في النظام الانتخابي فإن الفقه يحتمل ثلاثة اتجاهات. الأول: يرى المنع بإطلاق. والثاني: يرى الجواز بإطلاق. والثالث: يرى التفصيل؛ جمعاً بين الاتجاهين الأولين بحيث يكون العوض ممنوعاً في مظنة التأثير على الإرادة كما لو كان العوض للناخب، ويكون العوض جائزاً في غير ذلك كما لو كان للمرشح وليس للناخب.
وقد كان ذكرنا للاتجاهات الفقهية المختلفة في قضية " بيع الصوت الانتخابي" هادفاً إلى تنوير الرأي العام، وإحاطته بالأوجه المختلفة والحجج المتعارضة التي يروق بعضها لبعض الناس دون بعض؛ حتى يعذر بعضهم بعضاً؛ لما استقر عليه الفقه أنه: " لا إنكار في المسائل الخلافية".
وحيث إن قضية " بيع الصوت الانتخابي" من القضايا العامة المستجدة، والتي يحتاج أولوا الأمر وذووا الشأن فيها استبانة آراء الفقهاء المعاصرين فإنني أرى اختيار الاتجاه الأظهر فقهياً، وهو الذي يرى تحريم بيع الصوت الانتخابي بكل صوره ؛ لقوة أدلتهم، وحماية للنظام الانتخابي من الانحراف عن مقصوده من تحقيق الديمقراطية السليمة. ولكن مع ضرورة أن تتولى الحكومة تعويض الناخبين عما يلحقهم من ضرر تعطيل مصالحهم في يوم التصويت، ولو بمنحهم عطلة يوم بأجر، ومصاريف الانتقال الفعلية، فضلاً عن دعم المرشحين بما يغنيهم عن الغير الذي يأسرهم بعطائه، ويجعلهم منتخبين لأجله دون سائر الناس.










