التضخم مشكلة اقتصادية خطيرة تمس الفرد والجماعة في أكثر دول العالم المعاصر بعد انتشار النقود الورقية التي قامت مقام العملة الذهبية، وكانت النقود الورقية قد بدأت في الظهور في منتصف القرن السابع عشر الميلادي حتى جاءت الحرب العالمية الأولى سنة 1914م وسحبت معظم الحكومات نقودها الذهبية بغرض شراء الأسلحة اللازمة وتغطية ما تصدره من نقود ورقية، فاختفى الذهب من التداول النقدي اعتباراً من هذه الفترة إلا أنه كان غطاءً حقيقياً تلتزم الدولة بتسليمه عند طلب الدولة المتعاملة بالورق النقدي إلى عام 1971م عندما واجهت الولايات المتحدة الأمريكية أزمة شديدة في سعر دولارها ولم يكن عندها الغطاء الذهبي الكافي فاضطرت إلى إيقاف تحويل الدولار إلى الذهب للدول الأخرى في 15/8/1971م، وفي عام 1974م اختار الصندوق المالي العالمي فكرة " حقوق السحب الخاصة" كبديل لاحتياطي الذهب، وتقوم هذه الفكرة على أن يكون لأعضاء الصندوق حق سحب كمية معينة من عملات الدول المختلفة لأداء ديونهم إلى الدول الأجنبية الأخرى، واعتبر 888676 جراماً من الذهب كعيار لتعيين هذه الكمية، وإن حقهم لسحب هذه الكمية اعتبر بديلاً لاحتياطي الذهب. وبهذا خرج الذهب عن نطاق النقود وساد التعامل بالنقود الورقية التي تمثل قوة شراء فرضية ولا تمثل ذهباً ولا فضة، وبرزت حقيقة التضخم، وهي: ارتفاع الأسعار للسلع والخدمات بسبب ضعف القوة الشرائية للنقود الورقية. ويحدث هذا الضعف لأسباب كثيرة من أهمها: زيادة النقود الورقية المصكوكة عن المعروض من السلع والمنافع، ومن ذلك أيضاً انتهاج الدولة لسياسة تخفيض عملتها بالنسبة إلى بعض العملات الأخرى، وقد تتوجه الدولة إلى حماية عملتها بحظر إخراجها من أراضيها أو تقييد ذلك، وقد تتوجه إلى منع التعامل بغير عملتها في داخل أراضيها، أو تتوجه إلى رفع قيمة عملتها بنسبة معينة، أو استبدال العملة بعملة أخرى. وكل ذلك قد أدى إلى ارتفاع قيمة العملة الورقية في زمن ثم انخفاضه في زمن آخر، أو العكس. وهذا التردد في قيمة العملة الورقية، فإذا ما اقترض الإنسان مبلغاً من النقد الورقي لا يتفق مع أصل الاستقرار في المعاملات مما أثار العديد من المشاكل المعضلات ومن ذلك أحكام القروض والديون المتعلقة بتلك النقود الورقية، فإذا ما اقترض الإنسان مبلغاً من النقد الورقي إلى أجل، أو اشترى عقاراً بسعر معين إلى أجل ، ثم انخفضت قيمة العملة أو زادت عند حلول هذا الأجل بنسبة ملحوظة أو فاحشة وذلك بالمقارنة مع العملات الأخرى المستقرة أو مع القيمة الذهبية، فهل العبرة في التعامل بين الناس في ذلك بزمن الالتزام أو بزمن الوفاء؟ وعلى سبيل المثال إذا اقترض أحمد من محمد ألف جنيه مصري في أواخر القرن العشرين الميلادي إلى حين ميسرة، ثم تمكن من الوفاء في أوائل القرن الحادي والعشرين فهل يرد الألف عداً كما أخذه يوم التعاقد أو يرد الألف مضاعفاً بما يساوي قوة هذا الألف الشرائية يوم التعاقد؟ إن هذه القضية وإن برزت في العصر الحاضر إلا أن جذورها ممتد في الماضي العريق حتى إن الفقهاء الإسلاميين قد تكلموا عنها منذ بداية تدوين المذاهب الفقهية في القرن الثاني الهجري أو الثامن الميلادي حيث كانوا يتعاملون بالنقود الذهبية أو الفضية الخالصة، كما كانوا يتعاملون أيضاً بالنقود المخلوطة وهي الفلوس الموازية للنقود الذهبية أو الفضية- وفي حكمها النقود الورقية ذات الغطاء الذهبي التي ظهرت في منتصف القرن السابع عشر الميلادي- ثم استحدثت الولايات المتحدة الأمريكية في عام 1971م التعامل بالنقود الورقية غير المغطاة بالذهب والتي تمثل قوة شرائية فرضية. ولكل صورة من هذه الصور الثلاث في التعامل النقدي حكمها الخاص فيما يتعلق بانخفاض العملة أو ارتفاعها في الديون، كما يتضح فيما يلي:
أولاً: تغير قيمة النقود الذهبية والفضية في الديون. وصورته: أن يقترض نقداً ذهبياًُ – على افتراض وجوده- وكانت القوة الشرائية لهذا النقد الذهبي تأتي بطن من القمح أو التمر، فرخصت أسعارها أو غلت، ففي هذه الصورة لا خلاف بين الفقهاء على أن الواجب عليه هو رد مثل هذه النقود الذهبية يوم الالتزام ولا عبرة برخصها وغلائها عند حلول وقت الأداء؛ لأنها نقد بالخلقة وهذا التغيير في قيمتها أمر نادر لا يلتفت إليه استقراراً للمعاملات بين الناس.
ثانياً: تغير قيمة النقود المخلوطة وهي الفلوس الموازية للنقود الذهبية في الديون. وصورته : أن يقترض مبلغاً محدداً من الفلوس كان يساوي بالعملة الذهبية قدراً معيناً، وفي زمن الوفاء تفاوتت القيمة زيادة أو نقصاً، ففي هذه الصورة اختلف الفقهاء فيما يجب على المدين أن يفي به لدائنه على ثلاثة مذاهب . المذهب الأول : يرى وجوب الوفاء بالنقد الثابت يوم الالتزام عدداً ولا عبرة برخصها وغلائها عند حلول وقت الأداء. وهو قول جمهور الفقهاء، قال به أبو حنيفة وأكثر المالكية وهو مذهب الشافعية والحنابلة. وحجتهم: (1) أن الرخص والغلاء لا يوجب بطلان الثمينة فكانت هذه الفلوس كالعملة الذهبية. (2) القياس على غلاء أو رخص القمح أو الشعير إذا اقترضه فإنه يرد مثله كيلاً أو وزناً دون النظر إلى تفاوت القيمة. (3) استقرار المعاملات أصل شرعي لاستقامة الأمور، وهذا يستلزم اعتماد ما ثبت في الذمة من دين دون ما يطرأ من تغير السوق، وإلا كانت الالتزامات مجهولة أو مفضية إلى النزاع.
المذهب الثاني: يرى وجوب الوفاء بقيمة النقد الثابت يوم الالتزام وليس بعده، وتقوم الفلوس بما يعادلها من الذهب يوم ثبوتها في الذمة. وهو آخر ما انتهى إليه أبو يوسف صاحب الإمام أبي حنيفة وعليه الفتوى عند الحنفية. وحجتهم: (1) أن صك الفلوس كان يمثل قدراً معيناً من الذهب فكان هو التقويم الحقيقي. (2) أنه لا غنى عن النقود الذهبية في التعامل؛ لأن المخترعين لفكرة النقود الورقية غير المغطاة بالذهب يعطون لها قوة شرائية معينة بمعيار الذهب. كما أن ترك العملة الذهبية لن يدوم وسيعود الناس إليها؛ لأنها نقد بالخلقة والطبيعة، فكان الاحتكام إليها هو الأصل الذي لا ينقطع.
المذهب الثالث: يرى التفصيل بحسب التفاوت اليسير والكثير، فإن كان التفاوت يسيراً فالواجب على المدين أن يكون وفاؤه بالنقد الثابت يوم الالتزام عدداً، وإن كان التفاوت فاحشاً فالواجب على المدين أن يكون وفاؤه بقيمة النقد الثابت يوم الالتزام، وهو قول بعض المالكية. وحجتهم: الجمع بين حجج المذهبين السابقين، ولأن التفاوت اليسير مغتفر بين الناس غالباً دون الفاحش الذي يوقع الضرر بأحد المتعاملين، والضرر مرفوع.
والمختار عندي: هو ما ذهب إليه بعض المالكية القائلون بالتفريق بين التفاوت اليسير والكثير؛ لأن التفاوت الفاحش فيه ضرر بالغ ولا يغتفر فيه، فيكون من أكل أموال الناس بالباطل.
ثالثاً: تغير قيمة النقود الورقية غير المغطاة بالنقود الذهبية في الديون (التضخم المعاصر). وصورته : أن يقترض مبلغاً محدداً من النقود الورقية المعاصرة ذات قوة شرائية معينة دون الارتباط بالنقود الذهبية ثم ارتفعت أو انخفضت هذه القوة الشرائية- وهو المعروف بالتضخم- فهل يسري على هذه الصورة ما ورد في حكم تغير قيمة النقود المخلوطة (الفلوس) الصادرة بمعيار النقود الذهبية أو بعض ما ورد فيه؟ لقد اختلف الفقهاء المعاصرون فيما يجب الوفاء به هنا على ثلاثة اتجاهات.
الاتجاه الأول: يرى أنه يسري على النقود الورقية غير المغطاة برصيد ذهبي ما سبق من خلاف في حكم الوفاء بالدين من النقود المعدنية المخلوطة (الفلوس) ذات الغطاء الذهبي؛ لأن الذهب في جميع الأحوال هو المعيار الثابت في تقدير القوة الشرائية وسائر العملات النقدية ، وهو اتجاه الأكثرين، واختلفوا في الترجيح بين المذاهب الثلاثة المذكورة، واتجه مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي في دورة مؤتمره الخامس 1409هـ 1998م إلى أن العبرة بوفاء الديون الثابتة بعملة ما هي بالمثل وليس بالقيمة ، وعلل ذلك بقوله : " لأن الديون تقضى بأمثالها فلا يجوز ربط الديون الثابتة في الذمة أياً كان مصدرها بمستوى الأسعار". ثم أكد المجمع ذلك في قراره الصادر في دورته الثامنة 1414هـ 1993م. حيث جاء فيه: " الدين الحاصل بعملة معينة لا يجوز الاتفاق على تسجيله في ذمة المدين بما يعادل قيمة تلك العملة من الذهب أو من عملة أخرى، على معنى أن يلتزم المدين بأداء الدين بالذهب أو العملة الأخرى المتفق على الأداء بها".
الاتجاه الثاني: يرى أنه يجب التفريق بين الديون المرتبطة بالقوة الشرائية للنقد وبين غيرها. أما الديون التي روعي في تحديدها قوة النقد الشرائية وقت الوجوب ثم طرأ التضخم المالي وانخفضت تلك القوة الشرائية فإنها تتغير بحسب نسبة التضخم الحادث، كما في دين النفقة؛ لأن القاعدة التي بني عليها تقدير النفقة إنما هي تحقيق الكفاية للمنفق عليه. وأما الديون التي لم يراع في تحديدها قوة النقد الشرائية وقت الوجوب كالقرض وثمن المبيع فإن العبرة في الوفاء بها هو بمثلها عدداً وليس بالقيمة ؛ لأنها قائمة على الإرفاق، ومن باب استقرار المعاملات عند تقلب السوق.
الاتجاه الثالث: يرى وجوب توفيق الأوضاع في التضخم بما يحمي حقوق الدائنين والمدينين معاً دون المحاذير الشرعية، وهو الاتجاه الغالب في الندوة التاسعة لمجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي 1415هـ 1995م، والندوة الثانية عشرة 1421هـ 2000م. وحجتهم: أن التضخم يعد من مساوىء النظام النقدي المعاصر مما يستوجب على الفقهاء البحث عن الوقاية منه والعلاج من آثاره وليس السراية في تتابعاته. ومن هذا العلاج ما جاء في قرار الندوة الثانية عشرة بأنه:" يمكن في حالة التضخم التحوط عند التعاقد بإجراء الدين بغير العملة المتوقع هبوطها وذلك بأن يعقد الدين بما يلي: (أ) الذهب أو الفضة. (ب) سلعة مثلية. (ج) سلعة من السلع المثلية. (ء) عملة أخرى أكثر ثباتاً. (هـ) سلة عملات. ويجب أن يكون بدل الدين في الصور السابقة بمثل ما وقع به الدين؛ لأنه لا يثبت في ذمة المقترض إلا ما قبضه.
والمختار عندي : هو ما ذهب إليه الأكثرون من سريان أحكام الوفاء بالقروض والديون في حال التضخم على أحكامها عند تغير النقود المخلوطة (الفلوس) ذات الغطاء الذهبي؛ لأن معيار التقويم في جميع الأحوال إلى الذهب. ثم إن ما ذهب إليه بعض المالكية من ضرورة التفريق بين التفاوت اليسير والكثير في حال اختلاف سعر الفلوس عن سعر النقود الذهبية هو الأولى بالترجيح لمنع الضرر أو الإضرار، فيغتفر في اليسير وتكون العبرة في الديون بمبلغ الدين عدداً يوم الالتزام، ولا يغتفر في التفاوت الفاحش بحيث تكون العبرة في الديون في هذه الحال بقيمة الدين وليس بعدده. والتضخم لا يخرج عن هذا المعنى، وصدق الله حيث يقول: "لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم" [النساء: 29].







