اشتهرت " عمليات التجميل" في الوسط الطبي المعاصر في تلك العمليات الجراحية التي يراد منها أحد أمرين:
الأمر الأول : إصلاح المظهر الخارجي للإنسان بسبب عيوب خلقية، أو بسبب حادثة من الحوادث. الأمر الثاني: تحسين المظهر الخارجي للإنسان بحثاً عن الأفضل والأحسن في الشكل الخارجي ، كتفتيح البشرة وإطالة القامة وتكبير الثدي وتصغيره، وغير ذلك مما يخضع لما يسمى بمقاييس الجمال الإنسانية.
وتطورت عمليات التجميل تطوراً مذهلاً، وارتفعت نسبة نجاحها حتى في الدول النامية مؤخراً، وتشعبت فروعها فشملت عمليات شد تجاعيد الوجه، وتصغير الأنف والحواجب والذقن والأذنين والبطن والأرداف، وتصغير أو تكبير الشفتين والثديين.
واسم " عمليات التجميل" ظهر كترجمة للكلمة اليونانية اللاتينية: " بلاستيك" ، ولا يعني هذا اللفظ التجميل بالمفهوم الحرفي في هذا العصر، ولكنه يعني إعادة تشكيل أو إعادة بناء للأعضاء التي تحتاج إلى تقويم أو إصلاح مراعاة لحسن المظهر الخارجي للإنسان مما يؤكد أن عمليات التجميل هي من أهم وأخطر قضايا الشباب والشابات منذ فجر التاريخ، وقد تم تسجيل عمليات ترقيع الأنف وغيره عند الهنود والصينين القدماء سنة 700 ق.م
وفي الشريعة الإسلامية التي ظهرت في أواخر القرن السادس الميلادي وجدنا الرسول r قد عالج قضايا تجميلية كثيرة، منها صبغ الشعر وتهذيبه، فقد أخرج الطبراني عن عائشة أنه قال: " غيروا الشيب"، وأخرج ابن ماجه عن صهيب الخير أنه قال: " إن أحسن ما اختضبتم به لهذا السواد، أرغب لنسائكم فيكم وأهيب لكم في صدور عدوكم". ومنها : المحافظة على نعومة يد المرأة أو بشرتها، فقد أخرج أحمد عن ضمرة بن سعيد عن جدته عن امرأة من نسائه قالت : "دخل علي رسول الله r فقال لي :" اختضبي، تترك إحداكن الخضاب حتى تكون يدها كيد الرجال". ومنها : زرع الأجهزة التعويضية، فقد أخرج أبو داود والترمذي وحسنه عن عبد الرحمن بن طرفة أن جلدة أنف عرفجة بن أسعد قطعت يوم كلاب (اسم واد بين الكوفة والبصرة) أيام الجاهلية، فاتخذ أنفا من ورق (فضة) فأنتن عليه ، فأمره النبي r أن يتخذه من ذهب. ومنها : إعادة الأعضاء المقطوعة في الحوادث، فقد أخرج البيهقي والطبراني من حديث قتادة بن النعمان الذي أصيبت عينه يوم بدر- وقيل يوم أحد – فندرت حدقته، فأخذها في راحته إلى النبي r فأعادها مكانها ، فكانت أحسن من الأولى.
ولا يرى أكثر البحاثة والفقهاء والمعاصرين حرجاً من عمليات التجميل في الجملة طلباً للعلاج من العذاب النفسي الذي يعيشه صاحبه عندما يرى شكله غير السوي بين الأسوياء مع إمكانه إجراء تلك العملية، وعذاب النفس أشد من وجع البدن، وقد أخرج الترمذي وصححه من حديث أسامة بن شريك أن النبي r قال: " يا عباد الله تداووا فإن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء إلا الهرم".
وذهب نفر قليل من أهل النظر الفقهي إلى تحريم عمليات التجميل؛ لأنها رفض للقضاء والقدر، وتغيير لخلق الله اتباعاً للشيطان، كما قال تعالى عنه :" ولآمرنهن فليغيرن خلق الله" [ النساء: 119] ، وأخرج الشيخان عن ابن مسعود ، أن النبي r قال : " لعن الله الواشمات والمستوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات لخلق الله" وعن أسماء: " أن امرأة قالت : " يا رسول الله، إن بنتاً لي عروس، وإنها اشتكت فتمزق شعرها فهل عليّ جناح إن وصلت لها فيه؟ فقال : " لعن الله الواصلة والمستوصلة".
والقضية لا تزال في حاجة إلى نظر فقهي لضبط مسائلها، والتمييز بين ما يكون عبثاً أو رفاهة أو تحسينا أو حاجة أو ضرورة، فالشرع إنما جاء لتيسير معاملات الناس على نسق، قال تعالى : " يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر" [البقرة :185].









