24/02/2011 - الجمهورية
"ب" الاحتجاج علي الظلم بالانتحار
الباحث في الشريعة الاسلامية نصوصاً ومقاصد وقواعد وتخريجات فقهية لايجد عذراً للمنتحر الذي اختار بقراره إنهاء حياته وانسحابه من مواجهة الظالمين أو المعتدين علي حرماته. ولم يجد بطولته إلا أمام نفسه الأسيرة بين جنبيه فغدر بها وقتلها بغير ذنب. فلم يعد هناك فرق بينه وبين ظالميه؟ لأنهم جميعاً معتدون بغير حق. بل إنه أسوأهم. لأن ظلمهم كان علي غيرهم أما ظلم المنتحر فهو علي نفسه. فانطبق عليه قول عمران بن حطان الشاعر. كما ورد في الأغاني :
أسد عليّ وفي الحروب نعامة فتخاء تنفر من نفير الصافر
هلا برزت إلي غزالة في الوغي بل كان قلبك في جناحي طائر
إن الذين يوهمون البسطاء من الناس بأن المنتحر لدفع الظلم بطل وشهيد ينطبق عليهم قول الحق تبارك وتعالي : "يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون في قلوبهم مرض فزداهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون" "البقرة : 9 10". ويظهر بطلان قول أولئك المخادعين من وجوه.
(1) ان المنتحر خائن لنفسه غدر بها. ولا يمكن أن يكون الخائن الغدر شهيداً. فقد أخرج البخاري عن أبي هريرة في قصة الرجل الذي شهد خيبر مع المسلمين. فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم : "إنه من أهل النار". فلما حضر القتال قاتل الرجل من أشد القتال وكثرت به الجراح فأثبتته. فقال صلي الله عليه وسلم : "إنه من أهل النار" فكاد بعض المسلمين يرتاب. فبينما هو علي ذلك إذ وجد الرجل ألم الجراح فأهوي بيده إلي سهمه فانتحر. فاشتد رجال من المسلمين إلي رسول الله صلي الله عليه وسلم فقالوا : يارسول الله. صدق الله حديثك. قد انتحر فلان فقتل نفسه. فقال صلي الله عليه وسلم : "يا بلال قم فأذن لا يدخل الجنة إلا مؤمن. وإن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر".
(2) ان المنتحر اعتدي علي نفس آمنة. وهو أشد أنواع العدوان» لأن الإسلام يمنع العدوان علي الآمنين من غير الأعداء سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين. بل يمنع العدوان علي غير المقاتلين من الأعداء المحاربين عند جمهور الفقهاء كما حكاه ابن تيمية وغيره. فإذا كان قتل المسالمين والآمنين محرماً فما بالنا بقتل الإنسان نفسه البريئة تجاه نفسها. أليس هذا أسوأ أنواع الغدر والعدوان. أليس الأولي بمن يرفع شعار دفع الظلم عن الوطن أن يرفع الظلم عن نفسه بعدم نحرها. لأن فاقد الشيء لايعطيه.
(3) ان المنتحر لم يواجه الظلم وإنما فرّ منه وأعلن استسلامه قبل أن يواجهه. وقد اجمع الفقهاء علي تجريم الفرار من المعركة. وأنه من أكبر الكبائر؟ لما أخرجه الشيخان عن أبي هريرة. أن النبي صلي الله عليه وسلم ذكر من السبع الموبقات أي المهلكات "التولي يوم الزحف".
(4) ان المنتحر انهزم أمام نفسه فنحرها قبل لقاء الظالمين. فكيف بهذا المنهزم أن ينصبه المجتمع بطلاً وقدوة للآخرين : إن البطل لايعرف الهزيمة أمام الآخرين فكيف بهزيمته أمام نفسه حتي قتلها.
(5) إن القول بأن الانتحار بباعث الاحتجاج علي الظلم قد أثمر تحقيق التغيير للنظام السياسي المستبد في تونس قول مخادع. لأن التغيير لم يكن بسبب انتحار المواطن محمد بوعزيزي لأنه لم يكن الأول في ضحايا ظلم النظام. وإنما كان التغيير بعد أن فاض الكيل وفقاً للقاعدة الفقهية: "إذا ضاق الأمر اتسع. وإذا اتسع ضاق".
د/ سعد الدين مسعد هلالي
أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر










